هموم تتناسل .... وبدائل : رواية : الجزء الثالث والأخير

صبيحة شبر
2016 / 2 / 25

(38)

نقرر انا وشقيقة سعدي ان نطلع على بعض اثار الأردن فهي جميلة ، وتسر الزائرين، طلبنا من صديق يعرف الأماكن الأردنية ان يكون لنا دليلا يصحبنا في سيارته لرؤية المناطق الاثرية في الاردن ، سألنا الصديق :
ـ اي مكان تتوجهان اليه اولا؟
ـ البحر الميت..
ـ نعم الاختيار ، فهو مكان جميل يسر السياح ، ويسعد الزوار . ـ لماذا سمي بهذا الاسم ؟
- ﺳ-;-ﻤ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﺑ-;-ﻬ-;-ﺬ-;-ﺍ-;- ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﺳ-;-ﻢ-;- : ﻧ-;-ﻈ-;-ﺮ-;-ﺍ-;- ﻟ-;-ﻨ-;-ﺴ-;-ﺒ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻠ-;-ﻮ-;-ﺣ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻌ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﺔ-;- ﻭ-;-ﺍ-;-ﻟ-;-ﻬ-;-ﺎ-;-ﺋ-;-ﻠ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺘ-;-ﻲ-;- ﻳ-;-ﺘ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺰ-;- ﺑ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﻣ-;-ﻴ-;-ﺎ-;-ﻫ-;-ﻪ-;- ﻟ-;-ﺪ-;-ﺭ-;-ﺟ-;-ﺔ-;- ﻻ-;-‌ ﻳ-;-ﻤ-;-ﻜ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻥ-;- ﻳ-;-ﻌ-;-ﻴ-;-ﺶ-;- ﻛ-;-ﺎ-;-ﺋ-;-ﻦ-;- ﺣ-;-ﻲ-;- ﻓ-;-ﻴ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﻧ-;-ﺴ-;-ﻤ-;-ﻊ-;- ﻋ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻭ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﻦ-;- ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﺫ-;-ﺍ-;- ﺃ-;-ﻃ-;-ﻠ-;-ﻖ-;- ﻋ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﻫ-;-ﺬ-;-ﺍ-;- ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﺳ-;-ﻢ-;- ؟
ﺍ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﻜ-;-ﻢ-;- ﻧ-;-ﺒ-;-ﺬ-;-ﺓ-;- ﻋ-;-ﻨ-;-ﻪ-;- .ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻻ-;-‌ ﻳ-;-ﻤ-;-ﻮ-;-ﺕ-;-ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﺭ-;-ﺩ-;-ﻥ-;- ﺑ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﻓ-;-ﺮ-;-ﻳ-;-ﺪ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﻧ-;-ﻮ-;-ﻋ-;-ﻪ-;- ﻳ-;-ﺴ-;-ﻤ-;-ﻰ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ..... ما الذي يميز هذا البحر؟
- ﺃ-;-ﻧ-;-ﻪ-;- ﺑ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﻣ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺰ-;- ﺑ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﺜ-;-ﻴ-;-ﺮ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﺷ-;-ﻴ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺘ-;-ﻲ-;- ﺗ-;-ﺠ-;-ﺬ-;-ﺏ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﺱ-;- ﺇ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﻛ-;-ﺎ-;-ﻓ-;-ﺔ-;- ﺃ-;-ﻧ-;-ﺤ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﺭ-;-ﺽ-;-ﺟ-;-ﻮ-;- ﺩ-;-ﺍ-;-ﻓ-;-ﺊ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺸ-;-ﺘ-;-ﺎ-;-ﺀ-;-!ﺍ-;-ﻣ-;-ﺎ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﻓ-;-ﺼ-;-ﻞ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺼ-;-ﻴ-;-ﻒ-;- , ﻓ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺠ-;-ﻮ-;- ﻓ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﺣ-;-ﺎ-;-ﺭ-;- ﺟ-;-ﺪ-;-ﺍ-;- , ﻭ-;-ﻟ-;-ﻬ-;-ﺬ-;-ﺍ-;- ﺗ-;-ﻌ-;-ﺘ-;-ﺒ-;-ﺮ-;- ﻣ-;-ﻨ-;-ﻄ-;-ﻘ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻣ-;-ﺸ-;-ﺘ-;-ﻰ-;- , ﺃ-;-ﻱ-;- ﺃ-;-ﻧ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﻣ-;-ﺎ-;-ﻛ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺘ-;-ﻲ-;- ﻳ-;-ﻨ-;-ﺼ-;-ﺢ-;- ﺑ-;-ﺯ-;-ﻳ-;-اﺮ-;-ﺗ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﺷ-;-ﺘ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﺫ-;-ﺍ-;- ﺟ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺸ-;-ﺘ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﻭ-;-ﺷ-;-ﻌ-;-ﺮ-;-ﺕ-;- ﺑ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺮ-;-ﺩ-;- ﻓ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﺲ-;- ﻫ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﻙ-;- ﺃ-;-ﻓ-;-ﻀ-;-ﻞ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻟ-;-ﺰ-;-ﻳ-;-ﺎ-;-ﺭ-;-ﺗ-;-ﻪ-;- .! ﻓ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺠ-;-ﻮ-;- ﻫ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﻙ-;- ﺩ-;-ﺍ-;-ﻓ-;-ﺊ-;- ﻭ-;-ﻟ-;-ﻄ-;-ﻴ-;-ﻒ-;- .ﺃ-;-ﺷ-;-ﻌ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺸ-;-ﻤ-;-ﺲ-;- ﺁ-;-ﻣ-;-ﻨ-;-ﺔ-;- !ﻳ-;-ﻘ-;-ﺎ-;-ﻝ-;- ﺇ-;-ﻥ-;- ﺃ-;-ﺷ-;-ﻌ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺸ-;-ﻤ-;-ﺲ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﻣ-;-ﻨ-;-ﻄ-;-ﻘ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻻ-;-‌ ﺗ-;-ﻀ-;-ﺮ-;- ﻛ-;-ﻤ-;-ﺎ-;- ﻫ-;-ﻲ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﻃ-;-ﻖ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﺧ-;-ﺮ-;-ﻯ-;- , ﻭ-;-ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﺒ-;-ﺐ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﻫ-;-ﺬ-;-ﻩ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻨ-;-ﻄ-;-ﻘ-;-ﺔ-;- أنها ﻋ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﺔ-;- ﺟ-;-ﺪ-;-ﺍ-;- , ﺃ-;-ﻱ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﻫ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﻙ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﺜ-;-ﻴ-;-ﺮ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺑ-;-ﺨ-;-ﺎ-;-ﺭ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺬ-;-ﻱ-;- ﻳ-;-ﻌ-;-ﻤ-;-ﻞ-;- ﻛ-;-ﻔ-;-ﻠ-;-ﺘ-;-ﺮ-;- ﻃ-;-ﺒ-;-ﻴ-;-ﻌ-;-ﻲ-;- ﻳ-;-ﻘ-;-ﻠ-;-ﻞ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﻭ-;-ﺻ-;-ﻮ-;-ﻝ-;- ﺃ-;-ﺷ-;-ﻌ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺸ-;-ﻤ-;-ﺲ-;- ﺑ-;-ﺸ-;-ﻜ-;-ﻞ-;- ﻣ-;-ﺒ-;-ﺎ-;-ﺷ-;-ﺮ-;- ﻭ-;-ﻳ-;-ﻘ-;-ﻠ-;-ﻞ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺿ-;-ﺮ-;-ﺭ-;-ﻫ-;-ﺎ-;- ... - يقولون ان في المكان مواد تشفي من الأمراض؟
- تساعد ﻣ-;-ﻴ-;-ﺎ-;-ﻩ-;- ﻭ-;-ﻃ-;-ﻴ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻐ-;-ﻨ-;-ﻲ-;- ﺑ-;-ﺎ-;-ﻷ-;-‌ﻣ-;-ﻼ-;-‌ﺡ-;- ﻭ-;-ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻌ-;-ﺎ-;-ﺩ-;-ﻥ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﻋ-;-ﻼ-;-‌ﺝ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﺜ-;-ﻴ-;-ﺮ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﻣ-;-ﺮ-;-ﺍ-;-ﺽ-;- , ﻣ-;-ﺜ-;-ﻞ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺮ-;-ﻭ-;-ﻣ-;-ﺎ-;-ﺗ-;-ﻴ-;-ﺰ-;-ﻡ-;- ﻭ-;-ﻳ-;-ﺴ-;-ﺎ-;-ﻋ-;-ﺪ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻄ-;-ﻴ-;-ﻦ-;- ﺃ-;-ﻳ-;-ﻀ-;-ﺎ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻛ-;-ﺴ-;-ﺎ-;-ﺏ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺠ-;-ﻠ-;-ﺪ-;- ﻧ-;-ﻌ-;-ﻮ-;-ﻣ-;-ﺔ-;- ﺭ-;-ﺍ-;-ﺋ-;-ﻌ-;-ﺔ-;- .
- هل صحيح ان المكان كان يسمى يحيرة لوط؟ - حدثت ﻓ-;-ﻲ-;- ﻫ-;-ﺬ-;-ﻩ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻨ-;-ﻄ-;-ﻘ-;-ﺔ-;- ﻗ-;-ﺼ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻨ-;-ﺒ-;-ﻲ-;- ﻟ-;-ﻮ-;-ﻁ-;- ﻋ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﻼ-;-‌ﻡ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺬ-;-ﻱ-;- ﺩ-;-ﻋ-;-ﺎ-;- ﺃ-;-ﻫ-;-ﻠ-;-ﻪ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻰ-;- ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﻳ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﻥ-;- ﻭ-;-ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﺑ-;-ﺘ-;-ﻌ-;-ﺎ-;-ﺩ-;- ﻋ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺘ-;-ﺼ-;-ﺮ-;-ﻓ-;-ﺎ-;-ﺕ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﻴ-;-ﺌ-;-ﺔ-;- , ﻭ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﻨ-;-ﻬ-;-ﻢ-;- ﺭ-;-ﻓ-;-ﻀ-;-ﻮ-;-ﺍ-;- ﺍ-;-ﻻ-;-‌ﺳ-;-ﺘ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﻉ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﻓ-;-ﻜ-;-ﺎ-;-ﻥ-;- ﻋ-;-ﻘ-;-ﺎ-;-ﺑ-;-ﻬ-;-ﻢ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﺃ-;-ﺭ-;-ﺳ-;-ﻞ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻠ-;-ﻪ-;- ﻋ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﻬ-;-ﻢ-;- ﺯ-;-ﻟ-;-ﺰ-;-ﺍ-;-ﻻ-;-‌ ﻫ-;-ﺎ-;-ﺋ-;-ﻼ-;-‌ ﻭ-;-ﺣ-;-ﺮ-;-ﻳ-;-ﻘ-;-ﺎ-;- ﻜ-;-ﺒ-;-ﻴ-;-ﺮ-;-ﺍ-;- ﺃ-;-ﺣ-;-ﺮ-;-ﻕ-;- ﻣ-;-ﺪ-;-ﻧ-;-ﻬ-;-ﻢ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺨ-;-ﻤ-;-ﺴ-;-ﺔ-;- ﻭ-;-ﻫ-;-ﻲ-;- : ﺳ-;-ﺪ-;-ﻭ-;-ﻡ-;- , ﻋ-;-ﻤ-;-ﻮ-;-ﺭ-;-ﺓ-;- , ﺃ-;-ﺩ-;-ﻣ-;-ﺎ-;- , ﺻ-;-ﻮ-;-ﺑ-;-ﻴ-;-ﻦ-;- ﻭ-;-ﺻ-;-ﻮ-;-ﻫ-;-ﺮ-;-ﺓ-;- ﻭ-;-ﺍ-;-ﻏ-;-ﺮ-;-ﻗ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﺟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﻌ-;-ﺎ-;- ﺗ-;-ﺤ-;-ﺖ-;- ﻣ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- , ﻭ-;-ﻗ-;-ﺪ-;- ﻭ-;-ﺭ-;-ﺩ-;-ﺕ-;- ﻗ-;-ﺼ-;-ﺔ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻨ-;-ﺒ-;-ﻲ-;- ﻟ-;-ﻮ-;-ﻁ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻘ-;-ﺮ-;-ﺁ-;-ﻥ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﺮ-;-ﻳ-;-ﻢ-;- , ﻓ-;-ﻔ-;-ﻲ-;- ﺳ-;-ﻮ-;-ﺭ-;-ﺓ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺤ-;-ﺠ-;-ﺮ-;- ﻳ-;-ﻘ-;-ﻮ-;-ﻝ-;- ﺳ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺎ-;-ﻧ-;-ﻪ-;- ﻭ-;-ﺗ-;-ﻌ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﻰ-;- : " ﻓ-;-ﺠ-;-ﻌ-;-ﻠ-;-ﻨ-;-ﺎ-;- ﻋ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﻴ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﺳ-;-ﺎ-;-ﻓ-;-ﻠ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﻭ-;-ﺃ-;-ﻣ-;-ﻄ-;-ﺮ-;-ﻧ-;-ﺎ-;- ﻋ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﻬ-;-ﺎ-;- ﺣ-;-ﺠ-;-ﺎ-;-ﺭ-;-ﺓ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺳ-;-ﺠ-;-ﻴ-;-ﻞ-;-" , ﻛ-;-ﻤ-;-ﺎ-;- ﻭ-;-ﺭ-;-ﺩ-;-ﺕ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻘ-;-ﺼ-;-ﺔ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻹ-;-‌نجيل ﺃ-;-ﻳ-;-ﻀ-;-ﺎ-;- ﺣ-;-ﻴ-;-ﺚ-;- ﺟ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﺘ-;-ﺎ-;-ﺏ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻘ-;-ﺪ-;-ﺱ-;- : " ﻓ-;-ﺄ-;-ﻣ-;-ﻄ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺮ-;-ﺏ-;- ﻋ-;-ﻠ-;-ﻰ-;- ﺳ-;-ﺪ-;-ﻭ-;-ﻡ-;- ﻭ-;-ﻋ-;-ﻤ-;-ﻮ-;-ﺭ-;-ﺓ-;- ﻛ-;-ﺒ-;-ﻴ-;-ﺮ-;-ﺗ-;-ﺎ-;- ﻭ-;-ﻧ-;-ﺎ-;-ﺭ-;-ﺍ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﻭ-;-ﻗ-;-ﻠ-;-ﺐ-;- ﺗ-;-ﻠ-;-ﻚ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺪ-;-ﻥ-;- "
- هل يمكن ان يسبح الانسان في البحر الميت؟ - ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﺒ-;-ﺎ-;-ﺣ-;-ﺔ-;- ﻓ-;-ﻴ-;-ﻪ-;- ﺳ-;-ﻬ-;-ﻠ-;-ﺔ-;- ﺟ-;-ﺪ-;-ﺍ-;-ً !ﺇ-;-ﺫ-;-ﺍ-;- ﻛ-;-ﻨ-;-ﺖ-;- ﺗ-;-ﺤ-;-ﺐ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﻭ-;-ﻟ-;-ﻜ-;-ﻨ-;-ﻚ-;- ﻻ-;-‌ ﺗ-;-ﻌ-;-ﺮ-;-ﻑ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﺒ-;-ﺎ-;-ﺣ-;-ﺔ-;- , ﻓ-;-ﺎ-;-ﻋ-;-ﻠ-;-ﻢ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺸ-;-ﻜ-;-ﻠ-;-ﺔ-;- ﻣ-;-ﺤ-;-ﻠ-;-ﻮ-;-ﻟ-;-ﺔ-;- ﻓ-;-ﻲ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- , ﻓ-;-ﻬ-;-ﻨ-;-ﺎ-;-ﻙ-;- ﺳ-;-ﻴ-;-ﺤ-;-ﻤ-;-ﻠ-;-ﻚ-;- ﻣ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﻭ-;-ﺳ-;-ﺘ-;-ﺼ-;-ﺒ-;-ﺢ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﺒ-;-ﺎ-;-ﺣ-;-ﺔ-;- ﺃ-;-ﺳ-;-ﻬ-;-ﻞ-;- ﺑ-;-ﻜ-;-ﺜ-;-ﻴ-;-ﺮ-;- , ﻭ-;-ﺍ-;-ﻟ-;-ﺴ-;-ﺮ-;- ﻫ-;-ﻮ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﻣ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﺒ-;-ﺤ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﻴ-;-ﺖ-;- ﻣ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺢ-;- ﺟ-;-ﺪ-;-ﺍ-;- ﻭ-;-ﻣ-;-ﻌ-;-ﺮ-;-ﻭ-;-ﻑ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺢ-;- ﺃ-;-ﺛ-;-ﻘ-;-ﻞ-;- ﻣ-;-ﻦ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﻏ-;-ﻴ-;-ﺮ-;- ﺍ-;-ﻟ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-ﻟ-;-ﺢ-;- ﻭ-;-ﻳ-;-ﺴ-;-ﺘ-;-ﻄ-;-ﻴ-;-ﻊ-;- ﺃ-;-ﻥ-;- ﻳ-;-ﺤ-;-ﻤ-;-ﻞ-;- ﺍ-;-ﻷ-;-‌ﺷ-;-ﻴ-;-ﺎ-;-ﺀ-;- ﻓ-;-ﻮ-;-ﻗ-;-ﻪ-;- ﺑ-;-ﺴ-;-ﻬ-;-ﻮ-;-ﻟ-;-ﺔ-;- . .
- وهل يمكن ان نذهب الان لنسبح فيه؟ - في الصيف لايمكن ، لان البحر الميت يعتبر من الأماكن التي يزوزرها الانسان في الشتاء لتميزه بالدفء ..
اخبرتني شقيقة سعدي انها زارت البحر الميت في شتاء عام 2000 كانت سعيدة اذ سبحت في مياهه الدافئة ، رغم انها لاتعرف السباحة، وجدت نفسها تطوف فوق المياه، وبقيت اطرافها مالحة جدا ، غسلتها عددا من المرات، لكن الملح لايزول والمنطقة عجيبة جدا ..
كانت الرحلة جميلة ، قضينا فيها وقتا ممتعا، وعدنا الى عمان ونحن نشكر الدليل الذي زودنا بالمعلومات القيمة ..






