حوار حول المرأة والتطرف الديني

سعيد الكحل
2016 / 3 / 2



1- هل تر-ين ان السبب في اضطهاد المرأة يكمن في الأديان أو الأعراف أو الصراع الطبقي؟ أم أسباب أخرى؟
بخصوص الدين الإسلامي الذي لدي اطلاع به يسمح لي بالجواب ، فإن النصوص القرآنية لها قابلية كبيرة لتحمل أي معنى وتبرر أي موقف ، أكان مساندا للمرأة أو معاديا لها . هذه القابلية للتأويل والتفسير استغلتها التيارات المحافظة على مر تاريخ الدول الإسلامية ، لشرعنة القهر الاجتماعي للمرأة . هكذا سيتجند الفقهاء خدمة لأهداف التيار المحافظ ، إلى تكثيف اجتهاداتهم المكبلة للمرأة والمعطلة لكفاءاتها والمهينة لإنسانيتها والحاطة من كرامتها . فكل ما فعله الفقهاء هو جعلهم الأعراف الاجتماعية بمثابة تعاليم دينية وتشريعات سماوية ملزمة للمسلمين . فلم يتركوا قضية أو جزئية تتعلق بالمرأة إلا أثخنوها بالتشريح والتشريع كما لو أن الدين الإسلامي جاء خصيصا لمحاصرة المرأة وتجريدها من إنسانيتها . فمعظم الاجتهادات الفقهية حولت الأعراف الاجتماعية إلى تشريعات سماوية ، فبالغت في تحقير المرأة ورهن مصيرها بيد الذكور حتى إنهم حرّموا عليها طلب العلم والمعرفة والمشاركة في تدبير الشأن العام وممارسة حقوقها السياسية تصويتا وترشيحا بشتى التخريجات الفقهية نظير أن صوت المرأة في الانتخابات لا يساوي صوت الذكور ، وأن تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة هو ولاية صغرى للمرأة على غيرها التي يحرمها الفقهاء عليها بالاستناد إلى حديث مشكوك في صحته ومطعون في سنده (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) . وأظهرت المعارك الحقوقية والسياسية التي تخوضها الحركات النسائية أن التحالف الطبقي المناهض للديمقراطية ولحقوق النساء يستغل فقه البداوة لحجز حركية المجتمع وانفتاحه على قيم العصر وحقوق المواطنة . فأي انفتاح ودمقرطة للمجتمع سيكون التحالف الطبقي هو الخاسر الأكبر ، لهذا يجعل من تكريس أوضاع النساء السد المنيع في وجه أي تقدم أو تغيير . من هنا يمكن الجزم بأن اضطهاد المرأة لا ينفصل عن اضطهاد الشعوب العربية واستغلالها وقهرها . ففي المغرب مثلا ، تحالف التيار الديني بكل أطيافه مع التيار المحافظ لمناهضة مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية فنظموا مسيرة في 12 مارس 2000 بغرض إدامة قهر المرأة داخل الأسرة وداخل المجتمع. من هنا رفضوا حقها في الولاية على نفسها في الزواج ، وفي اقتسام الممتلكات الزوجية وفي تطليق نفسها ، أي أرادوا أن تبقى المرأة رهينة بيد الذكور .فالتحكم في المرأة هو المدخل للتحكم في المجتمع.
2- كيف تر-ين دور القوى المحافظة و المتعصبة دينيا وخطابها على التحريض ضد المرأة، وانتهاك حقوقها وتعزيز دونيتها في المجتمع؟
كل مطالب النساء بالمساواة وضمان الحقوق السياسية والمدنية تواجه بالتكفير والرفض من قبل التيارين الديني والمحافظ ، فمصلحتهم مشتركة في قهر المرأة والتكم في مصيرها .وتجدر الإشارة هنا إلى أن التيار الديني يصف النساء المناضلات بالعهر والانحلال والتغريب والعمالة للغرب بهدف تشويه سمعتهن حتى لا يكون لهن تأثير على الشرائح النسائية . في ظل هذا الصراع ، يستغل التيار المحافظ فقه البداوة لتعزيز موقفه المناهض لحقوق المرأة . والخطير في الأمر ، أن التيار الديني يزداد تغولا وتخلفا وتشددا في موضوع المرأة ،وقد تتبعنا مآسي النساء ضحايا أنواع كثيرة من الزواج التي لا تضمن للمرأة أي حق من حقوقها الزوجية ، وآخر هذه المآسي تلك التي نتجت عما يسمى بجهاد النكاح الذي ذهبت ضحيته مئات الفتيات . لكن منتهى الهمجية والوحشية هي تلك الجرائم التي ترتكبها عصابات داعش في حق العراقيات والسوريات من سبي واغتصاب وبيعهن جواري .وقد لعب الفقه الموروث دورا محرضا على ارتكاب وشرعنة هذه الهمجية . إن القهر الذي تعاني منه المرأة تتداخل فيه عوامل اجتماعية ، سياسية، ثقافية ودينية .

