طيف الذكرى شهادة في حق فقيدنا محمد بوزليم 2

إبراهيم الوراق
2016 / 2 / 28

من غرائب الوجع، أنني أبكي، وبكائي دليل على قد أنني قد فقدت أسراب الحمام التي كانت تجتمع حول ربوة ثائرة بين سكون الوهاد، وضيعت وهج الشمس بين أشجار همست فيها تعاويذ ضراح تميد في عشق رؤيتها القلوب الرطيبة. أجل، قد فقدت ذلك السديم العاطر، والنشيد الساحر، ولم يبق لي في الحس إلا تغريد ألملم سحابه بين غسق يوم أضحك كسوة الثعلب، وأوغر صدر الذئب. كلا، لم سأعوج على الديار، وها هي بمنظر يثب فيه الريح سريعا.؟ بل لم سأنزل بالحمى، وقد رفع عليها علم السواد، والحداد.؟ تلك هي قصة السلحفاة التي تسبح في بركة آسنة، لكي تجتاز إلى اليابسة الآفنة. فهل نسيت العهد الذي عقده البرُج، وكتبته أناملي المرتعشة على دفاتري المبعثرة.؟ لا، بل زحف شبح الإسمنت على قفص المنية، فتلاحقت الأمشاج على طي المسافة، فاغترب القريب، وارتقى البعيد، وغدا ذلك الكُن ذيلا للمتألم، وقيدا للمتبرم، وكأنه قد استعصى عليه أن يفهم كيف تصاهرت الأعراق، وتلاقحت الأعلاق. إنها قصة قرية تقاعست عن اللحاق بركب الفاترين عن الألوان، ففاتها ما في حزن الأفكار من أعماق حرونة الأفنان. أجل، سأمسك بيدك بين رِمة الديار الحزينة، لكي توقن بأن للطبيعة تصورا آخر غير الذي تدرسه في مشكلاتك العقيمة. وإذا أدركت أن هناك اعتبارا آخر للإنسان، وللطبيعة، وللكون، فإنك تصطاد معي تلك البراغيث التي تقض مضجعي، وتجعلني أفقد لياقتي في سرد الحكاية الحبيسة. إنها الحقيقة يا صديقي، فأنا لست من مواليد هذه القرية التي أهل فيها وليد غشى صراخه الآفاق، لكنني وجدت نفسي فيها، قسيسا، وقديسا. ومن شدة معرفتي بها، نسيت ولادتي في غيرها. لا، بل غيري ممن أتى بهم طلب المزيد من الوضوح، لن يشهدوها في نظرهم إلا محرابا ضاع بين كراريس التاريخ. فلم نلام على عشق القرى.؟ لو سألت فقيدنا عن هذا السر الذي نأى بنا عن حراس الضفاف، والشطآن، لقال: هنا ولدت، وهنا ألصقت على الجدار صورة حلم زين الأجياد بحسن المرابع الهادئة. فما أعظمها من قرية إذ أنجبت الفقيد بين هتاف الوجدان، ونبض القلوب، بل ما أجملها من قرية إذ نسجت فستان الأمل في عزيمة جيل عرَّد به التيه بين غسق الأكوان. هذه القرية، هي في الأصل أصغر قفص عرفته بين الضرورات الصعبة التسديد، والتحديد، لكنها في المعنى فردوس الحقائق التي وثب إليها الشوق بلا تمهيد. فلا تلمني إذن على العشق، وفيها خف الجمل، وثقل النمل. أجل، تلك الذرة من الأرض، نشم من طينها رائحة الإشارات الغامضة، والمعاني الواجفة. فهل هنا ولد محمد بوزليم كالليث الهصور.؟ أجل، إنه ولد في قرية المزار، ولبى نداء الحياة فيها، وهي من أفخاذ قبائل كسيمة، ومن أعمال السوس الأقصى. فحيها من قرية تفتق من ضلعها نبع الوحدة المقدسة، وتفجر من نبعها ما صرصر في غيرها من الأحداث المعتقة. فحيها من قرية نزف فيها صوت الحياة اللطيفة، ونغم فها لحن الطبيعة البديعة.