(39)

بعد أسبوع كامل اراجع السفارة المغربية ، يقول لي موظف الاستعلامات :
من المستبعد ان يوافقوا على طلبك ، أنت لا تملكين الاقامة بالأردن ، لتسهل عملية منحك التأشيرة ، لقد رفضوا طلبات الكثيرين ..
تسيطر عليك الخشية ، ماذا يمكن أن تفعلي ان صدق حدسه ؟ هل تعودين الى بلدك وانت لم تكحلي العين برؤية ولدك وابنتك ، هل يمكن ان يحدث هذا ؟ عراقيون كثيرون ينتظرون الاذن لهم بزيارة المغرب ، احدهم زوجته مغربية :
- كيف تزوجت من امرأة في بلاد تبعد عنك هذه المسافة الطويلة ؟
- تزوجنا في اوربا ، وسافرت انا للعراق لرؤية والدي ، وعادت هي الى بلدها ..
يطول الانتظار ، أسال موظف الاستعلامات :
- ما رأيك ؟ هل يمكن ان تتحقق احلامي ؟
- الله كريم ، لعل الله يستجيب لدعائك ، الله كريم يحب الصابرين ..
يأتي موظف مكتب العراق بالسفارة المغربية ، أساله :
ـ هل تمت الموافقة على منحي التأشيرة ؟
ـ ما اسمك ؟
اخبره ، فيقول :
ـ انتظري ، سوف أتأكد..
يسجل الموظف أسماء عدد من الطالبين للتأشيرة ، يدخل احدى الغرف ، يطول غيابه .. أعود مجددا الى موظف الاستعلامات: ـ هل يمكن ان يستجاب لطلبي اليوم ؟
ـ ماذا قال لك الموظف ؟
ـ سجل اسمي ..
ـ احتمال كبير انهم سيوافقون ..
يعود موظف مكتب العراق ، أسرع اليه سائلة :
ـ هل تمت الموافقة على منحي التأشيرة ؟
ـ هاتي جوازك ، وتعالي بعد الساعة الثالثة مساء..
أسرع الى موظف الاستعلامات :
ـ هل سوف امنح التأشيرة ؟ وهل يمكنني أن أحجز للسفر؟ تنطلق عدد من الأصوات :
ـ لا تتسرعي ، احجزي حين تكون التأشيرة عندك ، كثيرون حجزوا ولم تصلهم التأشيرة ، فضاعت النقود هباء ..

(40)

خافت علياء انها حين تطالب زوجها بتطليقها سوف يرفض كعادته دائما ، في البداية كان متمسكا بها لأنها تملك راتبا ، يستولي عليه نهاية كل شهر، فبماذا تبرر رفضه طلبها الان بعد ان فقدت العمل برأيه ، فهو لا يدري انها تعمل عند الدكتور محمود وتطلب الطلاق من اجل الاقتران به :
ـ وصلت علاقتنا الى طريق مسدود .
ـ الآن عرفت ؟ منذ زواجنا علاقتنا ميتة !
ـ وخير لنا ان نتطلق !
ـ لماذا ؟ تطلبين الطلاق الان ؟
ـ طالبت به منذ فترة طويلة وانت ترفض !
ـ كنت تطلبين وحين ارفض تصمتين ! انت الان تواصلين الطلب !
ـ من اجلي ومن اجلك !
ـ انا عندي علاقات عديدة مع نساء، وانت ميتة ، لم تفكري بأن تحبي رجلا رغم هجراني لك!
ـ انا لا أحب الخيانة كما تعرف !
ـ وهل اصبحت تحبينها ؟
ـ لا أحبها دائما ! هذه طبيعتي.. ومن حقي ان احصل على الطلاق !
ـ وما حقوقي انا؟
ـ انت تتمتع بكل الحقوق!
ـ سوف اوافق على طلبك بشروط !
ـ ما هي ؟
ـ ان تدفعي لي مؤخر الصداق!
ـ لكنك لم تدفع لي مقدمه !
ـ اخوتك اغنياء وسوف يمدونك بالمال !
ـ اعطوني الكثير ، وانت كنت المحظوظ باستلام نقودهم !
ـ لن اطلقك حتى تدفعي لي ستة ملايين عراقي !
ـ مبلغ كبير ، كيف اوفره وانا بدون عمل؟
ـ سوف يتزاحم الخطاب على بابك ! انت جميلة ولا تحبين غرام
الحرام !
ـ لم تقل لي هذا طوال حياتنا معا !
ـ ها اني اقوله ، كما انك دجاجة تبيض ذهبا! وليس من المناسب أن أتخلى عنك..
ـ حسن ، اني موافقة !
ـ بعد اسبوع تكون وثيقة الطلاق معك ، ولن تستلميها حتى تكون الستة ملايين في جيبي !
تستبد الفرحة بعلياء ، لأول مرة تجد نفسها متحررة من قيود كبيرة ارهقت نفسها ، وجعلتها لا تشعر بما في الحياة من مسرات ونعم ، تتصل بأخيها الكبير شارحة له ما استجد من امورها :
ـ خبر مفرح ، كنت دائما اتمنى ان تقدمي على طلب الانفصال عن هذا الرجل ، المبلغ سيكون عندك غدا في الصباح ، ومبارك لك ان تقترني برجل يقدرك مثل الدكتور محمود ، الزواج احترام متبادل وليس استغلالا ..

(41)

تستفسر علياء من العارفين بالأمور ، هل من واجبها ان تقضي فترة العدة كما تفعل المتزوجات عادة بعد طلاقهن من ازواج فعليين ولم يكن زواجهن اسما كما كان مع علياء ! الفاهمون يؤكدون انه مادامت شروط الزوجية الصحيحة لم تقع ، فمن الأجدر الا تكون هناك تلك الفترة ..
هيأت علياء نفسها لساعة من الحب مع محمود ، ارتدت اجمل الملابس وخرجت بعد ان اكملت أشغال المنزل .. لم تعد ترهق نفسها كما كانت تفعل في الأعوام الماضية ، تعطرت بالعطر الذي اهداه اليها الحبيب آخر مرة ، وقفت امام المرآة قبل الخروج من المنزل ، لتنظر الى شكلها الذي تغير كثيرا ، كانت تعاني من السمنة في بعض مناطق جسدها مما لا يسمح لها بارتداء السراويل والتنانير الحديثة ، كانت تعي جيدا ان القيام بإداء التمارين الرياضية كل صباح يمكن ان يحفظ صحتها من التعب والسقم ، وان يكسبها رشاقة يثني عليها الحبيب الجميل الذي اصبح وجوده في حياتها كل يوم يمنحها الألق والفرح ، اللذين كانت تحتاج اليهما ولا تعثر على ضالتها التي اعياها انتظارها ..
تبتسم علياء لنفسها التي شعرت بالرحة بعد عناء شديد ، كلمات محمود تبهج الروح وتسعد الفؤاد :
ـ ابتسامتك اجمل شيء في الوجود ، انت ساحرة الجمال ، والابتسامة قوة السحر الذي فيك .
تتسع الابتسامة وتضحك العينان !
ـ أتدرين ؟ لو قابلت زوجك السابق لشكرته ، وقدمت له اسمى آيات العرفان .
ـ لماذا ؟
ـ لأنه اهدى الي امرأة بحلاوة العسل ورقة النسيم ، لم يدرك مميزاتك ، تركك محرومة وانا المحظوظ بحبك ! ـ لم يعد ذكره يسبب لي ألما ، نسيت المعاناة بصحبته وانا الان سعيدة معك !
ـ سعادتك تضفي عليك بهاء لا تتمتع به اية امرأة سواك ! الحمد لك يارب انك اهديتني عظائم النعم !
تشغل علياء آلة المسجل وتستمع الى مطربتها المفضلة ام كلثوم ، لتشدو رائعتها الجميلة انت عمري ، ترقص على الأنغام الساحرة ، تغلق المسجل ، تغادر المنزل ، تعرج على بائع الهدايا لتبتاع منه باقة ورد شذية العبير ، وتسرع الى حبيبها الذي اسعدها كثيرا بحرارة الوصال ، وروعة القبل وجمال كلمات الغزل وروعة جمل الثناء ، كل المشاعر اشبعت ، ولم تبق في الروح والجسد بقعة تحتاج الى الارتواء ، اي جمال نشعر به حين يفهمنا الحبيب ، ويسارع الى تلبية ما تطلب الروح الظامئة الى باقات من الحنان .
الحبيب ينتظرها ليدعوها الى حفلة موسيقية راقية ، يستمعان فيها معا الى شدو العود وتغريد الطرب الجميل ، تقضي علياء بصحبة محمود اجمل الأوقات وأسعدها وتتمنى لو استطاعت ان توقف الزمن وان تستطيل لحظات الهناءة التي تشعر بها ، وتولي أيام العذاب ، الحياة دائما تسعد من يرنو الى عطاياها بقلب يترقب الحب ويأمل بغد اجمل .
يمسك محمود بيدها :
ـ كم انا سعيد يا مليكتي الرائعة !
ـ وانا أكثر سعادة سلطاني الجميل!
ـ سوف نهدي انفسنا عطلة لهذا اليوم ، ونظل في هذا المكان البهي ساعات أخر ، لنتمكن من إكمال سعادتنا .
ـ اردت ان اطلب منك هذا الجميل ، ولكنك سبقتني اليه ! ـ افكر بك حبيبتي ، واعرف ما تريدين قبل ان ينطق به لسانك ، وأدرك انك مثلي تعرفين ما يجول بخاطري، نحن حبيبان قد اكرمهما الزمان وجادت عليها الأيام !





(42)

خرجنا من مقر السفارة المغربية في ساعة متأخرة من النهار ، كان الناس يطلبون سيارات الأجرة في حر رمضان ولا يعثرون عليها ، وقفت مع الزميل المسافر معي الى المغرب ، وانتظرنا احدى سيارات الأجرة ،لتنقلنا الى مكتب للخطوط الجوية ، لنبتاع منه تذكرة توصلنا الى المغرب ، قد كتبت في الاستمارة التي سلمتها لمكتب العراق في السفارة انني ارغب بالسفر يوم الخامس من الشهر ، واليوم هو الرابع ، وعلي ان انفذ وعدي الذي قطعته لهم ، وأن أسافر في اليوم الموعود ، كنا نشير للسيارات المارة بنا ، فلا ترضى احدها بالتوقف ، مرت ساعتان ، وجدنا سيارة قادمة من بعيد :
- هل توصلنا الى مكتب للخطوط الجوية في وسط البلد ؟
- لن اشغل العداد ؟
- بكم توصلنا ؟
- بخمسة دنانير ..
- لا نوافق ..
وقفنا طويلا ، ولم نجد سيارة تحقق طلبنا في الذهاب الى وسط البلد ، انتظرنا ساعة أخرى ، ورأينا سيارة أجرة تحمل راكبا :
ـ الى أين تريدون ؟
ـ وسط البلد ؟
- لماذا ؟
- للحصول على تذكرة سفر ..
- انا سوف أوصلكم الى المكان الذي تريدون .
ركبت انا والزميل الذي قال انه يريد السفر الى المغرب ،لرؤية زوجته التي ارتبط بها في احدى الدول العربية .
وصل السائق الى مكان قريب من وسط البلد ، وقال :
ـ اريد من كل واحد منكما ثلاثة دنانير ..
ـ موافقان .
أوصلنا السائق الى مكان قريب من احد مكاتب السفر، التي بقيت مفتوحة في هذا الوقت المتأخر من يوم رمضاني ، والناس يتأهبون للاستعداد الى التوجه الى منازلهم والافطار ، فقد قرب وقت ضرب مدفع الافطار ........
وصلنا الى مكتب السفريات ، رأينا رجلين هناك ، وافق احدهما ان يبيعنا تذاكر للسفر الى المغرب ، مرجعة الى الأردن مرة اخرى عند الانتهاء من زيارة المغرب .على الخطوط الأردنية التى توصلنا الى الجزائر اولا ، ونرتاح هناك ساعتين ، ثم ننتقل الى الخطوط المغربية التي تنقلنا الى الدار البيضاء ، وعلينا ان نكون في مطار الملكة علياء في الساعة الخامسة صباحا يوم الخامس من الشهر الثامن .
قال لي زميلي في السفر :
ـ اعرف سائق سيارة اجرة ،يمكن ان ينقلنا الى المطار لقاء اجرة ،اقل من عشرين دينارا ، هل نذهب معا ؟
ـ نعم ، اتصل بالسائق الذي تعرفه ، واعطه عنوان الفندق الذي انزل به ، وتعالا لي غدا قبل الموعد المحدد لوجودنا بالمطار بساعة ..
ـ حسن ، سأفعل ..
اتصل زميلي بالسائق ، الذي جاءنا في الساعة الرابعة ، وكنت قد هيأت نفسي ونزلت من غرفتي الى الصالة الخارجية وهناك بقيت انتظر قدوم زميلي مع السائق .
وصلنا المطار وساعدني الزميل في حمل حقيبة السفر وانتظرنا في قاعة الانتظار حتى تأتي الطائرة .. انهمكنا بالحديث ، ولم ألحظ ان المسافرين على الخطوط الأردنية ،المتوجهين الى الجزائر قد فارقوا القاعة متوجهين الى الطائرة ، حتى سمعت مناديا ينادي على اسمي طالبا الاسراع بالتوجه الى الطائرة ، فأسرعت مع زميلي ، ووجدنا سيارة المطار تنتظر قرب الباب ، ركبنا بها ونقلتنا الى الطائرة التي ركب بها جميع المسافرين الا نحن الاثنين ، سهونا عن الركوب قليلا ، واخذنا نركض حتى وصلنا الى مكانينا في الطائرة ..

(43)

ركبنا الطائرة انا وزميلي المتوجه الى مدينة طنجة عن طريق الدار البيضاء ، اخبرني انه تزوج من امرأة مغربية تقيم في طنجة ، جلس كل منا في مكان مختلف ، واخذنا ننظر الى معالم جميلة نراها من خلال نافذة الطائرة ، وصلنا الى الجزائر ، التي لم يطل بها مكوثنا سوى ساعتين لنواصل الرحلة الى الدار البيضاء ، عدد من العراقيين كانوا معنا في مطار الجزائر ، كتبنا بطاقات تتضمن اسماءنا ورقم الجواز والمدينة التي نريد التوجه اليها ، ركبنا الطائرة المتوجهة الى المغرب ، وكانت الرحلة جميلة ، حين وصولنا الى مطار محمد الخامس لم يرض الموظف الجالس في استقبال السياح، ان يعطي زميلي موافقة المرور الى ارض المغرب ، بينما الموظف الآخر منحني الموافقة بسرعة مما اثار استياء الزميل الذي استفسر منهم قائلا :
ـ لماذا تمنحون زميلتي الموافقة وتحرمونني منها ؟ وهذا التصرف من زميل لا أعرف عنه شيئا وقدمت له المساعدة المالية حين اشترينا تذاكر السفر ، ولم يكن عنده الثمن كافيا
لم يكن الثمن مرتفعا ، انما هي مساعدة لزميل ،رافقني في رحلة طويلة من الأردن والى الجزائر ثم الى الدار البيضاء ، ولكن جملته التي قالها أقلقتني ، فقد بقيت في المغرب سنين طويلة منذ عام 1986 وحتى عام 2011 حين لم اتمكن من الذهاب الى المغرب لتجديد الاقامة ..
وافق الموظف على منح الزميل ختم الدخول الى الأراضي المغربية ، رجعنا الى حقائب السفر ، انتظرت كثيرا وصول حقيبتي ،التي حملتها بما اشتهى احبابي من حلويات كثيرة، وكرزات وما تحب النفوس ان تحصل عليه من أسواق بغداد الحبيبة ..
قال زميل السفر :
ـ انها حقيبتي ، سوف انتظر معك حتى تجدين حقيبتك ..
وبعد دقائق قال لي :
ـ سوف اذهب لرؤية عائلتي ، انهم ينتظرون في خارج هذه القاعة ، واعود اليك ..
يذهب زميل السفر ولا يعود ، اظل منتظرة حقيبة سفري ، والا اعثر لها على اثر ، يغادر القادمون الى المغرب قاعة الحقائب ، اذهب انا الى استعلامات المطار ، أستفسر عن حقيبتي وماذا حل بها ؟ واين يمكن ان تكون ؟ يقولون لي :
ـ سجلنا رقم جوازك ورقم رحلتك وصفات حقيبة سفرك ، تعالي غدا للحصول على الحقيبة ، ربما تكون في الجزائر الآن وغدا تصل الى الدار البيضاء ...
أغادر القاعة ، أجد احبابي في انتظاري ،ولكني بلا حقيبة سفر تحمل ما طلبه الأحباب مني ، آخذهم بالأحضان احاول ان أطفيء نيران الشوق لرؤيتهم ،الذي عانيته طوال فترة طويلة .. يصحبني الأحباب الى الرباط ، حيث نتبادل المحبة ونتحدث احاديث مودة طالت مكابدتها في القلب ..
اتصل بصديقاتي العزيزات ، فيهنئنني على سلامة الوصول .. احاول الاتصال بهاتفي المغربي ، لكني ادرك انه من المحال ان أستخدم الرقم السابق ،فقد بعدت عن المغرب عامين ، فاشتريت رقم هاتف جديد ..
وجدت جميع معارفي في شارع اسفي يتذكرونني ، من بائع الفواكه والخضار الى بائع اللحوم والى الحانوت المواجه لمنزلنا والاسواق القريبة من المخبزة ، رحب بي بائع ادوات الزينة التي تستعملها النساء كثيرا.. حياني وسأل عن احوال العراق وقال انه يحب العراقيين كثيرا ، اشتريت منه بعض المواد التي أحتاجها في سفرتي الى الرباط مثل قلم الكحل وبعض الملابس القطنية...
(44)