3- ماهو تأثير فصل الدين عن الدولة على تعزيز حقوق المرأة ومساواتها في المجتمع؟
إن تحرير المرأة من القهر والاستغلال وضمان حقوقها السياسية والمدنية والأسرية لا يتحقق بالدين ، لسبب بسيط وهو أن الدين نفسه صار رهينة بيد تجار الدين والأخلاق . فعلى مدى 14 قرنا ، ظل المسلمون يلوكون فتاوى تضع المرأة في مرتبة البهيمة ويجردونها من كل حقوقها . فالتيار المحافظ والديني يستعملان الدين سلاحا فعالا في مواجهة مطالب النساء ومناهضة حقوقهن . لهذا لا سبيل لفتح آفاق الارتقاء بالنساء وضمان مساواتهن إلا بفصل الدين عن الدولة . فلا دولة عربية تفتح الفرصة للنساء للتنافس على منصب الرئاسة بحكم أن "الإسلام يحرم الولاية العامة للمرأة" . فإذا كانت ولاية المرأة على نفسها محرمة فكيف سيجيز الفقهاء ولايتها على الشعب ، أي الولاية العامة.
4- ما هي الدوافع وراء انخراط بعض النساء في صفوف القوى الإرهابية والمتعصبة دينيا؟
إن خطورة الإيديولوجيات على وعي الناس أقوى وأشد من خطورة المخدرات. وحين يتعلق الأمر بالإيديولوجيا الدينية تكون الخطورة مضاعفة . ومن أبرز الدوافع التي تجعل النساء أكثر عرضة لاعتناق هذه الإيديولوجيا والالتحاق بالتنظيمات الدينية المتشددة أو الإرهابية ، الثقافة الذكورية التي شكلت ذهنية النساء وهيأتها لتقبل إيديولوجيا وعقائد التنظيمات المتشددة والإرهابية. يضاف إلى هذا نوع التعليم الذي يقدم للمرأة والذي يكرس دونيتها وتبعيتها للرجل وطاعتها العمياء له ، فضلا عن المواعظ الدينية وخطب الجمعة التي تجعل المرأة ترى في نفسها أنها مصدر شر وإغراء الذكور ، وألا سبيل لتحصين المجتمع من فتنتها سوى بارتداء ما بات يسمى بالزي الشرعي والحذر من مخالطة الذكور ومغادرة البيت دون إذن الزوج أو مرافقة المحرم ووو .وكل هذه العقائد تستغلها التنظيمات المتطرفة في استقطاب النساء وإقناعهن بأنها جزء من الدين ، بل هي أساسه . وقد لعبت فتاوى جهاد النكاح دورا كبيرا في استقطاب الفتيات والنساء والتحاقهن بداعش .
5- هل النضال من اجل المساواة الكاملة للمرأة مع الرجل مهمة النساء فقط، أم الرجال والنساء معا؟
النضال من أجل تحرير المرأة لا ينفصل عن النضال من أجل تحرير المجتمع ، وقضية المساواة الكاملة للمرأة مع الرجل هي قضية مجتمعية وليس فقط قضية المرأة . فتحرير المرأة هو المدخل الأساس لتحرير المجتمع من كل أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد . ولا يمكن تحرير المجتمع إلا بتحرير كل طاقاته المستغلة والمستلبة والمهمشة ، والمرأة على رأسها وفي عمقها .
6- كيف تقيم-ين دور المنظمات والاتحادات النسوية في مواجهة الحركات المتطرفة والمتعصبة دينيا، وكيفية تعزيز دورها؟
إن المعركة ضد التطرف والتعصب الديني هي معركة المجتمع بكل فئاته وقواه الحية ومثقفيه ومؤسساته .ففيما يتعلق بالمغرب ، يشهد حركية دؤوبة لعدد من الجمعيات النسائية في مواجهتها للتنظيمات المتطرفة والمتشددة . وقد بدأت المواجهة ضد التيار الديني منذ 1991 حين قدم اتحاد العمل النسائي عريضة تعديل مدونة الأحوال الشخصية ، ثم تأججت المواجهة سنة 2000 بمناسبة إصدار الحكومة مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية حيث نظمت الجمعيات النسائية والأحزاب الديمقراطية مسيرة وطنية بالرباط في 12 مارس 2000 لدعم المشروع فيما التيار الديني نظم مسيرة مناهضة في نفس اليوم بالدار البيضاء . وتخوض اليوم معارك مماثلة من أجل تجريم زواج القاصرات ووضع قانون إطار ضد تعنيف النساء ، فضلا عن المعارك من أجل السماح بإجهاض الحمل غير المرغوب فيه وكذا المناصفة والمساواة في الإرث بين الذكور والإناث . كل هذه المعارك تخوضها الحركة النسائية ضد التنظيمات الدينية . فالحركة النسائية في المغرب حركة نشطة وحققت مكاسب مهمة ، إلا أن معركتها اليوم ، لم تعد ضد الحركات الدينية المتعصبة والمتطرفة فقط ، بل صارت ضد الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي ظل يناهض مطالب النساء ويكفر المناضلات والمناضلين في صفوف الحركة النسائية الديمقراطية . وبسبب مواقفه المناهضة لحقوق النساء ، يتلكأ رئيس الحكومة في تطبيق كل ما ينص عليه الدستور ، وفي مقدمتها المناصفة ووضع تشريعات تنهي كل أشكال التمييز ضد النساء .