وإذا كانت قرية المزار مهدا لولادة أفذاذ تفاوتت همهم، وتنوعت مراتبهم، وتعددت معابدهم، فإنها بذلك تكون قد ولجت التاريخ بمَدد أنظار عذراء، وأفكار خفراء، كانت في البداية مفعمة بالأمل، ثم استحالت بين الخطوط براءة في جذوة البطولة، ثم لسعتها عضات نزاع تجرع الألم بين المحيطات، فاستحالت عاطفة تعني بمدائح الذكرى بين محافل ونوادي المعرفة الخالدة. هكذا ظهرت القرية كنانة الله في المرآة الصقيلة، وقد أفردها بحثها عن ذوق المعاني، وميزها عن أمكنة لم يأتدم فيها الحلم بخمرة تُعمي العقل عما ظهر بين الموارد الخاطئة، والصائبة. بل زاحمت بركبها ما اشتق بين النوادي من ألفاظ غائرة، ونافست بأعلامها ما شبا علوه بين الديار الحائرة، فكانت كالنسر المحلق على العوالي السامقة. إذ لولا ما يهدد الفرحة من شؤم المطالع، لما أيقنا اليوم بأن ما فقده ضلعها من نخاعه، هو فقد لجناح هذه القرية التي بنينا فيها خياما للأمال البعيدة. هكذا كانت القرية بطيئة في خفقها، ومتثاقلة في خبيبها نحو هديل الحلم، وصهيل المنى، لكنها، ولو تخلفت عن ركْب المدينة الناعمة، فإن ضربة حظها في أفلاذها، وأفذاذها. ولذا، إن تفخر القرى بحدائقها الونانة، فحق لها أن تعتز بلحنها المسفوح من أوتار أفئدة أبنائها. ففرق كبير بين ذا، وذاك. فالبستان الذي فتح باب اليمين مع الذات، ليس هو البستان الذي أجهض الأجنة بإعاقة الأفكار. فلا تلمني إن أفرطت في المديح، فما أنا بمناظر لفقيدنا في أصلية النسب، ولا بمطارح إياه في رصف القضية، لكنني، قد شاركته ما توطن الذات من دفئ أنبا به الخبر الصحيح بالنقل الصريح. إذن، هنا أقف، وأنا، وأنت، وغيرنا، بل سوانا ممن لا يعرفنا، لا نرمي حبالنا إلا لكي نصطاد بديع الأحاديث المروية في فضل البلدان. فهذه قريتي بالانتماء، وهي قريتك بالانتساب، فكلانا في الصوغ لطف بين لحمة هذا المخطط الأزلي، فلا تعاند، فالغزاة لا تشهد لهم الأشلاء بامتلاك الأسوار، والأكوار، كلا، لن نفر إلى الآطام القائمة، لكي نناصر كل زحاف حبك الأخبار السيارة، بل اجتمعنا بلا صولة، فكانت البسمات شعرا على لسان كل من حضر مواسم الفضيلة. فلم تميزت هذه القرية عما سواها.؟ قد نجهد أنفسنا كثيرا في أن نقنع غيرنا بهذه الحقيقة التي نهمس بها بين الدوح الوارفة. لكن، قد أطيق أن أخفف من سعير اللوعة، ويحموم اللهفة، عساي أن أحكي عن قرية عشنا على بطحائها آمنين، سالمين. تلك هي دمعة الطل التي يشهدها على جفوننا كل من مزج بين الأبشار في بشاشة القرية. إذ لولا ما أفردها عن غيرها، لما تآلفنا على في نذورنا، ولما تلاحمنا على ما تدنيه إلينا هباتها. فلكل واحد منا سره، وقد قرأه فيما اكتشف بين المطامير من كراريس تجرنا بحبلها إلى تواريخ القدماء. فهذه القرية، هي التي اكتشفها المختار السوسي في زمن غير بعيد، ونحن قد اكتشفنا قدمها فيما غيرت من أوجه الحقيقة الغافلة، وبددت من أحجبة حجزت النظر عن سمو تأمل الروائع بين الأحجار، والأشجار. إذ لو لم نكتشف مشاعل ضوئها في سر أهلها، لما اكتشفنا عوالمها من بقايا تاريخها. ربما قد تقول لي: أين السر.؟ لو قلت ذلك، فأنت ممن يبرأ من الباطن رجوعا إلى الظاهر، بل ممن يرى المرآة المعلقة على صفاء الوجوه الباسمة، ولا يدري أن سرها في ورائها، لا في أمامها. فالسر في معدنه، لا في مظهره. والحلية ليست إلا جمالا على ناقص الطبيعة. إذ لو نفح الجمال الفاتك لغوب الأماكن، لما احتاجت إلى دفن عيبها بين غياض المفاتن. بل لولا سرها المتحدي للعهود، والمدود، لما كانت مهبط وحي اليراع، والشدو، والفكر، والنظر. أجل، قد رشحت بنا، وبغيرنا، وغمرتنا، وسوانا. ولولا فضلها علينا، لما قلنا بأن لنا في المكارم منقبة، ولا مرتبة. فوجودها بين مكان يبلغ منتهى النظر إليه ماتوارى خلفه من غاية، قد أهلها لختم التركات بالمفاجآت، لأن ماءها، لا يحتسي غليل منه رشفة إلا ووجد فيه هوى أحلامه بين غمرات ريِّه. فلم لا نسبح في عباب تيارها، وقد وعدتنا بالوجد، لا بالفقد.؟ قد يكون هذا عزما يفنده لغوب مفرط في لحن القول، لا، بل ما عميت عيني عن خمرة الخبر، ولا دميت قدمي من مشيي على جمرة الوعِر، لا، بل فتحت صدرها لكثير ممن ولجها، وفرحت بكل من هواها، فلا غرابة إذا أسرت قلبي، وأرهفت حسي، وأغنت ذاتي. فلا عجب إذا كانت مهدا لفقيدنا محمد بوزليم، ومهجعا لأحاديث نفحتها الساحات، والآيات، والآلات، ومربعا لذكريات نمت بين الديار، والأبراج، والضراح، فكان منها ما تولدت ثمرته فينا، وأينعت، وما تجلت غمرته، وظهرت. وكان منها ما امتطينا صهوته، وركبنا ثبجه، وخضنا فورته، وكان منها ما حملنا عشقه بين المعاهد، والمجامع، فنلنا به خلع القرب، والأنس، والسمر، والمرح. هكذا كانت هي القضية التي أودت بفقيدنا، وهو يألم لتخنث الموارد، وتبرج المطالع، ويبحث عن عودة معاني الرجولة، والمروءة، لا ما يخبر به اللسان حين يبشر باحتضانها لجامعة في الشريعة، واحتوائها لزمرة آثرت ميادين الفاقة، ومخاوف البسالة. كلا، بل ما حدا حادي الشوق إلى ما حل بها، إلا بعد أن أنست بالمكان، وارتاحت إلى المكين. فشرف الحال شرفٌ في المحل قبل أن يحل، إذ لا يتوضأ إلا من إناء طاهر. وما طهر فهو صفة الذات، وما نجس أصله، فلا عودة له إلا إلى أصله. وهكذا القرية، فإما حر يموت عزيزا، وإما ذليل يقضى عليه حسيرا. ولأن تموت حرا خير من أن تموت معدما، يقتلك الغم والنكد في كل يوم سبعين مرة. فالذين ماتوا أحررا، لا بد أن يأتي يوم يمجدون فيه، ولو طال الزمن، وقصر أمد الحظ في عين التوافه، لأن الأحرار، لم يخلقوا للكسب، والترف، والنزق، وإنما خلقوا ليكونوا طاقة في غيرهم، فزوالهم من أعياننا إيذان بحضورهم في أعيننا، بل غيابهم عنا، لا يثير عندنا إلا رغبة في إصلاح ما أفسده النفاق، والتملق، والضعف، والفقر. فلم نرقب إذن أن يولد بين حياض الكرامة ذليل.؟ لو حدث ذلك، فكيف يجوز لنا أن نصدق ما قاله الحكماء، والصلحاء.؟ لم يقل باجتماع الوصفين في ذات، بل قيل بغلبة ذا على ذاك، لئلا يؤكد الدليل القول بالمجرد المحض، وذلك متعذر في الأوصاف. فلا ترم المعنى إن لم تميز بين ذا، وذاك، لأن ما هو صفاء في المرآة، لا ينكشف إلا نقاء، وإذا اغبرت الرؤية، جاءت بالأعاجيب في رواية الأوصاف. فلا تخل الأماكن بلا أرواح، وأشباح، وما كان شبحا، فلا معنى له إلا إذا أقررنا بمرتبة في اشتماله على روحه. والروح سر في الشجر، والحجر، والمذر، والوبر. والسر في وجود النقيضين، لا يعانده إلا من نمى في عقله الحكم بلا احتراف للاستنباط. ولا استظهار للمكنون إلا بملكة الاستدلال. فالسر في القرية أنها مركز الدائرة، فسواء من خاطب الغيب من الصلحاء، أو من خاطب الشهود من الحكماء. فكلاهما اشتاق إلى القرية، فما سيدي صالح إلا من تلك الأرواح الروحانية، وما محمد بوزليم إلا من تلك الروائح الزكية، وكلاهما نسـتأذن القدر في شم أريجهما، ونستأني في درك ما دفن من معناهما. فذاك نحس في حضرته بالذبول، وذا نحس في حديثه بالذهول، وبينهما فئة متحرقة، ترق لذا، ولذاك، وتقول: إن عقل القرية في أبنائها، وكل قرية لا تمتلك الأبناء، والأحفاد، والأسباط، فلن يكون لها في غد السرور فرح بالظهور، ولا قرح بالكون. كلا، بل إذا كثر القيل والقال عن القرى، واضمحل الدليل، وأهين الجليل، كان سبيل أبنائها القلق، والأرق، لأن حفظ القرى من الغوائل ،يزيل صفاء الخلوة، ويكدر نقاء النجعة، وفي ذلك تنافس المتنافسون، وتقاتل المتعاندون. إذ القرية لا تُستنطق إلا من أبنائها، ولا تستنبط قيمتها إلا مما فيها من طاقات، ومواهب، واستعدادات، وإرادات، وتناقضات، وتباينات، وكل ذلك قد جسده محمد بوزليم، وإن أنكرت ذلك، فلا دليل لنا اليوم، وقد قفدنا سبيلنا إليه، ولو كان القدر قد أهمله، لتبين لك بالحجة الدامغة أنه عقل القرية التي ولد فيها. فلو جالسته، أو عاشرته، لقرأت من مرآته كل ما خفي بين البيوت من أحلام يصاحبها النظر نحو السماء، أو كل ما برز على وجه الرحاب المبللة بكثير من التقوى، والورع، والدهاء، والانطواء. وهكذا الأفذاذ، يحملون رموز أقوامهم، وألغازها، وأمثالها، وجروحها، ودماميلها، وآمالها، وأحلامها، لأنهم ما وجدوا إلا لكي يكونوا جامعين لكل الصفات التي تنفجر في محيطهم، وبيئتهم. ولذا، فإن قرية المزار، ومنذ القديم، هي الدير للتأمل، والاستبطان، والقراءة، والمراجعة. وكل ذلك قد حدث، لا بفضل ما حل بها من كتب، ودواوين، بل بفضل المخلصين المفتدين من أبنائها. وما محمد بوزليم، إلا جامع لذلك الصوت الذي هو لغة الجميع. فلا غرابة إذا أنتجت القرية صوت الشعر في القيثارة، وصوت الحكمة في الكلمة، لأن ما فيها من فضاء، وأفق، ومدى، قد هيأتها لتكون مراحا للمبنى، والمعنى، وسواء ما كان فلسفة، أو أدبا، أو تاريخا، فكل ذلك قادر على أن ينتج راهبنا الذي فقدناه بعدما أفل نجم لاءاته التي لم تجد لها قلبا هنا، فاختار لحريتها خطأ التاريخ، لكي يكون ضحية لواقعه التي نكتبه اليوم ذابلا.