الدعوات تنهمر علي من الصديقات ، كل واحدة توجه لي دعوة على الغداء او العشاء ، او لقضاء وقت سعيد في احدى المدن السياحية الجميلة، التي تشتهر بها المغرب ، الصديقات دلال ورغداء واسمهان ورشا كلهن احتفلن بقدومي وقضيت وقتا ممتعا في منازلهن ، تذكرنا الأوقات الجميلة التي كنا نقضيها في الرقص والغناء والضحك فنستطيع ان نتغلب على الأيام الصعبة التي كانت تمر بنا ، نشعر بالغربة وان الأيام فظيعة القسوة ، لا يمكن لكل واحدة منا ان تتجاوزها وحيدة ، بل كنا نتحدث عن مشاكلنا فنشعر انها سهلة نستطيع الانتصار عليها ، توتر كبير نغلبه بالضحك المتواصل فنشعر بالقوة ... دعتني العزيزة الصحفية اسمهان عمور الى خارج الرباط في مدينة سياحية، رأينا النهر يبتسم للناظرين ، والجبال تحتضن الاشجار بحب ورأفة ، طبخت لنا الصديقة الأكلة التي احب تناولها كثيرا، وهي الكسكس بالخضروات السبعة ، حيث يتفنن المغاربة في هذه الاكلة التي يعتبرونها من الاكلات المقدسة ،والتي يكثر تناولها في المناسبات ... ولأني احب البسطيلة فقد هيأت لي الصديقة العزيزة صينية البسطيلة اللذيذة والتي تجهز بورق يشبه ورق البقلاوة عندنا ، بأن يوضع الورق في الصينية ،ويوضع عليه لحم الدجاج المفروم ،ثم توضع ورقة اخرى من البسطيلة ، ثم يغطى بالسكر المسحوق واللوز المدقوق وتوضع الصينية في الفرن ، وهذه الأكلة معروفة جدا في بلدان المغرب العربي وتقدم في المناسبات وخاصة الأعراس ..
ومائدة الطعام للمدعوين في المغرب تختلف عن موائد الدعوات عندنا ، فنحن في المشرق نضع جميع أصناف الطعام ،التي هيأناها للضيف على مائدة واحدة في وقت واحد، وحين وصلت المغرب ولم اكن اعرف عادات هذا البلد الجميل وجهت لنا عدد من الدعوات على الغداء والعشاء ، وكان الصنف الأول البسطيلة فأكلنا منها حتى شبعنا، وحين وجدنا المضيف قد تركنا الطعام ، حمل الصينية وأتي بأواني اخرى مملوءة بصنف آخر، مما يلذ اكله وهو الدجاج المحمر، فلم نستطع ان نتركه فهو لذيذ جدا، وأكلنا ما استطعنا ، ثم حمل اناء الطعام وجاء بصنف ثالث وهو اللحم بالبرقوق( العنجاص) مع اللوز، ثم تلاه بأنواع من الفواكه، وبعد ساعتين يقدمون القهوة مع انواع من البسكويت والكيكات ، وقد تعلمت عادة اهل المغرب حين تتم دعوتهم على الغداء او العشاء، بأن يقوموا بمعرفة عدد أغطية المائدة ، فان وجدوها أربعة ، فيعني ذلك ان عدد الأصناف المقدمة من الطعام ستكون اربعة ، وبهذه الطريقة لن يشبع المدعو نفسه من تناول الصنف الأول ، بل يبقي مكانا للأصناف الأخرى ، وكلها لذيذة ...
اتصلت بالصديقة العزيزة الأديبة ليلى الشافعي وتحدثت معها احاديث متنوعة عن كل ما يمر بالعالم العربي من احداث ، وحقيبة السفر ما زالت مفقودة ، استأجر ابني سيارة صغيرة وصحبني الى الدار البيضاء ، فتشنا في الحقائب ، لم اجد اثرا لحقيبة سفري ، ترى اين ذهبت ؟ قالوا لي انها ربما استبدلت من احدهم الذي اخطأ وظنها حقيبته وأخذها ، ولكن اين ذهبت حقيبته التي تركها ؟ لابد ان في المسألة خطأ ما ، اين الخطأ ومن يتحمله ؟ والى من أذهب ليرشدني الى من يعينني في ايجاد حقيبتي ، يقولون لي متندرين :
ـ لابد ان الحلويات في حقيبتك قد أصابها التلف في هذا الحر اللافح ، وحين تجدينها سوف ترين فئران وجرذان ، ومن الأفضل الا تطيلي عملية البحث عنها ..
نضحك جميعا .....
المغرب ساحرة ، بأشجارها وخضرتها وأراضيها المتنوعة ، جبالها وسهولها وشعابها ، وأناسها الذين نشعر انهم يبادلوننا الحب ،ويتابعون الأحداث التي تمر في بلادنا متعاطفين معنا ، وكثيرا ما شعرت ان المغرب بلد حبيب يأتي بعد العراق بالمحبة .. اولاد صديقاتي وبناتهن أعزاء على نفسي أرحب بهم واحييهم ،كما ترحب صديقاتي بابنتي وابني اللذين حباني الله بهما..
تمر الأيام وحقيبة السفر مفقودة ، فاضطر الى شراء دواء لمرض الكوليسترول كما اذهب الى الصيدلية وابتاع كريما مرطبا للبشرة الجافة التي املكها ، مما يضطرني الى الحرص على العناية المكثفة بها ، لقد اشتريت حين كنت في بغداد ، دواء للكوليسترول ما يكفيني لأكثر من شهرين ، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل ، والحقيبة ضاعت ولا أدري أين استقر بها المقام ؟





(45)

ذهبت أربع مرات الى مطار محمد الخامس في الدار البيضاء ،علني اعثر على حقيبة سفري ، قرب موعد عودتي الى ارض الوطن والحقيبة مفقودة ، قالوا لي انهم سوف يحاولون ان يعيدوها الى العراق ، وانني يجب أن اكون مطمئنة ، لأن الحقيبة بمحتوياتها ستكون عندي ، فلا داعي للقلق .. اتصلت بخطوط الطيران المغربية في الرباط ، ابين لهم أوصاف الحقيبة التي ضاعت منهم ، عسى ان يعطوني ثمن ما بداخلها ، قالوا لي في مكتب الخطوط ، ان التعويض ليس عندهم ، وانما يجب ان اذهب الى مكتب آخر في العاصمة .. ذهبت الى المكتب الثاني للخطوط المغربية في الرباط ، وقدمت قائمة بالمحتويات التي كانت في حقيبتي، من حلويات وملابس جلبتها معي من بغداد ، وأخرى اشتريتها من عمان ومن عطور وهدايا ونسخ من كتبي ، أحببت ان اقدمها لصديقاتي في الرباط ، سجلوا في مكتب الخطوط محتويات الحقيبة وقالوا انهم من المستحيل ان يعثروا على حقيبتي الآن ، فقد مضت فترة طويلة على فقدانها ، وان التعويض سيكون شكليا .. خرجت من مكتب الخطوط ، واتصلت مرة أخرى بقسم الشكاوي في مطار محمد الخامس ، قالوا لي :
ـ ظهرت حقائب جديدة ، تعالي الى قاعة المفقودات ، ربما تجدين حقيبتك...
سافرت الى الدار البيضاء مع ابنتي ، وكلنا أمل ان نجد الحقيبة ، لقد أصبحت املا مفقودا بالنسبة لي ، وعلي ان اضاعف جهودي من اجل ايجادها .. وصلنا المطار ، والكلام هو نفسه :
ـ لا وجود لحقيبتك ، سافري الى بلدك وسوف نرسلها الى هناك !
تسألني ابنتي :
ـ هل عثرت على بغيتك ؟
ـ كلا ، ضاعت ، ولا أثر لها هنا..
نخرج من المطار متوجهين الى محطة القطار ، نركب القطار الذاهب الى الرباط ، وانا حزينة ، لم اعثر بعد على حقيبة سفري ..
وصلنا الرباط ، اتصلت بالصديقة الأديبة ليلى :
ـ اخبريني ، هل وجدت حقيبة السفر ؟
ـ لا ، لم أعرف لها مكانا بعد ..
ـ سوف أساعدك انا ، تعالي الى منزلي .
أذهب لزيارة صديقتي القاصة ليلى الشافعي ، تتصل بأحد معارفها :
ـ يمكن ان تكون الحقيبة في غرف الحقائب التي لم يطالب بها أصحابها !
ـ هل يمكن ان تساعدني ؟
ـ يمكن ان تأتي صاحبة الحقيبة لترى بنفسها ، عسى ان تجد ضالتها بين الحقائب الكثيرة .. تقول لي ليلى :
ـ صديقي عنده سيارة ، يريد ان يؤجرها ، ان أحببت اتصل بصاحب السيارة ، اجّريها واذهبي بها الى الدار البيضاء وابحثي هناك عن الحقيبة ، عسى ان تجديها ..
ـ موافقة عزيزتي ..
نسافر معا انا وابني الى الدار البيضاء ، نصل المطار ، نبحث في غرفة الحقائب ، يقول لنا الحارس :
ـ حقيبتك التي اعطيتنا أوصافها ، لا يوجد منها سوى واحدة ، وقد وضع عليها اسم آخر ، وليس اسمك ، من وضع حقيبته مع حقيبتك حين تم وزن الحقائب قبل تسليهما ؟
ـ كان معي رجل مسافر الى طنجة ، لا أذكر اسمه الثاني ، اسمه الأول طارق ..
ـ اسم آخر ؟
يخرج الحارس الحقيبة :
ـ آه انها حقيبتي ، افتحوها ، فيها كتب عليها اسمي ، وحلويات من العراق .
ـ لا بد من موافقة المسؤولة عن الحقائب ..
يخرج الحارس بالحقيبة ويعود مع المسؤولة :
ـ هل انت واثقة انها حقيبتك ؟
ـ نعم ، المعدن الخارجي أسود وقد فقد لمعانه من كثرة الاستعمال ، ويمكن ان اصف لكم ما بداخل الحقيبة .. يفتح الحارس الحقيبة :
ـ هي حقيبتي عينها التي جئت أبحث عنها..
تدعوني الأديبة ليلى الشافعي الى سهرة في بيتها ، احتفالا بالعثور على حقيبة السفر ، كما دعتني الأديبة مالكة عسال الى مهرجان أدبي شعري قصصي في الدار البيضاء ، ذهبت الى هناك بواسطة الحافلة ، رأيت عددا من الأصدقاء الأدباء ، بدأت اولا القراءات الشعرية ، استمعت الى مجموعة من القصائد النثرية والعمودية الجميلة ، تلتها القراءات القصصية ، كنت القارئة الرابعة من بين القصاصين , عشرة قاصين مغاربة ، قرأوا قصصهم القصيرة التي قوطعت باستحسان الحاضرين وتصفيقهم ..
(46)

سألت في المغرب عن التأشيرة لدخول الأردن ، فان تأشيرة السفر الى الأراضي الأردنية التي منحوني اياها في مطار الملكة عالية مدتها شهر كامل ، قد انتهت مدتها وعلي ان أحصل على تأشيرة جديدة ، تمكنني من دخول الأراضي الأردنية ، ثم التوجه الى بغداد ، اخبرني الأستاذ عطية زميلي بالمدرسة العراقية في الرباط انه علي أن اتصل بالسفارة الأردنية في الرباط واذهب الى القنصل الأردني حاملة معي تحيات الأستاذ عطية ، ذهبت الى السفارة ، لم اجد السيدة القنصل في السفارة ، وقال لي موظف الاستعلامات : ـ ما نوع جواز سفرك ؟
ـ جي ..
ـ لا تحتاجين الى تأشيرة ، يمكنك الدخول بدونها !
كنت قد طلبت من الصديق الشاعر الأردني نزار سرطاوي :
" ان يمدد تاريخ عودتي الى العراق الى بداية الشهر التاسع " وفعلا اتصل الصديق نزار بالخطوط الأردنية ومدد التاريخ الى الخامس من ايلول ..
حجزت على الخطوط القطرية للذهاب الى عمان ، والبقاء يومين بها ، ثم التوجه الى بغداد عن طريق الخطوط الأردنية ، قالت لي الموظفة في مكتب الخطوط القطرية :
ـ سوف تنتظرين في مطار الدوحة سبع عشرة ساعة وسوف احجز لك فندقا للراحة هناك ..
تتصل الموظفة بالمطار ، وتقول لي :
ـ كوني مطمئنة ، فلن تتعبي في مطار الدوحة ، وسوف تحصلين على غرفة في ارقى الفنادق تابعة لمطار قطر.. في موعد السفر اتوجه الى مطار الدار البيضاء ،قبل موعد الاقلاع بأربع ساعات وليس اثنتين كما أخبروني في مكتب الخطوط ، لم يرض الموظف في الخطوط القطرية ان يؤشر على جوازي ويستلم حقيبة سفري :
ـ اين تأشيرة السفر الى الأردن ؟
ـ قالوا لي لا تحتاجين الى تأشيرة ، فجوازك من النوع الذي يسمح لك بالدخول !
ـ لا يوجد مثل هذا الكلام ، انت عراقية وليس من حقك السفر الى اية دولة ، الا عن طريق تأشيرة السفر ..
ـ لكني سأظل في عمان يومين فقط ، ثم اتوجه الى بلادي ! - لابأس ، يمكننا ان نساعدك ، ما هو رقم الرحلة التي سوف تكونين بها في الطريق الى بغداد ؟ - لا أعرفها..
- ومن يعرفها اذن ؟
- صديق شاعر أردني ساعدني في تمديد موعد عودتي الى بغداد ..
- اتصلي به الآن لتعرفي رقم الرحلة..
اتصل بالشاعر نزار سرطاوي، فيرحب بمساعدتي : ـ سوف اتصل بمكتب الخطوط حالا ، اغلقي الهاتف واتصلي بي بعد عشر دقائق ..
اعمل بما طلب مني الأستاذ نزار سرطاوي ..
اتصل به بعد ربع ساعة ، اجد الهاتف مشغولا ، أرجئ الاتصال قليلا ، ثم اتصل :
ـ رقم رحلتك سيدتي 44444444
ـ جزيل الشكر لك .
ـ العفو ، لم اعمل ما يستحق الشكر .
أعطي رقم الرحلة للموظف في الخطوط القطرية ، يزن حقيبة سفري ويؤشر على جوازي . أركب الطائرة مع شاب مغربي متوجه الى اوربا عن طريق الدوحة .
السفر جميل جدا ، والشاب المرافق لي ذو ثقافة عالية تستحق الاعجاب ، قال لي :
ـ انا معجب بالحضارة العراقية ، العراقيون اناس شجعان يتميزون بذكاء نادر..
نظل في تناول الأحاديث المتنوعة ، نصل مطار الدوحة ، يأتي معي زميل السفر ، للمطالبة بغرفة في الفندق ، وعدوني بها حين اشتريت تذكرة السفر .
يقول لي موظف الاستعلامات وهو شاب تونسي :
- من الصعب جدا ان يحصل المسافر الحامل للجواز العراقي على غرفة خارج المطار ، ولكني سأحاول .
يبتعد موظف الاستعلامات قليلا ، اراه يتحدث مع أشخاص آخرين ، يعود الي ويقول لزميل السفر :
ـ اطمئن ، سوف نجد لها غرفة لترتاح بها من وعثاء السفر . ـ شكرا لك ، يمكنني الذهاب الآن ..
يقول لي موظف الاستعلامات :
ـ تعالي معي ..
نخرج من المطار ، نركب سيارة كبيرة تحمل مسافرين من جنسيات متعددة ، يصدمني بخار الماء المنبعث من الجو ، فقطر من الدول التي تكثر فيها الرطوبة ، مما يضطرني الى خلع نظارتي لأن تكاثف البخار عليها منعني من الرؤية الواضحة ، نصل بناية كبيرة تابعة لمطار الدوحة ، يقول لي موظف الاستعلامات :
ـ ادخلي من هنا ، واذهبي الى موظف التأشيرات ، سوف يؤشر على جواز سفرك ، ويمنحك تأشيرة دخول الى الأراضي القطرية.. تطلب مني الموظفة خلع نظاراتي والنظر الى عدسة موضوعة قربها ، يطول بي الانتظار ، ويغلبني التعب..
ـ هيا تفضلي !
انتظر في قاعة كبيرة ان تأتيني سيارة تابعة لمطار الدوحة وان تنقلني الى الفندق ..

