اليساري الذي انتقمَ من ماضيه!

توفيق أبو شومر
2016 / 2 / 27

أعرفه منذ ما يقرب من نصف قرنٍ مضى، كان كادحا، ليس في نشأته الأولى فقط، ولكن في شبابه أيضا، وكان مقتصدا حكيما، يلبس من الثياب ما يلبسه الآخرون من البسطاء، ويعشق سوقَ البالة، للملابس المستخدمة، وكان إذا رأى مظهرا من مظاهر الترف مثل سيارةٍ فارهة، ولباسٍ ثمين، يقول:
كيف يقبل هؤلاء أن يُثيروا حقدّ الفقراء والكادحين، والعمال والفلاحين؟!
كان يعشق الأسواق الشعبية، ويشتري أغراضه بنفسه، ويركب المواصلات العامة، ولا يركب سيارة التاكسي إلا مضطرا!
وكان يكره الوساطة والرشوة، ويذمهما قائلا:
لا يمكن لمجتمع الرشوة والوساطة والمحسوبية أن يصبح مجتمعا حُرا حضاريا!!
كان يكره كل لابسي الكرفتات، وكان دائما يقول:
أنا لستُ سوى فردٍ عالمي، لا أنتمي إلا إلى طبقة الكادحين في العالم، ولا أؤمن إلا بنصرتهم، ليهزموا البرجوازيين، والإقطاعيين، والرأسماليين، والكمبرادوريين!
وكنتُ يومها معجبا بهذه المصطلحات الثورية، بدون أن أعرف معانيها معرفة كاملة.
كنتُ حينها أردد أمامَهُ المثل المشهور:
قِصر ذيل يا أزعر! فكان يرد بانفعال:
سأظلُّ حتى مماتي محافظا على مبادئي وأفكاري!!
اختفت أخبارُ صديقي القديم سنواتٍ طويلة، بعد أن تخرجنا من الجامعة، وعرفت من خلال صديقٍ آخر أنه أصبح مسؤولا في أحد التنظيمات اليسارية، وأنه مفوَّض سياسي لحزبه في دولة آسيوية.
أخيرا التقينا في النصف الأخير من العمر، حصل على وظيفةٍ رفيعة، وشرع أولا، في جني الأرباح، وتأسيس الشركات الخاصة له ولعائلته وتعيين أقاربه في المؤسسات التي يملك فيها السلطة، وصار عضوا في كثير من الجمعيات( الإمبريالية) !! وفق تسميته، وأصبح يُسخِّر حزبَه لينال ما يبتغيه، ويهدد بحزبه منافسيه، فحول حزبه إلى شرنقة عصبية عائلية، واندمج في النظام الأسري السائد، وصار لا يلبس إلا أفخر الثياب، ويُباهي بماركات المعاطف والكرفتات، وحينما قرر أن يركب سيارة، اختار سيارة مرسيدس باهظة الثمن، وهو لا يسير إلا بسائق خاص، ومجموعة من الخدم والحشم، يشترون له من الأسواق ما يطلبه، إنه كان ينتقم من ماضيه اليساري الكادح!!
إلتقيتُه، وكنتُ في شوقٍ لرؤيته، ولكنه لم يبادلني الشوق والذكريات، وأحسستُ بأن لقائي به كان ثقيلا على نفسه، لأن صورتي تجعله يستعيدُ ماضيه (الغابر)، فابتعدتُ بعد أن أدركتُ بأنه شرع في الانتقام من ماضيه الكادح، وأعلن براءته من ذلك الماضي، وتحول إلى برجوازي بذكريات يسارية غابرة!
سألني أحدهم عنه، فقلتُ:
(كان) صديقي، و(كان) رفيقي، و(كان) محدثي، و(كان) أخا عزيزا، ورفيق دربٍ وطنيا، و(كان) مجتهدا كادحا، ويبدو أنه اليوم أعلن البراءة من كل (ما كان)، وكفَّرَ عن خطيئته في حق نفسه.
وأخيرا... فما أكثر المنتقمين من ماضيهم الكادح!!