ونحن إذ نستعيد تاريخه، لن نصنع منه ذلك المنظر الرائع الذي يجعلنا نمنحه كل ما نملك فداء لروحه، أو تضحية من أجل وصوله إلى أهدافه، وغاياته، إذ لو كان ذلك نافعا في نشاز أصواتنا بين الحجرات الضيقة، لتقدم به إلى الأمام في زمن احتاج معه إلى طبع آخر منا، لكن ذلك مما لم يحدث، بل كان من جميل ما آثرناه به، أننا وهبنا له أسماعنا، لكي يبوح بما يزفر به باطنه، ويحدث عن سره الذي نقر بجزء منه، ونرفض كثيرا مما لا نسجل به رسم البطولة له. لأننا، ولو أيقنا بأننا لن نحجب شمسه بخجلنا، أو بجبننا، ولن نسد الطريق بين عينيه بمللنا، وضجرنا، فإننا نجزم بوعورة المسلك الذي يمشي عليه، وحزونة القصد الذي جند نفسه له. فحسبنا أن نكون أوفياء لدين الصداقة، وإن اختلفت ديباجة بناء الحلم عند كل واحد منا، وتنوعت الرموز والتفعيلات والخيالات التي نطارح بها قصيدة همومنا، وغمومنا. لكن ذلك، لا يقتضي منا أن لا نقر بمبادئه الحافزة، ومواقفه الناصعة، لأن ذلك مما يجعلنا نحيي فيه روحه المثقلة بحب المغامرة، والمقامرة، ونزكي فيه نبل مبدئه، وفكرته، ورأيه، إذ لا يتميز الأفذاذ إلا بدقة الملاحظة في صناعة الذات، والموقف. وكل ذلك قد نجده عنده، وإن لم نجاريه في كثير من قناعاته، لأننا لم نتساو في ذلك التغريد الذي يشدو به بلبل كل فرد من أفراد مجموعة تفتقت فيها جذوة الحماسة، واشتعلت فيها حمية الانتماء إلى مطلقات دينية، وأخلاقية. ومن هنا، فإن تميز المبدأ، والرأي، لا يعني سلامة الغاية، بل هناك محددات أخرى، لها علاقة وطيدة بالنضج، والصدق، والفطنة، والحنكة، والكياسة، وذلك مما ينفرد فيه كل واحد منا بصفة، ولا أدري هل اجتمعت كلها في شخص، لعله يكون سوبرمان القرية، فنخطو بخطواته إلى لحظة تتعمق فيها المعاني، وتتوثق فيها المباني.
في قرية المزار ولد محمد بوزليم، وفيها نشأ، وفيها اجتاز مرحلة الابتدائي، ومنها انتقل إلى الإعدادي، والثانوي، وفيها حصل على شهادة الباكالوريا من ثانوية البقالي، وفيها احتقب حلمه إلى جامعة ابن زهر التي فارقها بعد مدة يسيرة، لكي يلتحق بكلية الشريعة جامعة القرويين، وفيها نال شهادته الجامعية، وفيها انتقل في سفرته الأولى، وإليها عاد مترعا بالخواطر المكظومة، ومنها انتقل في سفرته التي أنهت حصيده، ورصيده. لكن ما الذي حدث في قصة الحياة حتى بددتها الرياح العاتية.؟ شيء كتب في سجل الذكريات الخالدة، ونقش على صفحة الحياة البائسة، وسواء عرفناه، أو لم نعرفة، لكننا، إذا كنا قد استسغنا أن نقرأ نصاعة أسطرها في شطر من حياتنا، فإننا لا نطيق اليوم أن نجيد الكلام عنها، ولا أن نحكيها بصوت لؤلؤي الإيقاعات، والنغمات، لأننا قد فقدنا عذوبة البيان، ووضوح الرؤية، ولم يفِض عندنا منها إلا شيء يسير نحاكي به الماضي الغادر، وهو منفصل عن الحاضر السادر، وكأننا قد ضيعنا تلك العاطفة التي نقرأ بها رغبة شاب عاش الفرادة في شخصيته، وفي يقينياته، وفي حركته، بل تجاوزنا لحظة اهتياجنا بذلك الطيف الذي يصبو إلى أمل وجيه، لم يشأ القدر أن يجعله بعد زمن مجدا غابرا. كلا، بل ركض في العنان، فلم يهتد إلى ذلك العز الذي توثب إليه، ولم يحلق مع تلك النجوم التي تصيره بلا شبيه، ولا نديد، بل كان ما كان من لذة التأمل، ومتعة التفكير، وأنى له أن يعود.