(47)

أصل الفندق التابع لمطار الدوحة ، اطلب منهم ان يزودوني بطعام العشاء ، فأنا أشعر بجوع شديد ، يقولون لي :
- اصعدي الى غرفتك ، وسوف يأتيك العامل بأصناف تحبينها .. بعد انتظار نصف ساعة يأتيني العامل بصينية وضع عليها شرائح الكاشير والبطاطا المقلية ( الفريت) ، وعلبة من الببسي كولا ، وكل هذه الأشياء لا أحب تناولها لأنها تسيء الى الصحة ، اكلت شرائح الخيار والطماطم ، وتركت المواد الأخرى ، وحاولت ان أنام قليلا ، فالغرفة مهيأة بكل وسائل الراحة من سرير كبير ومكيف للهواء ودولاب للملابس ومناشف للحمام ومناديل ورقية ..
في الصباح اخذت حماما دافئا ، وغيرت ملابسي استعدادا للخروج الى المطار ، اتصل بي موظف الاستعلامات بواسطة الهاتف الداخلي :
ـ تفضلي الى المطعم لتناول طعام الفطور ..
كان المطعم في الطابق الأرضي ، وقد تضمن الفطور كل انواع الأطعمة ، التي يتناولها العرب والاوربيون في فطورهم ، من لحوم وأجبان وفواكه وخضروات وأنواعا من السلطات والمعجنات والخبز الأبيض والأسمر ، تناولت قليلا من هذه المواد وخرجت الى صالة الفندق ، في انتظار السيارة التي سوف تنقلني الى مطار الدوحة ، صالة المغادرين للتوجه الى الأردن ..
وصلت بعد وقت قليل الى الأردن ، ولم أكن أحمل تأشيرة السفر ، قال لي موظف المطار :
ـ لماذا لم تقومي بالحصول على تأشيرة السفر قبل قدومك ؟
ـ كنت أظن انني لا أحتاج !
ـ لماذا لا تحتاجين ؟
ـ أخبرني الموظف في السفارة الأردنية في الرباط ، ان العراقيين الذين يحملون الجواز العراقي (جي) لا يحتاجون تأشيرة سفر !
ـ كيف يمكنك الدخول بلا تأشيرة ؟ من يحمل جواز سفر عراقي يحتاج الى موافقة الأمم المتحدة وليس التأشيرة فقط ، انتظري مع المنتظرين !
بعد قليل ناداني الموظف وأعطاني جواز سفري ، الذي بين لي انهم في المطار أعطوني شهرا كاملا ..
خرجت من مطار الملكة عالية وتوجهت الى الفندق الذي حجزه لي مكتب الخطوط الجوية في الرباط .. الفندق يقع في منطقة جميلة جدا على جبل عال في وسط المدينة ، بقيت فيه ثلاثة أيام ، وتمتعت كثيرا بالجو الجميل والمناظر الخلابة ، اردت من داخل الفندق ان اتصل بالصديق الشاعر نزار سرطاوي لأشكره على جميل مساعدته لي ،اعطيت رقم هاتفه لاستعلامات الفندق: ـ من هو الشخص الذي تريدين الاتصال به ؟
ـ شاعر اردني ..
ـ سوف نتصل به وأنت تتحدثين معه ..
ـ أردت ان اقدم لك شكري على كبير المساعدة ، التي قدمتها لي
حين كنت في مطار محمد الخامس ..
ـ لا داعي للشكر ، أنا لم أقدم شيئا ، وانا أحب العراق وشعب العراق ..
في يوم السفر طلبت من ادارة الفندق ان تزودني بسيارة تنقلني الى المطار ، جاءت السيارة في الوقت المحدد لمغادرة الفندق ، سلمتهم ما كان بعهدتي من مواد وضعوها في ثلاجة الغرفة التي أقمت بها وركبت السيارة ، وغادرت الفندق الى المطار ، لتنقلني طيارة أردنية الى العراق الحبيب ..

(48)

لحظات الفرح قصيرة جدا ، سرعان ما تبددها الأحزان ، لم يتغير الحبيب محمود وبقي الحب متوهجا بالجمال ، تعتني به علياء وتسقيه الاهتمام الكبير ، وتهتم بالعشق الذي أشرق على حياتها ، فأكسب أيامها بهجة كانت ترنو الى ان تعثر عليها ، ظلت تتطلع الى الحب والاهتمام وظنت ان القدر قد بخل عليها ، وجعلها عاجزة عن الوصول الى المراد ، ولكن الحصول على عمل جديد وحب يشرق بنوره بعد أن أعياها الانتظار نصر حسبته علياء مستقرا ،وسوف يجعل ايامها مترعة بالجمال ، ولكن لا شيء دائم في هذه الدنيا ، ظهرت الصفحة المسيئة مرة اخرى لتفسد على علياء فرحتها وتضر بسمعتها ، وتجعل الأعداء يستغلون هذه الفرصة للنيل منها ، صحيح انها بطيبة قلبها وحسن حديثها وجمال هيئتها ابعدت عنها الأعداء ، ولكن بعض الناس يحزنهم ان وجدوا اشخاصا ناجحين في الحياة ، يثني عليهم الناس ويقبل عليهم الأصدقاء مرحبين باشين ، جاءتها رسالة من ادارة الفيس بوك :
(كتبت لنا ان صفحة تنتحل اسمك فيها صور اباحية ، وقد حذفنا الصور الخادشة للحياء ، ولا نستطيع ان نحذف الصفحة كلها ، فهذا يتناقض مع رغبتنا في احترام حرية الرأي) ..
تفتح علياء الصفحة الثانية ، تجد ان الصور الاباحية تملأها ، وان ادارة الفيس حذفت صورة اباحية واحدة ، والصور الأخرى ما زالت على حالها ، تضحك على خيبتها ..
تفكر علياء ما الذي يمكن لها ان تقوم به ؟ وقد نجحت تلك المرة بفضل معونة الاصدقاء من اغلاق الصفحة المسيئة ، هل تقوم بالعمل نفسه ، الذي قامت به قبل اكثر من عام ؟
ام تلجأ الى عمل من نوع آخر؟ وما طبيعة العمل الثاني ؟ انها تعلم ان الفيس بوك لا يوافق على نشر الصور الاباحية ، فلماذا عاد وفتح الصفحة الاباحية مرة ثانية وقد نجحت في اغلاقها سابقا ؟
اتصل بها قريب لها :
ـ علياء اختي العزيزة ، لا اريد ان يسيء اليك احد مهما كان ، هل هناك صفحة لك ، بالفيس تحمل اسمك ؟
ـ نعم ... توجد ! هناك صفحة موجودة باسمي للإساءة لي منذ فترة طويلة .
ـ وكيف أساعدك في حذف تلك الصفحة ؟ حاولتُ ان احذف الصور الاباحية فلم استطع .
ـ سوف اكتب لإدارة الفيس عن تلك الصفحة مرة اخرى ومرات حتى انجح في حذفها !
ـ ارجو لك النجاح ، انت اختي وانا احترمك كما تعلمين ! تدخل علياء الصفحة الاباحية ، تؤشر على الصور المسيئة للأخلاق وتبين انها مضرة بالذوق العام وبالعرف وبما علمتنا اياه التربية ..
تستجيب ادارة الفيس لما ترجوه علياء ، وتصبح الصفحة الاباحية من الماضي المحذوف ، تفرح علياء بعد ان نجحت في تحقيق ما تريد ، ولقنت الاعداء المخفيين درسا ان السكوت عن الاساءة لن يجدي نفعا ، بل يجب ان نواجه الضر بما يمكن ان يزيله ويقضي عليه !!
تغير علياء ملابس المنزل ، وترتدي ثياب الاحتفال بالفرح الذي تشعر به ، وتشتري باقة ورد للحبيب محمود ، وتسرع الى العيادة كي تهنأ بقرب المعشوق ، الذي أصبحت لا تطيق الفراق عنه ، حتى لو كان فترة قصيرة ..






(49)

قابلت المحامي الذي استعنت به لإرجاع الشقة التي دفعت مقدمة ثمنها ،عام 1978 وحصلت على عقد موقع من وزارة الاسكان ، يؤكد ان الوزارة سوف تعمل على انشاء شقة سكنية لقاء العقد ، خلال ثلاث سنوات في حي الرسالة التابعة للبياع ، وتسلم الشقة لي كاملة ، و تمكنني الوزارة من السكن في الشقة على أن أدفع الأقساط الشهرية من راتبي ،حتى أسدد ثمن الشقة وتصبح ملكي ، ولكنني اضطررت لمغادرة العراق في بداية عام 1979 ولم أستطع زيارة العراق حتى تغيير النظام عام 2003
....... استطعت مراجعة الوزارة قبل اعادتي الى العمل في الاول من كانون الأول ، عام 2011 ، وقدمت أوراقي التي تثبت حقي ، فنصحني بعض الأصدقاء ان أستعين بمحكمة بداءة البياع لإرجاع حقي بالملكية ، وفعلا قدمت شكوى للمحكمة ، لكن المحكمة ردت الدعوى، فاضطررت الى الاستئناف الذي وكلت المحامي ان يقوم به بدلا عني ،لأني كنت مرتبطة بالعمل في المدرسة ، ...المحامي أخبرني ان مندوب الوزارة يقول ولماذا لم تعد موكلتك الى العراق ذلك الوقت لتحصل على حقوقها ؟
كتبت لوزير الاسكان أشرح له القضية طالبة منه ان يقوم بمساعدتي لإعادة حقي الي ، فرد مكتب الوزير انه علي ان أذهب الى اللجنة القانونية في وزارة الاسكان ، وأقدم لهم ما يثبت ملكيتي للشقة .. لقد ادخلوني في صراع مرير ، كل جهة تقول شيئا مناقضا للجهة الثانية ، وهذا ما سوف تفسره الأيام القادمة.. في اصبوحة في " بيتنا الثقافي" أستضيف الصحفي عدنان حسين , وقد تحدث عن المتاعب التي تصادف الصحفيين العراقيين في وضع صعب كالوضع العراقي ، كل مسؤول في الدولة يفهم الحرية والديمقراطية فهما قد يختلف عن فهم الآخر ، وبين الصحفي عدنان حسين الفروق الكبيرة بين حرية الصحافة في الدول المتقدمة والحرية المقيدة والناقصة في العراق ، حيث يحرم الصحافي من الحصول على المعلومة التي يرغبون بها مما يمنع ظهور الحقيقة ، كما بين عدنان حسين الوضع المفجع الذي يعاني منه الصحفي العراقي حيث استشهد المئات من العراقيين بسبب الكلمة المسؤولة والهادفة والكاميرا التي استباحت المحظورات ... الحضور كان كبيرا على الرغم من ان الوقت صباحا والناس اعتادوا على عدم الخروج في صباحات السبت..
وفي شارع ابي نواس حيث ادار الشباب مهرجانهم الجميل المعنون : (أنا عراقي ، أنا أقرأ) كان الحضور كثيفا ، والرغبة شديدة في اعادة الماضي السعيد ، حيث القراءة الواعية والحرص على مصاحبة الكتاب الجيد ، والاستفادة من أمهات الكتب العلمية والأدبية وفي المسرح الوطني مسرحيات عراقية جميلة مع النغم البهي والرقص الجميل ، قضينا وقتا ممتعا ، ثم استأجرنا احدى السيارات الصغيرة لتمضي بنا الى المنزل ..




(50)

اتصلت بالموظف الشاب في مديرية التربية صباحا ، قال : ـ هاتفيني بعد نصف ساعة !
تمر ساعة واتصل به من جديد :
ـ احضري ان استطعت..
اسارع الى استئجار احدى سيارات الأجرة لتقلني الى مديرية التربية :
ـ هل اوراقي جاهزة ؟
ـ لحظة من فضلك !
يستلم الموظف الشاب دفترا سجلت به معلومات عني :
ـ اين محاسب مدرستكم ؟
ـ هنا في هذه المديرية..
ـ اذهبي اليه ليدقق دفترك..
اسارع بصعود السلم ، اعطي دفتر خدمتي الى المحاسبة ،
تسجل به بعض الأرقام :
ـ كم سيكون راتبي التقاعدي ؟
ـ لا علم لي ، هم سوف يحددون..
أستلم الدفتر وانزل السلم ميممه وجهي الى غرفة التقاعد ،
أخبار الانفجارات التي حدثت في بغداد منتشرة بين الموظفين والمراجعين :
"هم يريدون ان نصدق ان الانفجارات سببها طائفي ، ولكننا وعينا وتعلمنا من الأيام وحوادثها ان العراقي لا يقبل بالطائفية التي كانت قبل هذا اليوم ، وعرف العراقيون انهم كلهم سكان هذا الوطن ، وان ما يمس احدى المدن يضر المدن الأخرى" قال الموظف الشاب :
- انا شروكي ابن شروكي ، ولن اصدق ابدا ان من يفجر عراقنا يتخذ من الطائفية سببا له .
تقول احدى المراجعات :
ـ اننا اخوة جميعا وعيب عليهم ان يقولوا ان السبب في الاعتداءات التفجيرية طائفية .
يستلم الموظف دفتري :
ـ متى أراجع ؟
ـ سأُسلم الدفاتر الى التقاعد بعد أربعة أيام ، اتصلي بي بعد مرور الأيام الأربعة لأعطيك رقم وتاريخ معاملتك ..
وانت تنتظرين أسبوعا كاملا ، ثم تذهبين الى التقاعد لمراجعة المعاملة .. أخرج من المديرية ، استقل احدى الكيات ، انزل في سومر ، تقف احدى السيارات الصغيرة :
ـ امي، انا ذاهب الى نهاية هذا الشارع ، هل تحبين أن اوصلك؟ ـ اريد الوصول الى محل البقالة القريبة..
ـ تفضلي ، سوف اوصلك..
اركب السيارة ، ترحب بي المرأة الجالسة قرب السائق ، اصل الى المكان الذي اريد ، أشكر السائق والسيدة ، أشتري بعض الفواكه والخضر وأستأجر احدى سيارات الأجرة لتنقلني الى المنزل ..





(51)

لماذا انت حزينة ؟ ولماذا تشعرين انك وحيدة في هذا العالم المزدحم بالمحبين ؟ لماذا تتراءى لك الدنيا صغيرة بائسة لا اخضرار بها ولا ارتواء ؟ والى متى تظلين تكابدين آلام الغربة وانت تعيشين بين الأهل والأحباب ؟ ماذا جرى لك لماذا لا تشعرين بالفرح يملأ منك القلب وينعش الفؤاد ؟
تحضرين حفلة غنائية لتكريم الموسيقيات المبدعات ، وتستمعين الى العزف الجميل والغناء العذب ، وتصفقين مع المصفقين وترددين كلمات الحب والهوى وقلبك حزين وحيد ، لا أحد يناجيه ويشاركه السهاد ، تمثلين الفرح ، يبتسم فوك معلنا البهجة وهو يخبئ الهم الطويل ، لماذا تحزنين ؟ وما الذي يجعل حياتك مترعة بالشقاء ؟
الكل يصفق معجبا بالأصوات الجميلة والاداء الساحر وانت معهم ، هل تمثلين ؟
وهل أصبحت بارعة في تمثيلك فانطلت حيلتك على نفسك أولا ، وعلى الحاضرين ثانيا ، ما الذي ينقصك وقد حققت اغلب ما كنت تسعين اليه ، قلمك السيال طوع بنانك وحلمك بالعودة الى العمل قد تحقق بفضل نضالك الدؤوب ، واحلامك الباقية يمكن لها ان تصل اليك ان بذلت الجهد ، فلماذا تشعرين ان قلبك مقبوض مقيد يكاد ينفجر من طول المعاناة وثقل الهموم ؟
كلهم يرحبون بك وتشعرين ان لا صداقة حقيقية في هذا الزمان المحاط بالزيف من كل جانب ، كيف تجعلين أيامك تبتسم وجراح نفسك تندمل واحساسك بالمرارة يشفى ويخف ؟ هل لأنك فشلت في ان يكون لك دور فيما يعملون ؟ هل لأنك لم تفعلي شيئا مما يسبب لك الشعور بالهزيمة والوأد ، ابتسمي قليلا وامسحي خيباتك الجسام ، ولا تجعلي فشلك في بعض الأمور يفسد عليك النجاحات ، فليس هناك امرؤ كل حياته ابتسامات..

(52)

وحدي هذا الصباح ككل الصباحات الأخرى ، أصحو نشيطة من النوم ، عل اليوم يكون اجمل ، فأخرج من منزلي واحضر احدى الأنشطة الثقافية التي تقام في العاصمة بغداد ، مضى يوم الأمس الجمعة ولم استطع الذهاب الى شارع المتنبي ، لأن مصلح السخان والماطور ارتأى ان يقوم بمهمة التصليح صباح الجمعة ، معللا ذلك انه لا يملك وقتا في الأيام الأخر، فاستعذت بالله وبقيت وحدي في البيت ، تسوقت وملأت الثلاجة التي كانت عاطلة عن العمل وتصيب الخضروات والفواكه المحفوظة بها بالتلف فاشتريت بعض ما احتاج من المواد البروتينية ، قمت بطهي ما أحب لطعام الغداء .. قضيت الوقت كله في دار منتدى الأدباء استنسخ اللقاء الذي اجرته المنتديات معي قبل أعوام كان لقاء رائعا ، اشترك به العديد من الشخصيات الثقافية والادبية من الأعضاء في المنتديات الجميلة..
انتهيت من نقل اللقاءات ، وعلي ان اقوم بمهمة صعبة وهي تصحيح اللقاءات من الأغلاط الاملائية والنحوية التي كثيرا ما ترتكب بسبب السرعة..
عملت فنجان قهوة ، ولم أستسغه ، أهرقته في المغسلة ، القهوة قديمة ، ووضعت الماء على النار ليغلي ، فقد طاب لي أن أشرب كأس نسكافة بدلا من القهوة التركية التي أحبها كثيرا.. ربما اخرج بعد قليل ، ولا أدري هل اجد سيارة تقلني الى ساحة الأندلس لحضور النشاط الذي يقام عادة كل سبت في "بيتنا الثقافي" وفي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، وحين انتهي من كتابة هذه الصفحة قد اتوجه الى احدى سيارات الأجرة لتوصلني الى الساحة التي أتردد عليها كثيرا ، او ان أبقى في المنزل ، لأكتب قليلا في الروايات الثلاث التي أوشكت على الانتهاء من كتابتها .. لكني سأقوم بتغيير طريقة الكتابة.. الماء يغلي على النار ، وضعت ما تبقى من النسكافة في الكأس وجلست امام الحاسوب ، باحثة في بريدي الالكتروني ، قارئة ما يطيب لي من رسائل لم اعد أستلم الكثير منها .. لا أحد من الأصدقاء في الفيس بوك في الدردشة ، هل خرجوا كلهم في تظاهرات اليوم لإلغاء الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان ، وتقليل المخصصات الانفجارية للهيئات الخاصة ، كنت اود الحضور ، ولكن يبدو ان محافظة بغداد لم تتمكن من الحصول على الموافقة للخروج في التظاهرات ، فهل خرج سكان بغداد بلا رخصة ؟ سوف يحدثني الفيس بوك بأحدث التطورات..





(53)

ما بك ؟ لماذا تسيطر عليك الكآبة ، ويستبد بك الحزن ، لماذا تشعرين انك وحيدة في هذا العالم ، لا أحد بجانبك يحنو عليك ، ولا يد تربت على كتفك وتخفف من شعورك الكبير بالألم ، ماذا جرى لك ؟ لماذا أراك متوترة وانت القوية الصابرة المؤمنة بقدرة الانسان على بناء حياة أفضل ، هل أصابك الضعف من طول ادمانك الصعاب ، وهل حلت ببابك الهزيمة؟ ما الذي رنت اليه نفسك ، وحين لم تصلي حل بك شعور أليم بالغربة ، هل انت غريبة والعديد من الناس أصدقاء لك ؟ ترين قومك وقد باعدت بينهم رياح صفراء قادمة من قرون كنتم تظنون انها مرت بسلام ، رياح هوجاء يمكن لها ان تقتلع كل الأشجار الجميلة التي تمنحكم الثمار اليانعة ، حياتكم مهددة بالتفتت والضياع أصدقائي ، ارادة شاءت ان تكونوا طوائف تقاتل بعضها بعضا والعدو يضحك من اندحاركم المبيت .. اردت ان تتحدثي مع اصدقائك على النت وتتعرفي الى أخبارهم، ولكن خاب أملك!


الانترنت عاطل هذا اليوم ، منذ الصباح الباكر.. في سيارة الأجرة التي أستقلها الى شارع المتنبي ، اجد السائق يحب الكتب ، يسألني :
ـ هل تحبين قراءة الكتب ؟
ـ نعم أحبها ..
ـ وهل تجدين الوقت للقراءة ؟
ـ اجد بعضه !
ـ ما بال بعض الأشخاص يقولون انهم لا يملكون الوقت ، هل هم صادقون ؟ ـ لكل انسان ظروفه الخاصة التي تختلف عما يلاقيه الآخرون ، فمن كانت أولادها صغارا ،لا تجد وقتا ، كما لا يجد الوقت من يشتغل طوال النهار ،انا كبر أولادي ، ولم أعد أقضي الوقت كله في أعمال المنزل ..
ـ انا احب القراءة كثيرا ، ولكن هل تجدين قول الكتب مفيدا هذه الأيام ، حيث الجرائم تنتشر والفوضى تسود ، والارهاب يفتح أبوابه ؟
ـ لا تفيد ، ولكن يمكن ان تتضافر جهود الخيرين لإنقاذ البلد مما هو فيه..
أصل شارع المتنبي ، وأسير المسافة المتبقية .
في " المركز الثقافي البغدادي " تقوم الورشة الثقافية للتنمية بتوقيع بعض الكتب ، تحضر شاعرة لبنانية وتقرأ بعضا من قصائدها امام الجمهور المتعطش للشعر ، يصاحبها عزف على العود .
البرد شديد في هذا اليوم الحادي عشر من شهر تشرين ، وقد فتحوا جهاز التبريد قويا ، وجدت البرد قاسيا ، شديد الوطأة ، فغادرت المركز ، وبقيت أتمشى بين القاعات ثم خرجت ، وجدت ازدحاما امام القشلة ، دخلت وشاهدت معرضا للصور ، وشخصا يرحب بي ويطلب ان اوافق على صداقته ان هو طلبها في الفيس بوك ..
أخرج الى شارع المتنبي ، يدعوني شاب من المنظمة الدولية لمكافحة الارهاب ان أبدي رأيي ، اوافق مسرورة ، واطرح فكرتي ..
اسير الى كوسترات الشعب ، أستقل احداها الى سومر ، وأواصل سيري الى المنزل ..
أجد ان تجهيز الطعام للغداء والساعة أوشكت على الواحدة عمل مضن ، لهذا اخرج الى الشارع لشراء دجاج مشوي .. في مقر رابطة المرأة العراقية ، أقام منتدى التسامي جلسة بمناسبة رحيل الدكتورة نزيهة الدليمي ، تحدث الدكتور المحاضر عن حياة نزيهة الدليمي منذ بداية نضالها وحتى مماتها ، حديث قيم يبين كيف كان المناضلون القدامى ، يؤثرون الناس على أنفسهم ، يتميزون بالإيثار وحسن الصحبة والتفكير في كيفية تحسين ظروف العيش ، يصف الدكتور نضالات نزيهة من اجل حياة افضل للمرأة العراقية وتضحياتها الجسام ، وكيف ساهمت في مكافحة الأمية وفي علاج المرضى الذين لا يملكون ثمن العلاج ، وفي نضالها من اجل ايصال الماء النقي الى منطقة باب الشيخ ، وفي الحرص على توحيد المجتمع العراقي وعدم السماح لآفات خطيرة بالظهور مثل الطائفية والعنصرية ، اللتين تفشيتا في مجتمعنا العراقي هذا اليوم ، كما يبين الدكتور المحاضر كيف ان نزيهة الدليمي كانت تؤثر النساء الأخريات حين يستدعي السفر لتمثيل المرأة العراقية ، وبهذا تخلق نساء واعيات يعرفن ما يردن من الحياة شجاعات ، يمتلكن الجرأة ايضا لخوض الغمار ، استطاعت نزيهة الدليمي ومن كن معها ان تختط لطريق النساء مسارات جديرة بالإعجاب ، ادركت حين استمعت للمحاضرة لماذا استطاعت حركة اليسار، ان تجلب الى صفوفها الكثير من المثقفين والمفكرين والفنانين والأدباء ، لأنهم يجدون ان وجودهم داخل الحركة دفاع عن حياتهم الجميلة ، لقد انحسرت قدرة اليسار وعجزت عن استيعاب الجماهير الشعبية ، لأنها لم تعد ممثلا لهم ، تسير معهم لتحقيق طموحات الآلاف من الجماهير الشعبية ، ما نجده اليوم هو رغبة الكثيرين كي يكونوا هم لوحدهم من يحرز البطولات ، متناسين ان هذه البطولات لا يمكن ان تأتي من المواقف الفردية ، انما تتأتى من الحرص على تلبية ارادة الجماهير حين تكون في المقدمة مدافعا عنها وعن نفسك ايضا..

(54)

يومان فقط ويهل عيد الأضحى المبارك ، ماذا ننتظر من هذا العيد ؟ هل ستخف الأحزان ، وهل يجد الموؤدون من ينصفهم ويأخذ بحقهم، ممن اعتدى عليها وسلبها منهم وهم في ريعان الشباب؟ هل يأتي هذا العيد ونحن أفضل حياة مما سبق , حيث لا تناحر يهدد ما بنيناه ولا طائفية تحرق ما زرعناه ، وهل يحل العيد على شعبنا بأيامه الجميلة ، فيحول قحط ايامنا حقولا خضراء !
أعد يا عيد بهجة الدنيا التي غمرتنا الايام بها ، اجعلنا نتحدث بما اهديناه للبشر من مكارم الاخلاق ومن نعم الفكر والجمال ، اعد الينا عقلنا المسلوب ايها العيد .. هل يمكن ان نبارك مجيئك ايها العيد ، وقد زرعت الحوادث ارضنا امواتا لم يعيشوا حياتهم ، فرحلوا عنا قبل الأوان ، ارأف بحالنا أيها العيد وخفف نزيف الدماء التي أضحت انهارا طويلة..

××××××××××××××××

أشغال المنزل لا تنتهي ، طبخ الطعام وتجهيزه ، غسل الصحون ، التسوق ، الذي يسرق الكثير من الوقت ، الخضر والفواكه في مكان ، اللحوم البيضاء في مكان آخر ، منتجات الحليب في مكان ثالث ، وما يحتاجه المنزل في مكان رابع ، هيأت الغسالة هذا اليوم ، وكانت الكهرباء الوطنية متوفرة بكثرة ، لكنها انقطعت وأنا لم أكمل غسيل الملابس بعد ، فكرت بالمولدة التي دفعنا اشتراكها لأربع وعشرين ساعة ، وكنا نتساءل ، ماذا يمكن ان نفعل ؟ لقد توفرت الوطنية في اربع وعشرين ساعة تقريبا ، هل نتخلى عن اشتراكنا في المولدة ؟ ومن يدرينا ؟ ربما نقطع الاشتراك وتنقطع الكهرباء الوطنية ، ماذا يمكن ان نفعل حينئذ ، والشتاء القارس على الأبواب ، الجميع يتساءل ، ونحن لا ندري ما العمل ؟
وأنا في تساؤلي جاءت المولدة بعد انقطاع الكهرباء الوطنية بأقل من دقيقتين ، اكملت غسل الملابس وتنشيفها ونشرها ، ثم أغلقت الغسالة ، وأعدت ارتباط الحاسوب بالكهرباء ، وجلستُ أكتب ..
الدوار يصيبني أحيانا ، افكر ان اراجع طبيبا ماهرا ، ليخبرني عن أسباب زيارته لي على الرغم من انني أعتني كثيرا بصحتي ، وأتناول الأطعمة التي تناسبها ، وأحرص دائما ان يكون الغذاء كاملا ، يتضمن كل العناصر الغذائية التي يحتاجها جسم الانسان ، وخاصة في عمرنا نحن ، حيث الصحة تتراجع ، والانسان بحاجة الى عدد من الساعات ليرتاح فيها ، ويجدد النشاط ، ويقوم بما يراه ممتعا للنفس والقلب ، ويبعث الفرح الى النفوس الظمأى الى ما يريحها من عناء التعب والارهاق.. سوف أهيء نفسي للذهاب الى مقهاي المفضل في الساعة الواحدة ظهرا ، وقبل الذهاب الى هناك علي ان اتناول قدحا من أعشاب الحضر وصحنا من السلطة ، وصحنا من المواد البروتينية ، التي لا ادري حتى الآن ماذا يمكن ان تكون ؟ عندي نوعان من الأطعمة في القسم العلوي من الثلاجة ، وعندي كبة بالدجاج ، ربما أختار احدى هذه الأصناف او اختار صنفا آخر تذكرت انه موجود في ثلاجتي وهو هامبرجر الدجاج ، او أخرج بعد قليل لأشتري صنفا لم يتوفر عندي ..
أسئلة المسابقة التي تطرحها شركة آسيا للاتصالات تنهال علي كل صباح ، اجيب عنها وانا مسرورة ، أشبه بذلك العديد من الأشخاص الذين يجدون المتعة في حل الكلمات المتقاطعة ، الشيء الجميل في أسئلة آسيا انها مجانا ، لهذا كل يوم اجيب عن عدد منها ..
أحتاج الى سفرة تريحني وتجدد نشاطي ، ولكن الى أين وكل الطرق مسدودة امام العراقيين ، هل سأظل في قعر داري اعاني الغربة والتوتر ؟ ام اكتفي بحضور بعض الأنشطة الأدبية في " بيتنا الثقافي " واتحاد الأدباء وأحيانا في المسرح الوطني .. مازالت معاملة التقاعد لم تنته ، اتصلت بالموظف الشاب الذي زودني برقم المعاملة وتاريخها ، وأخبرني ان هناك اوامر لي يجب ان أستلمها ، ولم أفهم المقصود من كلامه ، حين شعر انني لم أفهم ما يعني قال لي : اتصلي بي بعد العيد..
(55)

احتفال بهيج بالعيد السعيد ، جمع نخبة من العراقيين لم تفرق بين سني وشيعي ، الكل اخوة وعراقيون أتوا ليحتفلوا بعيد الأضحى المبارك ، وجاء الأصدقاء من أديان أخرى ليقفوا مع الجميع في هذا اليوم الجميل ، كم جميل من يكون العراقيون متوحدين ، لا يفرقهم ارهاب او مفخخات تستهدف الجميع ، ولكن البعض يدافع عن فئة واحدة من المتعرضين للإرهاب والقتل كل يوم ، وسياسة التهجير من مناطق السكنى التي عرفها المواطن سكنا أواه من سنين كثيرة ، نحن بحاجة ان يقف العراقيون مع بعضهم البعض ولا يفرقوا بين الأطياف والأديان والقوميات ، كلنا عراقيون تعرضنا للظلم وان اختلفت الدرجات.. استعنّا بسيارة أجرة تقلنا الى ساحة الأندلس ، الموائد وحولها الكراسي ، وقد وضعت على الموائد أطباق الحلويات والشيكولاتا وقناني الماء والعصائر ، والناس يدخلون جماعات وافواجا يهنئون بالعيد السعيد ، متمنين ان تكون الأيام القادمة أقل سوءا ، وان يتمكن العراق من اجتياز الغمة التي يعيشها ويعود الى حياة الأمن ، لينعم بالاستقرار ويبني بلاده الحبيبة ويعيدها الى جمالها المعهود ..
الموسيقى تصدح بأعذب الألحان والاغاني العراقية الجميلة تنقل من آلات التسجيل وقد منحت الناس الموجودين متعة ووقتا جميلا ، القاعة بدأت تزدحم بالحاضرين ولا تستوعب اناسا قادمين جدد ، قال زوجي :
ـ آن لنا أن نخرج ، ليجد القادمون مكانا لهم ، كما انني اريد الذهاب الى عملي ..
ثم التفت اليّ قائلا :
ـ هل تودين البقاء ؟
ـ البقاء جميل ، لكني يجب ان أخرج أيضا..
يخرج كلانا ، كل يذهب الى الوجهة التي يريدها..
أبحث أنا عن كوستر ينقلني الى ساحة التحرير ، لأشرب هناك عصير الكوكتيل ، ثم أعود الى المنزل بإحدى الكيات الذاهبة الى منطقة الشعب ..
المكان يكاد أن يكون خاليا ، انتظرت قرب كهرمانة ، علّ احدى الكيات قادمة لتنقلني ، ولكن عبثا ، يطول بي الانتظار ، ولا أمل بالحصول على ما اريد ، أشرّتُ لسيارة أجرة صغيرة ، اتفقتُ مع السائق على الثمن ، وصعدت ليوصلني الى المنزل.. وعند وصولي عرّجتُ على السوق الكبير (التفاحة) واشتريتُ الموطا والشيكولاتا كي أقدمها هدايا بمناسبة العيد السعيد..

(56)

جاء متأخرا بعض الوقت ، اعتذر أدركت عذره لأن شوارع بغداد شبه خالية هذا اليوم ، وكان المألوف جدا ان تكون مزدحمة بالناس والمحتفلين بالعيد السعيد .. حديثي معه كان متعدد الجوانب ، سياسة وأدب وصداقة واجتماع .. كتب صدرت لكاتبات القصة القصيرة العراقيات ولم يجد المتابع اسمي بين الأسماء ، انا قلت انهم لا يعرفونني جيدا ، وانني كنت في المغرب وجل كتاباتي كنت أنشرها على النت ، قال سالم : الباحث يجب ان يستقصي ، ولا يكون بحثه ناقصا. تحدثنا عن ملتقى الأدباء والمبدعين العرب ، وكيف ان الشللية والواسطة والمعرفة تتدخل في كل الأمور، ولا يوجد انصاف في الأدب او غيره من الميادين ، كل الجوانب في حياتنا المعاصرة تتصف بالتمييز لا على أساس الكفاءة ولكن على أساس المجاملة والوقوف بجانبي كي ابقى معك اناصرك ، فلا عجب ان نجد عالمنا العراقي والعربي يشكو التأخر في كل المجالات.. تحدثنا عن رأي اكثر القراء بالأدب الذي تكتبه المرأة وكأنه يتحدث عنها شخصيا ، وهذه العلة نجدها عند المثقفين العرب ، فكل ما تكتبه المرأة انما تتحدث به عن نفسها وهذا منتهى الظلم.. ذهبنا الى احد المطاعم وتناولنا طعام الغداء ثم شربنا الشاي ، كنت اود ان نذهب الى ساحة التحرير لأستقل الكوستر من هناك ، لكننا وجدنا المرآب في الساحة فارغا ، فكان علينا ان نواصل السير الى ساحة الطيران ، ركبت انا الى الشعب وركب سالم الى مدينة اور .. وصلت السيارة الى سومر ، فغادرت الحافلة
ومن هناك لم استطع مواصلة المشي ، بسبب ارتفاع الحرارة هذا اليوم ، فاستأجرت سيارة صغيرة ، لتوصلني الى المنزل ، وانا فيها رن الهاتف ، لأجد أختي ليلى :
ـ صباح الخير ايامك سعيدة ، اتصلت بك عدة مرات وخشيت عليك ، سوف اتصل بك حينما تصلين ..
حالما اصل المنزل اتصل بأختي :
ـ حين تريحين نفسك من التعب اتصلي بي لأعطيك رقم هاتف عمتي لتعزيتها بوفاة ابنها !
أضع المقلاة على النار وأبدأ بقلي الباذنجان ، اتصل بليلى التي تعطيني رقم هاتف عمتي .. احاول أن أجلس امام الحاسوب ،لأصحح الحوارات التي نويت أن أدفعها للطباعة الأسبوع القادم .. أصحح بعضا منها ، يصيبني الاعياء ، اقوم لأريح نفسي ..