لكن، ولو لم يمكن لنا اليوم أن نعد ذلك من مفاخره، ولا من مفاخرنا، فيكفينا أن نذكر بلا شهية بعضا من العناوين التي تناشدها الحظان بين شوائب الزمان، لعلنا نعبر بإخلاص عن رزئنا، ووجعنا، وجرحنا، ونعرب عن استمرار الذكرى التي تنوب عن طلبنا للمستحيل حين نطالب الزمن بإنصافه، أو بإرجاعه. وما ذلك إلا تجرد مما علق بنا من أوضار التصوير لحياتنا بلسان فنان حطم الأوزان، بعد أن رأى سماجة الأوراق، والأذواق. ولولا ذلك، لما كان للصوت المألوف في زمن ودٌّ، ولا عهد، لأن آهاتنا تكسر من فرط الشجو كل الآثار التي نقشت على سطح الكلمات، والعبرات، والنظرات. وذلك مما يؤلمني، ويؤلم كثيرا من استلذ رنة الصوت المثخن بخيال منساب في فضاء غير محدود. لأن فكرة الذكرى التي تطغى على أفئدتنا المعذبة بالفراق، لم تعد طافحة بالضحكات المسترسلة، ولا بالعبارات النافخة، ولا بالعزائم الدافعة، بل غدا الأمل القريب بعيدا، ولو ارتقبنا خلسة أن يطل علينا من هذه النافذة شبحه، لكي يعاتبنا على ما نقول في حقه، أو نحكي به صدى ذكراه، أو نصفق فيه بأكفنا مع نداء القدر العتيد. كل ذلك، قد يشعل فتيل القول، وسواء أجدنا الوصف، أو لم نجده، وسواء شمرنا عن سواعدنا لنخبئه تحت الثرى، أو لم نشمر، وسواء رأينا وصفنا له بسالة على منبر الرثاء، أو لم نره، لكن ما يجمعنا جميعا، أننا نقر بما جللنا من غمام صرفنا عن الانتظار، وجرنا نحو تصدر مجالس العزاء، لعلنا نواسي في ذواتنا فقدا حرمنا من شخص أتيح له أن يكون صورة من صور طفولتنا، وشبابنا. ولذا، لا نستهول أن يموت محمد بوزليم، ولا أن نموت، لأن لغة الموت تتجاوز سقف فكرنا المحدود، وتتعدى تلك المعادلات الضيقة التي يكون الجزم بها مغامرة تدفعنا إلى الرفض، والنبذ، والكره، وأحيانا إلى الحقد، والموجدة، والضغينة.
وإذا كانت هذه الشخصية جذابة، ومؤثرة، فإن أثرها سيكون حزنا على أصدقائه قبل غيرهم، لأنهم عرفوا كيف تكونت هذه الإرادة التي لا تلين، وذلك الإصرار على المبدأ الذي لا يهون، وذلك التحول بين المبادئ المختلفة المسعى، وإن احتفظ العمق على مضغة لا تحيد عن لغة التمرد، ولذة الانتقام. أجل، لو لم يكن كما وصفناه به، لما كان دمه ساريا فينا عند تذكر خطب فقده الفظيع، ولو لم يكن شجاعا، وباسلا، وشهما، لما كانت مأساته غريبة في عقول استوطنت خيام الصبر، والجلد، والتعب. هكذا نصفه، وهكذا وصف جناحه الصاعد كل من عرفه، وسواء اتفقنا، أو اختلفنا، لكن رابط الود، ولو لام، وعتب، فما هو بمتعد حدود ما يقوي حبل الآصرة، وينمي رفق الوشيجة. لأننا، حين نسبح في أجواز شخصيته، فلا محالة، سنعثر فيها على المعنى العام المشبع بفكرة النهضة، وإن لم ينضج ذلك عنده بطريقة سليمة، وقويمة، وسديدة. ومرد ذلك عندي إلى روحه المتمردة التي أنفت أن تقرأ الواقع من تناقضه، وتباينه. بل سنعثر أيضا على المعنى الخاص الذي ينحصر في شخصيته المتعبة بحمل ثقيل، وإن كان ذلك محددا عندي بمراحله التي يقطعها صعودا نحو ذلك الأمل الذي غادره طائره، فأفقر، وأجدب، وصار ترنيمه شجوا على أغصان دهر قطع الوصال بينه وبين غيره، فرماه في حضن