(57)

يطبعون الكتب بأثمان مرتفعة لا يمكننا الوفاء بها ، نتعب ونعني بالكتابة ، فاذا ما نجحنا في تهيئة كتابنا كي يقرؤه الناس ، فجعنا بارتفاع أسعار الطباعة ، في مكان لا يقرأ ما سطره يراعك احد ، يطالبونك ان تهديهم ما كتبته وتعبت في طباعته نقودا ، كنت تحتاجها في معيشتك ومعيشة اولادك ، معاناة تامة وتعب متواصل ، وكأنهم يريدون ان يقضوا علينا هما وكمدا ، بأن نبقي همومنا داخل أنفسنا ولا نعبر عنها ، او نجد أصدقاءنا يتعبون ويشقون بلا ثمرة تذكر ، فنقابل ثمرات تعبهم بالصمت واللامبالاة ، وكأننا لا موقف لنا تجاه ما نجده من اختراقات ، أعباء لانهاية لها وعراقيل توضع في وسط الطريق..
جمعت الحوارات التي أجريت معي في المواقع الالكترونية ، ولم أجد أغلبها ، تلك التي أجرتها معي شروق وانانا وصخب أنثى والمبدعات العربيات ، ونور الشمس ، كانت كلها منصفة لي ، أعضاء في المواقع النتية وآخرون يلقون عليَّ السؤال ، تلو السؤال ، تعجبني أسئلتهم ، ويسعدني ان اقوم بالإجابة عنها . استطعت العثور على حوارين طويلين ، أحدهما مع دار الأدباء والثاني مع أزاهير الجميلة ، ذات الكلمة الساحرة والموقف الرصين من الكتابة والقلم ، طلبت الحوار من أزاهير فلبت طلبي بسرعة وأرسلته لي مطالبة بنسخة منه ، اما دار الأدباء فقد وعدوني بإرسال الحوار لي لكنهم لم يفعلوا ، ولما طال انتظاري لهم ، قمت أنا بنقله من الموقع .. كما قمت بنقل الحوارات التي قام بها صحفيون من أمكنة متعددة في العالم العربي ، من العراق وسوريا والمغرب وتونس .. أرسلت الكتاب الى عدد من دور النشر ، فهالني ارتفاع الثمن ، بحيث انني وجدت نفسي عاجزة عن دفعه ، ولست ادري ماذا يمكنني ان افعل ؟ سؤال يطرحه الكثير من الكتاب ، امام ارتفاع اجور الطباعة ..
كان المفروض ان أذهب الى مديرية التربية هذا اليوم ، لأستفسر عن فحوى الاوامر الادارية التي أخبرني بها الموظف الشاب :
ـ اتصلي بي بعد العيد ، مع اوامر وزارية..
ـ ماذا تعني ؟ أية اوامر؟
ـ اتصلي بي بعد العيد ، وسوف أخبرك ..
اتصلت به قبل قليل ، رن الهاتف ، ولم يجبني ، اليوم انا متعبة قليلا ، أشعر بإرهاق ، لهذا سوف أذهب غدا ، عسى ان يكون الأمر خيرا..





(58)
في التقاعد أرجعوا ملفي ، وطلبوا ان أثبت ان وزارة التربية قد وافقت على اضافة العامين اللذين كنت اشتغل بهما ،في مدرسة الرصافي في الكويت ، قبل ان يتم تعييني على الملاك الدائم ، كنا مجموعة من المعلمات من حملة الشهادة الجامعية ، اشتغلنا مستخدمات في الرصافي في السنة الثانية لفتحها في دولة الكويت ، قالوا لنا في البداية ان الدولة لا تملك درجات التعيينات في ذلك الوقت بسبب سياسة التقشف التي فرضت على اثر تأميم شركات النفط ..
حين وصلت الى مديرية التربية ، سألتُ الموظف الشاب : ـ هل هناك من مشكلة في ملفي ؟
ـ لا ، ان شاء اللهُ ، لا توجد مشاكل ..
نساء من المتهيآت للتقاعد يتجمعن حول الموظفين ، انا قد هيأتُ نفسي واستنسختُ الأوامر الصادرة من وزارة التربية ، والتي تعزز قولي انهم اعتبروا العامين خدمة لي وانني استحققت الترفيع في عام 1975 لأنهم اعتبروها خدمة استحقت الترفيع بعد مرور ثلاث سنوات على تعييني ، الموظف الشاب قال : ـ أنا أصدق ما تقولين ، ولكنهم في التقاعد يريدون دليلا على ان وزارة التربية قد اعترفت بالعامين ..
ـ عندي اثبات من وزارة التربية كنت قدمته اطلب قطعة ارض! ـ جيد ، هذا هو المطلوب ، اذهبي الآن الى مديرة الموارد البشرية لتوافق على ذهابك الى قسم الملفات..
أكتب طلبا واقدمه الى مديرة الموارد البشرية ،التي توقع عليه : ـ اذهبي الآن الى التربية عند ساحة عنتر ، واختمي الأوامر .. أسارع بالذهاب ، أسأل عن الموظف الذي سيختم أوراقي : ـ من أرسلك ؟
ـ التقاعد !
ـ لماذا ؟
ـ لتختم اوراقي..
ـ أية اوراق ؟
ـ كنت قد اشتغلت في مدرسة الرصافي في دولة الكويت مستخدمة ،قبل ان يتم تعييني من قبل وزارة التربية ، مدة عامين ، وقد أضافت لي الوزارة خدمة العامين ..
ـ سوف لن يتم الاعتراف بها !
ـ لماذا ؟ عندي ما يثبت صحة هذه الأوراق..
يطلع الموظف على أوراقي ، يطلب من احدهم أن يأتي له
بملفي ، ينظر في الملف :
ـ متى خرجت من العراق ؟
ـ عام 1979..
يختم اوراقي ويعيدها لي ، قبل ان اخرج ، يسألني أحد
الموظفين :
ـ هل ستنالين التقاعد وبعده تسافرين؟
ـ الى أين أسافر ؟
ـ خارج العراق؟
ـ لن أسافر ، العراق وطني ولن اغادره الى أي مكان آخر ! أسارع الى مديرية تربية الرصافة ، يسألني الموظف الشاب : ـ هل ختموا الأوراق ؟
ـ نعم ، متى أراجع التقاعد ؟
ـ بعد عشرة أيام ..
اخرج من التربية مغادرة الى منزلي ...
أسمع طرقا على الباب :
ـ صباح الخير كيف انت ؟
ـ تعبة قليلا !
ـ مصلح المجاري عندنا ، نريد ان نجرب هطول الماء ، هل يمكن ان تفتحي الحنفية ؟
ـ نعم ممكن جدا ؟ افتحها قليلا ....... فتقول لي : ـ يكفي هذا ، اغلقيها الآن . تنزل الجارة ، أسمع طرقا على النافذة : ـ نعم ؟ من ؟ ـ افتحي الماء قليلا . أفتحه لسبع دقائق : ـ هل أغلق الحنفية ؟ أم أبقيها مفتوحة ؟ ـ كما تريدين ! اغلق الحنفية ، وادخل غرفتي لبعض الراحة ،انام القيلولة خمس دقائق ، انهض من نومي ، وافتح الحاسوب ، الفيس بوك عندي طلبات للصداقة ، أضغط عليها لا يستجيب، رفيف تكتب كلمات تعبر عن الاشتياق ، احاول ان اعلق على كلامها ، لا يستجيب الفيس بوك ، أنهض مغمومة ، اخرج من المنزل لشراء بعض الفواكه والخضر ، أشتري الكرزات ، اعود الى المنزل .. افتح الحاسوب مرة أخرى ، احاول على الفيس بوك ،لا يستجيب ، ترى ؟ ماذا أصابه هذا اليوم؟


(59)

جارتي حزينة تشكو من عدم رأفة الحياة بها ، وتقول : ـ الى متى يستمر هذا العناء ؟ انت تتعبين وتقدمين لهم وآخرون من يحصد الحب ، يتناسون تضحياتك وسهرك الليالي الطوال , تحرسين مهودهم وتطعمينهم حبك الذي لا يعرف الفتور وهم يبعثرون حبهم الكبير وحنانهم المقيم واشتياقهم الكبير الى لا أحد!
أصمت امام نهر الشكاوي الذي تبثه جارتي ، ماذا بيدي والدنيا هكذا، اشعر مثلها احيانا، رغم ان الحياة نادرا ما تبتسم لي ..
***
(شلون اوصفك وانت دفتر وانا كلمة ؟)كثيرا ما تبهرني هذه الاغنية بكلماتها العذبة ومعانيها الآسرة وانا غرسة في ارض يباب ، ارض قد اجدبت اغصانها ويبست اوراقها واعتراها الذبول ، لماذا انتظر العرفان ، من أناس لم يتعلموا اصول الوفاء ، ولم يقل لهم احد ان الحب اخذ وعطاء ، وانه لا يصح ان تقطع الغصن الذي يطعمك لذيذ الطعام ..
نهاري مر بطيئا وانا لم افعل شيئا احبه ، تسوق كعادتي كل يوم واستماع الى الاغاني الجميلة التي تجعلني هائمة في دنيا عمياء..
قال انت قدرة كبيرة وطاقة رائعة وشباب دائم ، من يصدق هذه الصفات الحسان ؟
وأنا نبتة مهجورة قد انهكتها الصعاب ! اية قدرة اتوفر عليها؟ غربة تستمر ولا امل بالخلاص ، ندوب تشتعل وجراحات بلا قدرة على الاندمال ..
رأيت الست منى ، ركضت ابنتها العزيزة مريم نحوي .. ـ خالة مرحبا بك ، كيف انت؟
ـ انا بخير , اين ماما ؟
ادخل محل الاستنساخ الذي دخلته الست منى :
ـ اهلا ست كيف حالك ؟ متى رجعت من السفر ؟
ـ منذ اكثر من شهر ..
ـ لماذا لا تأتين الى المدرسة ؟ ابنتي اختارت الفرع الأدبي ، تعالي الينا ، نحن نشتاق اليك كثيرا..
ـ هل جاءتكم معلمة للعربية ؟
ـ جاءت للتربية الاسلامية ، فكلفناها بتعليم العربية..
ـ ألا يمكن ان اقوم انا بإلقاء محاضرات في مدرستكم ؟
ـ لا يجوز هذا في المدارس الحكومية..
نودع بعضنا على أمل اللقاء قريبا..
اغادر المكان وانا في حيرة من أمري ، فلا اريد الاستمرار في عملي في التعليم فهو متعب جدا ، وسوف احاول ان اجد عملا في الصحافة ، وان اكتب مقالة او قصة لقاء ثمن ..
واليوم قبل الظهر اتصلت بي الست أنوار :
ـ مرحبا ، هل وجدت عملا ؟
ـ لم انه معاملة التقاعد بعد ..
ـ احدى صديقاتي تحتاج اليك!
ـ كيف ؟
ـ عندها مدرسة وتريد من يعلم العربية للسادس الابتدائي ولطلاب المرحلة المتوسطة ، فهل توافقين ؟
ـ سأحضر بداية الأسبوع القادم واتحدث مع المديرة بهذا الشأن..

(60)

كنت تحلمين انك ستسمعين كلمات الحب الجميلة بعد هذا الحرمان الطويل ، وهل دار بخلدك ان احدا سوف يعجب بك بعد أن أيقنت ان حياتك ستمضي خالية من كل انواع المحبة ، وان ثمار الود ستيبس وتقطع جذورها من هذه الأرض ، لماذا ظننت ان البهجة فارقت أيامك وان الصقيع جفف ما بك من حياة ، ولكن هذه الأيام تأتيك بما كنت تظنينه حلما بعيد المنال ، وها هو رجل كريم الخلق رائع الخصال يصرح لك بالحب بعد ان أجبرت قلبك ان يكون بعيدا عن حروف المحبة الجميلة ,... أي وهج جميل جعل الكرى يبتعد عنك طوال الليل ، واية أمنية مستحيلة جاءت تباشير تحققها بعد أن أعياك الترقب وانتظار الفرح ؟ ..
ها ان الفرحة تحل ببابك ، تجدين عصافير السرور ترحب بك ايتها المخلوقة المنسية في دنيا لا تستجيب الا لناسها الأقوياء ، لمَ تغلقين القلب عن غرسات البهجة ، ولمَ تسدين أبواب الفرح عن ملء حياتك المترعة بالحرمان ؟ ...
الكرى يحيط بك وانت جمرة مشتعلة ،تريدين ان تئدي الفرح في أعماقك ، لمَ تغلقين أبوابه ؟ ولماذا لا تجعلين نوافذ الفرح تعانق الغيوم التي هبط مطرها لينعش قلبك الظامئ ،الى قطرات من الود وشذرات من المحبة طال توقك اليها ؟
الفرحة كبيرة ، وانت بشوق الى من يسمعك كلمات منتشية بما لم يكن في حسبانك ، الحياة ما زالت مترعة بالنعيم وانت باقية على حبك ،لكل نبتة تحافظ على حياتك قوية مملوءة بالبهجة التي كنت تنتظرينها بشوق .. ستبثينه فرحتك وسوف يعلم انك جذلى . ولكن الحاسوب اللعين اعلن العصيان على رغبتك ، طيور السرور تعلن انها مازالت تغرد والرغبة في حياة حقيقية تنعش ايامك حلم يداعب الخيال ، هل انك تحلمين ؟ وهل ما تشعرين به هذا الصباح مجرد خيال جميل ؟
أيمكنك ان تثقي بما يهبه القلب من خفقات منعشة للنفس ؟
لا تغلقي بابك امام اناشيد الأمل واغاني الفرح المحمولة اليك بقوة .
يوم جديد قد يشرق عليك ايتها المنهكة بكل انواع المحظورات ، غردي بفرح واعلني عن بدء فرحتك المنشودة وتوقك الى حياة تستحق ان نعيشها..
ليلتك كانت مسهدة وانت تتقلبين على نارك ،التي كنت تظنينها قد انطفأت , ما تزال الحياة قوية امامك ، وما زال الشباب داخلك راغبا بان تتاح له الفرصة ،كي يحيا ككل انسان على هذه الأرض ! لماذا تجعلين الحرمان ينتصر عليك ، ولماذا تئدين الفرحة وتمنعينها من الانطلاق ؟
افرحي يا نفسي ـ صديقتي ـ واسمحي للنور ان تشرق شمسه من جديد ..

××××××××××××××××××××

أتعرفين ماذا تريدين ؟ وما هي طموحاتك ؟ الى أية وجهة تتوجهين ؟ لماذا تتعبك اية كلمة صادقة يرسلها احدهم ، وتبقين صامدة امام التهم الظالمة ذات المعاني الجارحة ؟ لماذا تجدين نفسك هاربة من مواقف المحبة التي تسعين اليها دائما ، ولماذا يتعبك ان تتخذي موقفك مما يرسلونه لك من آيات المحبة والتعظيم ؟ هل لأنك لا تريدينها وتحبين ان تكوني انت نفسك وليست مخلوقة أخرى ؟ أية مخلوقة أنت ؟ تظلين ثابتة في مكانك وكأنك تمثال من الحجر وداخلك يغلي ، ولا أحد يعرف قوة السعير الذي تتقلبين على جمراته ، ولا قسوة الحياة التي رأيت نفسك تحترقين في أتون صقيعها المميت ، اية لعنة انت ؟ الجمعة اليوم تجلسين وحيدة في منزلك ، اي رغبة تملكين لتئدي كل انواع الشعور التي تهيمن على قلبك المتعطش ونفسك التواقة الى بذرة من الحنين ؟ ماذا دهاك ابتها النفس الحزينة وفي الكون طرق شتى لتبديد الحزن وتخفيف الوهن وانقاذ الروح من السقم المقيم ..

(61)

لماذا انت متوترة الى هذا المدى ، تذهبين الى المدرسة التي اتفقت امس بشأنها ، وتتفقين مع المديرة على الأجرة التي هي اعلى مما تنال الأخريات ، وتجدين تلاميذ الأقسام افضل مما تعودت عليهم في المدارس الحكومية ، ولكن شغبا قليلا لم ترتاحي اليه ونزلت الى الادارة ، تعلنين لها انك غير قادرة على الاستمرار ، اصوات الانفجارات ترتفع ، والسائقون يرفضون ان يستجيبوا لطلبك في ايصالك الى المكان الذي ترغبين به :
ـ لا أستطيع الوصول الى هناك ، الدنيا تنفجر ، تعالي اوصلك الى رأس الشارع ومن هناك ، تأخذين سيارة أجرة تنقلك الى منزلك !
ـ اين حدثت الانفجارات ؟
ـ في كل مكان من بغداد ، انا ليس عندي مزاج للعمل ، ذبحونا بإجرامهم ، كل يوم عشرات الانفجارات والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة ، ليأخذوا نقودنا ويدعوننا لشأننا ، تعبنا يا ناس ، الى متى نظل بهذا الحال ؟
اوصلني الى الشارع الرئيس ، اخذت سيارة أجرة تقلني الى البيت ، وجد السائق الطرق كلها مسدودة ، فأوصلني الى جسر البنوك قائلا :
ـ الطرق مسدودة ، انزلي وعودي سيرا على قدميك !
نزلت من السيارة وواصلت السير الى نهاية الجسر ، فتش الضابط المسؤول هناك حقائبنا النسائية الصغيرة ، وسمح لنا بالمرور وقال :
ـ لعنة من الله نزلت على العراقيين ، كل يوم انفجارات ؟ ـ ما شأن العراقيين بما يحدث ؟
هل العراقيون من يقوم بهذا الاجرام ؟ شعبنا بريء من هذه الأعمال!
ـ ومن اذن يقوم بهذا الاجرام ؟ أهو ابي !
تركته يتحدث وواصلت السير ، وجدت الشارع الطويل فارغا من المارة ، لقد ركب الجميع وسائط النقل التي سوف تنقلهم الى المكان الذي يريدون ..
وصلت شارع الكنيسة وعرجت على محل ام حيدر للخضروات والفواكه ..
واصلت الطريق الى اسواق التفاحة ، اشتريت بعض ما أحتاج .. وعدت الى المنزل وقد نسيت الحمص المسلوق لمرق الشجر ، مما جعلني أؤجل الطبخة الى يوم الغد ،
اتصل بي ابو زيد واخبرني انه سوف يأتي بعامل يطلع على اسباب تسرب المياه الى دارهم ، جعلني الأمر احزن ، لأنني كنت قررت ان اخرج صباح الغد ، لأروح عن نفسي التي نالها الهم والحزن كثيرا ..
الصداقة الجميلة خير ما يجعلني انسى المتاعب التي يضعني الزمان في أتونها ، والقصيدة الجميلة التي كتبها صديقي جعلت نفسي تثمر زهورا متفتحة :
ـ أتشعرين .. بحالي يا منية النفس ؟
يا جنة الروح , وواحة الآمال أتشعرين بدقات قلبي ، مسرعة وقد أسهدتها هواجس الليالي أتشعرين بروحي تائهة حين هجرت صحراءها ربات الجمال .....
أتعرفين إني بت مؤرقا .. لا أملك إلا النجوى ومراسيل الخيال حكمت علي بالنفي مغتربا وأنا بين أهلي و العيال، حكمت علي أن أسطلي بنيران عشقك وكأني بك مقرورة العين لا تبالي .... أرحميني .. فقلبي متيم بك وهل يرحم القلب إلا كثر الوصال حبيبتي .. أغمضي عينيك مثلما أفعل فقد يمر الحبيب طيفا وأن بعد المنال ... سوف لن أرجو حبيبا غيرك ولن أود أكثر من قربك بغية أو مآل ..
أظن أن ذاك محال!




××××××××××××××××××××××××××××

كنت تطمعين بجلسة تتبادلين بها الحديث مع صديق تنعش النفس وتحيي القلب وتبهج الفؤاد . احلامك التي تطبع ما يجود به قلمك قد تضاءلت ، وانت تجدين ان ما عملت على توفيره يتبعثر من بين يديك ولم تنالي بعد ما تستحقين من رواتب التقاعد :
قال لك الموظف الشاب :
ـ راجعي التقاعد بعد عشرة أيام .
تمضي العشرة أيام وتهرعين الى هيئة التقاعد الوطنية ، وبيدك الرقم والتاريخ اللذين زودك بهما الموظف الشاب ، كثرة الازدحام تجعلك تقفين على كل النوافذ :
ـ أتيت من التربية ، أستفسر عن مكان المراجعة ..
ـ هل انت حديثة بالتقاعد ؟
ـ نعم ..
ـ اذهبي الى ابي شيماء .. تذهبين الى الموظف المقصود ، يفتح الحاسوب ويبحث عن اسمك بين الأسماء :
ـ لم يأت دفترك بعد ، عودي الى التربية واطلبي منهم ان يعطوك نسخة منه..
تخرجين من مديرية التقاعد ، اسواق كبيرة لبيع الاسماك ، تجدين انواعا منها تلبط في الماء ، تختارين كومة منها :
ـ افتح لي هذه الاسماك من فضلك ، وقشرها..
ـ سأفتحها لك ، وانت قومي بعملية التقشير..
تستلمين السمك وتسارعين الى المنزل ، تنظفينه وتضعينه في الثلاجة ، وتتصلين بالموظف الشاب : تعالي الآن ، الموظفة المكلفة بدفاتر التقاعد سوف تأتي لتستلم الدفاتر.. تسارعين الى سيارة الأجرة لتنقلك الى مديرية التربية ، تراك الموظفة وتقول مرحبة :
ـ مرحبا بك ، انظري ، هذا دفترك أمامي ..
تنتظرين مع الموظفات المحالات على التقاعد ، تخرجن كلكن مع ام سمير في السيارة التي استأجرتها الى هيئة التقاعد الوطنية ..
تقول لك ام سمير :
ـ انا رأيتك عدة مرات ، وانا جارة لكم ..
في مديرية التقاعد يخبرون الموظفة المسؤولة ان الحاسبة ليس بها حبر ، فتضطر الموظفة الى اعادة الدفاتر الى مديرية التربية قائلة لكن : عندكن رقم هاتفي ، اتصلن بي يوم الأحد القادم ، بعد الظهر ..
تخرجن جميعكن من دائرة التقاعد ، تتجولن في الأسواق ، وتشتري كل واحدة منكن ما تحتاج من بضائع ومواد غذائية ... توصلك سيارة ام سمير الى تقاطع أور ، تنزلين من السيارة ، وتطلبين احدى سيارات الأجرة لتنقلك الى منزلك ، وانت متعبة.. تتناولين طعام الغداء بسرعة ، تحاولين ان تنالي قسطا من الراحة ، ولكن عينيك لا ترغبان بالنوم ، فتسمعين دقات على الباب ، تنهضين من فراشك ، تجدين العامل الذي اتفقتم بالأمس ان يصلح لك السخان الذي وجدت انه لا يحتاج الى تصليح ..



(62)

لم احصل بعد على نعمة التقاعد ، بالرغم من ترددي على الهيئة العامة ، وما زال العمل طويلا لتحقيق هذا المنجز ، وعلي ان انشط هذه الأيام لإيجاد عمل مريح لي ، سوف احاول ان اجد دروسا خصوصية في المنزل ، تلبي بعض طلباتي وطلبات أسرتي المتكاثرة .. كنت ألبي ما يراد مني بكل حب وترحاب ، لكن فقدان ما يمكنني ان اجود به يجعلني عصبية المزاج ، متوترة ، غير قادرة على منح نفسي بعض لحظات من الراحة ، وانا أتساءل في كل مرة ، هل يمكن استمرار هذا النزيف وعدم العرفان ؟ وهل علي ان البي ما يطلبون بالرغم من استحالة مقدرتي على التلبية ، وهل سأبقى أسيرة الرغبات الكثيرة التي تنهال علي بلا رحمة ولا شعور ، وكأنني مصرف قد وضعوه خدمة لهم وتنفيذا لأوامرهم ؟
بقيت طوال فترة شبابي أستدين ، وانفق على أشخاص لا يبالون بتعبي المضنى وما اقدمه لهم من حب ..
***
اليوم عادت علياء من الحلة بعد ان اجرت اختها بعض التحاليل لمعرفة أسباب الورم الذي تعاني منه ، كانت رحلة صعبة ، بقيت انتظر صديقتي التي كان يرهقها مرض اختها ، فهي تشكو من التعب وعلياء تحاول ان تخفف عنها ، وهذا نوع من العرفان الذي تشعر به نحو عائلتها .. هذه الصفات جعلتني أتمسك بصداقتي لعلياء ..
انقطع الانترنت ، وهو الواسطة الوحيدة بينك وبين العالم ، لا رسائل تأتيك من الأصدقاء ، تبثك بعض الحنان ، ولا كلمات تعبر عن المشاعر ، بل غربة ووحدة وانت تتطلعين الى من يشاركك تعب الحياة ومباهجها ، اشغال المنزل انتهيت منها ، تنظيف ومسح للبلاط ، وكنت تنوين ان تجددي اشتراك الانترنت ، ولكن هطول المطر العنيف حال بينك وبين تحقيق امل بسيط قادر على ان يبعث بعض الفرح في نفسك التواقة الى المحبة ..

(63)

راجعت مؤسسة التقاعد بأمل ان تنتهي الاجراءات وانعم براتب تقاعدي ، يعينني على الحصول على ما اريد من متطلبات الحياة ، خرجتُ في الصباح الباكر مع زوجي ..
الساعة الثامنة والربع ، ولم يفتح أحد الموظفين هناك نافذته لاستقبال مراجعات المحالين على التقاعد ، وجدت بعضا من طالبي التقاعد واقفين قرب احدى النوافذ، وقفت بجانبهم ، ثم فكرت : لماذا اسارع بالوقوف ؟ سوف اجلس على احد الكراسي حتى يصل الموظف المسؤول ..
جلستُ مع بعض المراجعين ، سألت ُ احدهم :
ـ متى يفتحون نافذتهم ؟
ـ أمس فتحوها قبل التاسعة بربع ساعة ..
ـ أمامنا عشر دقائق..
ـ ليكن ، ليس عندنا ما يشغلنا ، متى تنتهي الاجراءات فمرحبا بها.
سمعت صخبا حول نافذة الموظف المسؤول عن معاملات حملة البكالوريوس، أقف قرب الواقفين، وحين ينفض الواقفون ،أخبره :
ـ قدمت ملفي للتقاعد قبل عشرة ايام ..
ـ باسم من ؟
ـ ..........
ـ لم تنجز معاملتك بعد ..
ـ متى اراجع ؟ هل آتي بعد أسبوع ؟
ـ تعالي بعد عشرة أيام .
اتصل بمتعهدة التقاعد في مديرية التربية :
ـ عزيزتي ، لا أسمعك ، انا في الشارع ، هاتفيني بعد ساعة ! انتظر ساعة في قاعة الانتظار ، افكر انه لا فائدة من بقائي هنا ، فالمتعهدة لن تستطيع ان تفعل لي شيئا ، فسوف اتصل بها في المساء لمعرفة ما ينبغي ان اقوم به..
أخرج من دائرة التقاعد العامة وأسير في الأسواق المنتشرة هناك ، حيث كل شيء موجود ، الأجبان والأسماك والأحذية والقيمر ، وكل ما تحب النفس ، أشتري التين المجفف والزبيب والمكسرات من اللوز والجوز والفستق من النوع الممتاز ، وأعرج على بائع عصير الجزر ، أشرب كأسا لذيذا ، واسير على الجسر واصل الى تمثال الرصافي ، أسأل عن المكان الذي تقف به السيارات المتوجهة الى الباب الشرقي :
ـ سيري امامك بعض الخطوات ، وسوف تجدين سيارات الركاب من طابقين تنتظر قدومك ، لتنقلك الى الباب الشرقي ..
وانا في السيارة يتصل بي الصديق سالم :
ـ اين انت ؟
ـ في طريقي الى الباب الشرقي ..
ـ واين تذهبين ؟
ـ الى الجريدة .
ـ تعالي الى عملي ، كي نذهب معا .
اصل الى عمل الصديق ، اجده غارقا بالأعمال ، فاخرج متوجهة الى الجريدة .
يرحب بي المحررون والعاملون هناك اجمل ترحيب ، اجد مصححا واحدا في الفترة الصباحية ، ابقى معه ، يشرح لي طبيعة العمل هناك ، يعطيني بعض الأوراق لتصحيحها ، ويخبرني ان المصححين للفترة المسائية سوف يقبلون في الثالثة ، وانا سأكون همزة الوصل بين الفريقين .. خرج الأستاذ حسن في الواحدة ، انهالت علي الأوراق التي تحتاج الى تصحيح ، شعرت بجوع قاتل ، جعلني لا أقدر على الاستمرار بالعمل ، قالت لي ام فرات :
ـ نحن معك ، أي شيء تريدين اخبريني به ..
ـ اين تكونين ؟
ـ في الطابق الأول .
ـ اريد الطعام الآن ، من يجلبه لي ؟
هناك من يأتي بالطعام لكل العاملين هنا .
ـ تعالي معي لنطلب منه ان يزودك بما تريدين ..
انزل الى الطابق الأرضي ، يقول لي الموظف بالإدارة :
ـ سيكون طعامك جاهزا لقاء ثمن بسيط منذ السبت القادم .
تودعني ام فرات وتخرج عائدة الى منزلها ، الجوع شديد ، لا يدعني أعمل ، أخرج بعض الزبيب والتين المجفف والمكسرات واتناولها مع الشاي ..
يأتيني الصديق سالم :
ـ كيف وجدت العمل هنا ؟
ـ رائع جدا ..
ـ هل تحتاجين شيئا ؟
ـ اريد طعام الغداء..
ـ ماذا تحبين ان تأكلي ؟
ـ كص الدجاج .
ـ سآتيك به بعد دقائق .
يخرج سالم ويأتي بكص دجاج وخبز وصمون وطرشي ، يضعه أمامي ، ويخرج من الجريدة متوجها الى منزله . أتناول طعامي ، وأذهب الى المطبخ حيث يتوفر الشاي دائما ، أصب لي كأسا من الشاي وأعود الى غرفة عملي ، اظل أصحح الأوراق التي تنهال علي حتى يأتي المصححان اللذان يعملان معي ، يتصل بي زوجي :
ـ هل انت بالجريدة ؟
ـ نعم .
ـ سوف اتي اليك .
يخبرني المصححان : بإمكانك المغادرة متى التحقنا نحن بالعمل ، سوف تجدين ان العمل هنا مريح وشائق .
نغادر الجريدة متوجهين الى ساحة الطيران ، حيث الكيات التي تنادي لحي أور ..
نصل منطقة الميثاق ، نعبر البحيرات التي خلفتها الأمطار ، نشتري ما نريد من مواد غذائية ، نواصل السير الى محل الصفصاف ، ونعرج على الصيدلية التي اعتدت ان أشتري منها ما أريد من دواء وأعشاب تحافظ على الصحة.



(64)

العمل الجديد جميل جدا ، أعجبتني أجواؤه اللطيفة ، علاقة الصداقة التي تربط الجميع برباط الثقة والمودة ، الكل يحب المكان ، ويحرص على سلامته ، ورغم اني بقيت اليومين الأولين عاجزة عن عمل اي شيء آخر ، فإنني اشعر بالسعادة التي غابت عن أمكنة العمل التي عرفتها فترات طويلة ، كنتُ أشعر بالغربة على الرغم من الاحترام والتقدير اللذين يقابلونني بهما بسبب اخلاصي الكبير في كل عمل اقوم به . أخرج من المنزل في الساعة العاشرة ، وأركب ثلاث سيارات لتنقلني الى شارع أبي نواس حيث العمل الجديد ، و رغم اني خرجت صباح الأمس في العاشرة تماما ، فقد وصلت متأخرة عن الموعد الذي اتفقت ان اكون به في الجريدة ، لم يقولوا لي شيئا ، وهذا الموقف جعلني أقرر ان اخرج مبكرة كي أصل في الموعد المقرر ، او قبله ايضا وقد أجلتُ كل اعمالي الكتابية التي كنتُ أنوي القيام بها الى حين عودتي من العمل ، وقليت عددا من اقراص الدجاج لطعام الغداء ، وضعته في اناء صغير من البلاستك ، وفوقه رغيف خبز اسمر ، خرجت من المنزل في التاسعة صباحا ، رأيت الحانوت المجاور للمنزل مغلقا ، فيممتُ وجهي الى أسواق التفاحة للحصول على رصيد لاتصالات اثير ، انتظرت الكوستر الذي ينقلني الى باب المعظم، السيارة الكبيرة يكثر بها الركاب ، ولم اجد الا المقعد قرب الباب المفتوح خاليا ، فجلست عليه وانا خائفة ، اذ كان الباب مفتوحا، سألتُ الراكب قربي :
- ألا يمكن غلق الباب ؟
ـ لا يمكن ،حاولتُ اغلاقه عدة مرات ولم أفلح. جلست وانا ممسكة بمسند المقعد الذي خلفي ، همست للجالسة قربي :
ـ الجلوس هنا خطر ، ماذا أفعل ان استدار السائق بسرعة؟ نظرت الي الراكبة ، ولم تعلق بشيء ، نزل أحد الركاب :
جلستُ في مكانه وأنا آمنة على نفسي من خطر السقوط المحتمل..
وصل السائق الى مكان قبل الباب المعظم ، وقال :
ـ الدنيا ازدحام اليوم ، هيا انزلوا كلكم هنا ، لا يمكنني التقدم أكثر .
سألت أحدى النساء المسنات :
ـ لا يمكنني السير كثيرا ، هل يمكن ان تتقدم أكثر قليلا ؟ ـ لا يمكن ، انزلي هنا!
توكأت السيدة على عصاها ونزلت ..
سرت الى سيارات الأجرة الكبيرة والتي تتكون من طابقين والمتوجهة الى الباب الشرقي . سألت المحصل الواقف قرب الباب :
ـ الى أين تصل هذه الحافلة ؟
ـ وأنت الى اين تريدين ؟
ـ هل تصل سياراتكم الى الباب الشرقي ؟
ـ نعم ، اركبي .
الركاب قليلون في بداية الرحلة ، يتكاثرون بعد قليل ، تصعد امرأة بصعوبة ، تبحث عن مقعد تستريح عليه ، فلا تجد ، يقول لها قاطع البطاقات :
ـ اصعدي الى الطابق الثاني سيدتي ..
ـ لا أستطيع .
ـ قفي هنا وسوف تجدين مكانا بعد قليل ..
سألت الجالسة بجانبي :
ـ ألم يجففوا المناطق التي سقطت عليها مياه الأمطار ؟ ـ لم يفعلوا شيئا ، انا من حي أور ، سقطت أبنية كثيرة وغرقت أحياء سكنية .
ـ وماذا ستفعلون ؟
ـ هدد السكان بقطع الطرق التي تربط مدينتنا ببعض المناطق.. حركة السيارة ليس كالعهد بها ، سرعتها معقولة ، تصل الباب الشرقي ، يقول قاطع التذاكر : - من يريد الباب الشرقي ، ينزل هنا ، ومن لا يريد يبقى في الحافلة ، سوف نتوجه الى المسرح الوطني .
انزل في ساحة النصر ، وارتاح قليلا ، ثم استقل الكوستر الى الكرادة داخل ، وانزل قرب الجامع الموجود في أرخيتة ، واسير الى مقر الجريدة ..