الأرض، قبل أن يصوح زهره بين الآفاق. فلا عجب أن يكون رحيله نبرة حزينة في أعماقنا، ما دمنا لم نجبه حين انحبس في مضيق الأمل، وهو لا يرى بين عينه إلا أفقا موحشا، ونواح عابسة، وأبعادا باسرة. فكيف نجيبه، وقد حار فيه القرب، والبعد، وصار خبره مرددا بين الشك، واليقين. فليكن ما كان، وليحدث، ما حدث، لكن ألا يسمح لنا ما جاء به النوى أن نزيل التظني، ونقف خشعا في خلوته، لعلنا نزفر مع الصدر الممتلئ بصوت القرية المطلة على آصائلنا وهواجرنا بالآمال.؟ أجل، لو نظرنا إلى غبار الآثار، ولو طغى الدمع المدرار، فإننا سنمضي إلى لحظة جمد فيها التاريخ، وهو يحكي عن الأفذاذ الذين نأوا عنا، وانحازوا إلى عالم غير عالمنا، وهم في السابق نار، وفي الحاضر نور، لكي نشهد في خلدهم كيف كانوا بشرا مثلنا، وكيف كانوا يشيحون معنا عن وجه الحياة برقع الألم، لكن ما خلدهم، وخلف فيها حبهم، هو شرف الذكرى. إذ لولا ما في الذكرى من إلهام، لما عد أحد من الكرام في الزمان، والمكان. فأين شرف الذكرى فيما نتذكره من اختلاف الموارد عند من منحوا وسام البقاء.؟ لم يكن فقيدنا مكثارا في رصد الحرف، ولا في جفر المعنى، فلا تأليفه، ولا تدوينه، ولا تغريدة، سيكون مده المتصل تياره بنا، إذ لو كان ذلك، لكان فيضا زاخرا في غيرنا، بل كان شرف الذكرى في تلك النفحة الإلهية في روحه، وهي التي نفخها في أصدقائه، بل حتى في أعدائه. ولولا ذلك، لما تفتق نجمه في قرية لا تمتلك في مقوماتها إلا ما دل عليها اسمها، فهي مرقد لجلة من الأولياء، والصلحاء، ولربتما تخوض معي لجة الجدال، فتقول: إن شرفها فيما جثم على أرضها من جامعة سبلت للعلم، والعلماء. لو قلت ذلك، فأنت لم تقرأ ما سجلته في موضع الاعتراض، إذ لو كان ما قلته مفخرا للقرية، لما كان لنا فيها ما يذيع سر أبنائها، فأين الفخر فيما صيرته مديحا، وهو عندي تابع، لا متبوع.؟ لو دريت بأننا في لحظة تعداد مناقب الفقيد، كنا نعد أسهم المتخرجين من أبناء المنطقة منها على رؤوس الأصابع، لأدركت أن أثر فقيدنا كان سهمه وافرا في جيل أسميناه بعد طول المراس "جيل التيه"، بل هم "نسور غاضبة" في لحظة تواطأت الصقور معها على الافتراس، والارتكاس. تلك هي الحقيقة، فالذين صاحبوه بالأمس، وعاصروه، وناقشوه، لم يكونوا إلا تلامذة في حقل التعليم، والتربية. وكثير ممن كانوا حماة دير الحركات الدينية، لم تعرفهم المنطقة بالبنوة، وإنما كانوا ضيوفا قرت بهم العين بين معارج القبول. وهنا، نؤوب إلى أشرف مثال، لكي نخلد الذكرى، وندون ما شاهدناه بأعين حرى. بل الأغرب من هذا، أن هذه التيارات التي تموجت فيما بعد بين الحطيم، والمقابر، لم يكن لها من سبب إلا الممدوح، والمادح. والتاريخ يصور، ويسجل، وفي الرسالة ما يكفي لبعث روح الأمل في الهمم المتطلعة إلى رشف رضاب العلم، والمعرفة. فلا نغال، فالمعاني جهيرة، وهي التي تنطق بما يستنهض العزيمة، وتكتب ما نفثه الفقيد من شحنة البيان في أفئدة تميزت عن غيرها في سائر القرى، والمدن. فهذا إحساس الناقد، وهذا شعوري الغائص، وأنا أنتقل في الذكرى من عرض إلى عرض، لعلي أرى صورة فقيدنا تجري مع المياه الرقراقة في نحر لا جثوم له إلا في أعماق البحار.