(65)

أصل الجريدة مبكرة ، وقبل حلول الثانية عشرة بنصف ساعة ، أسأل :
ـ ما الأخبار؟
ـ يقولون ان المطر سيكون في المنطقة الجنوبية فقط .. ـ امس بدأ في المنطقة الجنوبية ، امطار غزيرة نزلت هناك ، وسوف ينزل في بغداد في الساعة الثامنة مساء . أرى حركة التصحيح تسير في بطء شديد ، اطلب من المصحح معي :
ـ هل لي بورق أصححه ؟
ـ خذي هذه ..
أقوم بتصحيح الورقة ، وأطلب واحدة أخرى ، اذهب الى غرفة الأرشيف وأخذ نسخة من الجريدة ، أشرع بالقراءة ، اخبار كثيرة وتحقيقات ومقالات ادبية تعجبني قراءتها ..
تحين الساعة الواحدة ، يشرع زميلي بالتصحيح بمغادرة المكان ، ثم يأتي من يصنع الشاي متسائلا :
ـ سوف اذهب للإتيان بطعام الغداء ، هل آتيك بشيء ؟
ـ نعم ، اريد شريحة من لحم الدجاج ؟
ـ وعصير ؟
- لا أريد عصيرا ، سوف أتناول الشاي مع طعام الغداء .. تنهال الأوراق علي للقيام بتصحيحها ، أوراق متنوعة ، عن المرأة وحياة الشعب والثقافة والتحقيقات وأصوات جديدة ، انشط بالتصحيح ، يعود العامل الذي يصنع الشاي ، وبيده الشريحة التي طلبت ان يأتيني بها ..
اشرع بتناول طعامي ، تأتيني أوراق جديدة :
ـ سوف انتهي من طعامي واعود الى التصحيح .
في الثالثة والنصف يأتي ابو سلام ، يقول :
ـ يمكن ان تعودي الى المنزل حين اكون انا ويأتيك زوجك..
اتصل بزوجي :
ـ سأكون عندك خلال ساعة.
أصب لي كأسا من الشاي ، اشعر ببعض التعب، يتصل زوجي: ـ انزلي ، سوف لن اصعد الى الجريدة .

ـ كيف نعود ؟ والمطر سوف ينزل بالغزارة التي اخبرونا بها ؟ هل كالعادة ؟ أم نستعين بسيارة أجرة ؟
ـ سيارة الأجرة أفضل ، المطر وشيك!
نستقل سيارة أجرة ، يقول لنا السائق :
ـ سوف نسير على القناة . افضل بكثير من الطرق الأخرى . في الطريق ازدحام شديد ، يجعل السيارات عاجزة عن التقدم ، يقول لنا السائق :
ـ يمكن ان تختارا ؟ هل تبقيان معي وتتأخرا ، ام تنزلان وتواصلان السير؟
نختار النزول ، فنجد ان السيارات تحركت الى امام ، نعود الى المنزل سيرا على الرغم من الطين المعيق للمشي والظلام الكثيف المحيط بنا ، الشارع ملوث بالمياه المتجمعة من الامطار التي سقطت قبل اسبوع .
نصل قرب المولدة ، اذهب الى الصيدلية للحصول على بعض الدواء..
.
أعود الى المنزل ، أهيئ طعام العشاء .
افتح الانترنت ، أقرأ بريدي الالكتروني ، أتبادل الرسائل مع الاحباب والأصدقاء .
أتناول العشاء ، ثم اجلس امام الحاسوب ..
أجد ان الساعة تشير الى العاشرة ، ولم يسقط المطر!

(66)

اليوم عطلة ، بسبب غزارة الأمطار وشدتها ، أعلن ذلك مجلس الوزراء بعد الساعة الثامنة وقد كنت قد وصلتُ المنزل ، بعد عناء شديد من شدة المطر المنهمر ، تأخرت بالعودة التي كان يجب ان تكون في الساعة الرابعة ، ارتأينا ان نستعين بسيارة أجرة صغيرة تنقلنا الى المنزل ، لأنه من غير الممكن ان نذهب الى ساحة الطيران ، كما نفعل عادة في ايام الصحو الجميلة. أعلنت الانواء الجوية ان موجة من المطر الشديد. سوف تهل علينا ،وحين خرجت من المنزل صباحا كنت اتوقع ان المطر سوف لن يمهلني كثيرا ، وان زخاته ستنهال علي وانا في وسط الطريق ، لكن رحلتي اليومية الى الجريدة واستعانتي بكوسترين وحافلة كبيرة للذهاب الى العمل سارت امس بهدوء لا يعكر صفوه شيء ، وصلتُ الجريدة قبل الوقت المقرر ، فسارعت الى المطبخ لأصب لي كأسا من الشاي الساخن ، الذي اراه متطلعا الى بشوق وهو على البراد الكبير فوق النار المشتعلة .
حركة الصباح هادئة جدا ، الأوراق الي تأتي لغرض تصحيحها قليلة اذا ما قورنت بالحركة الكبيرة التي تحدث بعد الساعة الثانية .
تناولت طعام الغداء الذي كنت قد اشتريته من مطعم قرب بيتنا في البنوك ، قال لي متعهد الطعام :
ـ سيدتي ، من اليوم سوف تتناولين الطعام معنا في المطبخ ، وسوف تدفعين الثمن الذي يناسبك نهاية كل شهر . ـ لكني جلبت طعامي لهذه الظهيرة ، سأكون معكم منذ الغد.
ولكن الغد هذا لم يأت لأن الامطار سرعان ما انهمرت بغزارتها الشديدة ، التي نتطلع معها الى السير تحت زخاتها ونحن نحمل المظلات ،و هنا في بغداد ، حيث الشوارع التي تمتلئ بمياه الامطار وتعيق حركة السائرين ، تجعل من العسير علينا ان نحقق احلامنا البسيطة جدا . اعلنوا عن العطلة ، فهل علي ان اذهب للعمل ، لأقوم بواجبي في تصحيح عدد الغد من الجريدة؟ وكيف يمكنني الذهاب ، والشوارع قد أصابها الطوفان ؟ لماذا اظل قلقة على الدوام ، سأنتظر ساعة ، لأعرف ما الذي يتوجب علي فعله .
خرج زوجي الى عمله قائلا :
ـ ان كانت الشوارع غارقة ولا يمكن اجتيازها ، سأعود !
بعد فترة وجيزة ، ولم انته بعد من قراءة بريدي الإلكتروني ، أجده قد عاد .
- ما الخبر ؟
- لا يمكنني الذهاب ، الشوارع كلها قد غرقت !
- وماذا نفعل ؟
- سننتظر بعض الوقت ، عل الأمور تتحسن قليلا ..
الوقت يمر بطيئا ، اعمل لنفسي كأسا من النسكافة ، ارتب أوراقي المبعثرة قرب حاسوبي ، أتطلع الى الخروج في هذا الطقس الجميل ، ولكن هيهات ، يمضي العمر وانا عاجزة عن الوصول الى غايات سهلة لا يمكنني تحقيقها الا بشق النفس ، هل نظل بالمنزل اليوم ؟
وماذا يمكننا أن نفعل في بيتنا والجو جميل يغري بالخروج ؟ أسمع مناديا :
ـ غاز بستة ، غاز بستة !
كيف استطاع بائع الغاز ان يجتاز البحيرات ؟ سؤال اوجهه الى نفسي العاجزة عن العثور على جواب شاف ، لكل ما يتطلع اليه العراقيون ، ويجدون ان العراقيل الكثيرة قد وقفت لهم بالمرصاد ..
في العراق , العقبات الكثيرة القاسية , حالت بينهم وبين تحقيق آمالهم السهلة في كل مكان . نحن العراقيين نظل نحلم والطرق وعرة والسبل مقطوعة ، وأتساءل الى متى نظل عاجزين عن الوصول ؟
كل شيء أضحى معطلا ، أحببت ان أذهب الى صالون الحلاقة للنساء ، فوجدته مغلفا ، حتى قص الشعر نجده بعيد المنال ؟

(67)

جو اليوم شبه مشمس ، تهيأت للخروج من المنزل ، خرجت في العاشرة صباحا ، ميممة وجهي صوب مقر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، ليس هناك من حافلات اهلية كي أستعين بها لتوصلني الى بغيتي ، انتظرت طويلا ، فلجأت أخيرا الى سيارة أجرة صغيرة ، اول السيارات رفضت ان تقف لي ، والثانية طلبت سعرا مرتفعا على متقاعدة لم تستلم راتبها التقاعدي بعد.. وقفت السيارة الثالثة ، فاقترح علي الثمن ، فخفضت منه قليلا فوافق ، ركبت السيارة ، سارت نصف الطريق ، ولما اقتربت من جامع النداء لاحظت ان الناس يعودون من هناك :
ـ الطريق مغلق ..
ـ هل تأكدت من انغلاقه ؟
ـ الناس يعودون ..
ـ وما العمل ؟
ـ نلجأ الى طريق آخر، سوف اذهب عن طريق شارع فلسطين . يسير السائق ، نرى البحيرات العميقة من الماء الآسن على جانبي الطريق ، يستبد بي الخوف ان تقف السيارة في احد تلك المستنقعات ، ولا يقدر السائق على اجتيازها ، ماذا بإمكاني ان أفعل حينئذ :
ـ البلاد كلها خربة ، هل سمعت ماذا قال رئيس مجلس محافظة النجف ؟
ـ ماذا قال ؟
ـ غرق اناس بفعل وقوف المياه ..
وجاءت مذيعة لمقابلة الرئيس :
ـ هل حدثت وفيات بفعل الأمطار ؟
ـ لا ، لم تحدث ..
ـ سمعت انها حدثت ، الناس يقولون انها حدثت في مدينة النجف...
ـ لا ، لا ، لا ، لم تحدث ..
ـ ألم يغرق أناس في مياه الأمطار المتوقفة ؟
ـ مات ثلاثة أطفال ، انظري كيف يفسرون الأحداث..
يسير السائق على الطريق السريع ، اصل الى مقر الاتحاد :
ـ كم تطلب ؟
ـ كما تحبين ..
ـ اتفقنا على سعر معين ، وأنت سرت أكثر مما اتفقنا ، كم أزيدك ؟
ـ مثلما تريدين !ا
ازيده ألفين ، ادخل الى المقر ، حركة باليد بعيدة ترحب بي ، اقترب منها ، اجد الصديق كاظم الصبر القادم من المغرب : - انت هنا منذ زمن طويل ؟
- نعم .
- ولماذا لم تتصل بنا ؟
- أتصدقين انني لم أر عائلتي بعد؟
- ولماذا ؟
- انني مشغول كثيراء، سلمي لي على العائلة وزوجك ...
ادخل قاعة الجواهري ، حيث سيتم الاحتفاء بالعلامة النحوي مهدي المخزومي من قبل الجمعية العراقية لدعم الثقافة .. ها اني ارى عددا من الحاضرين ، ممن يهتمون بقضايا الفكر والثقافة .
كانت الجلسة الاستذكارية شائقة جدا تناولت سيرة الدكتور المخزومي وأعماله الرائعة بالنحو والبحث والدراسات..
طلبت مني احدى القنوات الفضائية ان أتحدث عن مآثر الراحل الكبير .
انتهت جلسة الاستذكار وبدأ الحاضرون يغادرون القاعة ، وجاء ستار الناصر مع الشاعر الذي سيحتفي به ملتقى الخميس الابداعي، ولم يجد الكثير من المهتمين ، فقال :
ان كان عدد الحاضرين أكثر من عشرة نبدأ الجلسة ، وان كانوا اقل نؤجلها الى الأسبوع القادم ..
انفرط عقد الحاضرين ، خرجت من مقر الاتحاد متوجهة الى منزلي ..


(68)

اليوم حافل بالعمل ومقابلة الأصدقاء ، كانت الجمعة جميلة جدا ، انتظرنا (طه) كثيرا للذهاب الى المتنبي ، قال ان الشارع مملوء بالمياه وعسير على السيارات ان تعبره لهذا علينا ان ننتظر ، طال انتظارنا ، استغليت ساعة الانتظار لأنزل الى الحانوت القريب من منزلنا ليجدد رصيد هاتفي ، اشتريتُ بعض الاشياء التي أحتاجها شخصيا او للمنزل / وصعدت الى البيت . لم يكن طه قد اتصل . ، اتصل بعد قليل:

ـ انزلي بسرعة ، نسيت ان اتصل بك !
سارعت بالنزول ولكني لم اجد طه ، انتظرت قليلا ، جاءت السيارة ، ركبنا بها ، وكانت المياه تملأ الشوارع مما يتعذر المرور ، كل لحظة والسيارة تجتاز المياه القذرة وانا اخشى ان تتوقف بهذه المنطقة وانا لا أعرف السباحة !
نصل الى المتنبي ، افارق طه متوجهة الى القيصرية ، اشاهد هناك عددا من الأصدقاء ، اجلس معهم ، اشاهد بعض الأشخاص ، أذهب لتحيتهم ، اعود للجلوس مجددا ، نشرب الشاي الساخن ، نتحدث عن معاناة الأدباء في طباعة الكتب التي يجتهدون في كتابتها ويقابلون بالعراقيل التي تقف في طريقهم ..
نقوم للتنزه في الشارع الجميل ، نلتقط صورا كثيرة ونحن نقف قرب المتنبي او ننزل على ضفاف الشاطيء ، تعرفت الى أصدقاء جدد يتفقون معي على ان المرأة العراقية محرومة من أغلب الحقوق التي يدعي الكثيرون انهم مؤمنون بها ،ولكن لا أحد يتفق مع حقوق النساء العراقيات على الرغم من ارتفاع الأصوات الداعية الى تحرر المرأة..
ركبنا العَبّارة وهي تتهادى بين المياه .. تمتعنا بالجو الجميل ، خرجنا من الشاطيء وذهبنا خارجين من الشارع ، نظرت الى الأصدقاء ، لم اجدهم ، تساءلتُ :
ـ اين ذهبوا ؟
ـ لا أدري ، ربما واقفون في مكان .
ـ اتصلي بهم ، اريد ان اذهب.
اخرج الى شارع الرشيد ، أسير بعض الوقت ، وأصل الى سيارات الشعب واور ..
أقول مع نفسي :
- لأركب سيارة اور ! .. انها خالية ، لن اركبها ، حتى يأتي الآخرون ..
يأتي الركاب ، اصعد الى الكيا ، يقول السائق :
ـ سوف نصل الى اور عن طريق القناة .
يفرحني قوله ، اذ سوف يوصلني الى البنوك ، ولا اتعب لأصل
الى منزلي ، تسير السيارة في طرق تفيض بالمياه ، فروع وشوارع ضيقة ، يسألني احد الركاب :
ـ الطريق هذا لا أعرفه ، هل كل مرة تسير السيارات به ؟ ـ كلا ، اليوم فقط بسبب غزارة المياه .
انظر الى الطريق ، فلا اعرف اين وصلنا ، ينزل الرجل الذي سألني قبل قليل ، ابقى جالسة ، انتظر ان يصل السائق الى مكان أعرفه ، فأنزل من السيارة ، يأتينا الجسر الجديد ، اجد " ملك الأسعار " امامي ، أطلب النزول..
تقف السيارة ، انزل منها ، اسير في طريق الميثاق ، الطرق شبه جافة ، يسرني السير من هذا الطريق ، اصل الى المنزل ، اصعد الدرج ، يقول لي السيد :
ـ جاءنا الغداء اليوم ؟ هل جاءكم ؟
ـ كلا ، كنت خارج المنزل ، الآن عدتُ ..
اخرج مرق القيمة من الثلاجة ، أضعه على النار ليذوب ، اتناول طعامي ، انام بعض الوقت ، استيقظ واحاول ان انقل القصص التي جاءتني مكتوبة على الورق ، نقلت بعضها الى الحاسوب ، وأصابني التعب ، سوف اكمل المتابعة غدا ، وانهض بعد قليل لأنال قسطا من الراحة ..
***
علياء الحبيبة تود ان ترزق طفلا جميلا من محمود الوسيم ، أحبت براءة الأطفال ولعبهم منذ الصغر ، وحين تزوجت كان حلمها جنينا يحتاج الى الرعاية الكبيرة ، لكن امانيها الكبيرة قد أجهضت بعد مضي الشهر الثاني من الزواج :
ـ انت حامل في الشهر الثاني ، وبحاجة الى العناية ، الجنين ضعيف..
ـ انا عاملة في البيت وخارجه ، ما هي الأمور التي علي التزامها ؟
ـ راحة تامة ، لا تحملي ثقلا ولا تسيري لمسافات طويلة ، ولا تقفي كثيرا، ولا تصعدي درجا!
ـ لكني اسكن في شقة تقع في الطابق الرابع ، ولا وجود لمصعد.
ـ حاولي تقليل عدد المرات التي تضطرين لاستعمال السلم فيها ، واطلبي من زوجك المساعدة ، وان يقوم هو بمهمة التسوق ! تسكت علياء ، تستحي ان تطلع الطبيب ان زوجها لا يحب مساعدتها ، ويرتفع صوته غاضبا ان طلبتها منه ، وقد اكتشفت هذه الصفة فيه منذ اليوم الأول..
ـ هراء ما يقوله الأطباء! من يقوم بمهامك ؟ وانا في العمل؟
ـ انا في العمل ايضا..
ـ انت من يريد الأطفال ! لا حاجة لي بهم ! ان كنت تحبين الاحتفاظ بطفلك اعتمدي على نفسك.. واطلبي من اسرتك المساعدة ...
وعلياء لم تستطع العمل بتوصيات الطبيب فتعرضت للإجهاض ، وحزنت على خسارتها للجنين الذي كانت تحلم بوصوله طفلا جميلا ..
علياء الآن تحيا مع زوج رؤوف بها ، يساعدها في كل الامور، وتجد نفسها تحلم بمجيء طفل جميل مجددا..

(69)

اليوم صباحا استطعنا ان نحدث سجل الناخبين ، في الأيام الماضية كانت المياه الآسنة تسد علينا الطرق ، فلا نستطيع المرور ، ذهبنا الى مدرسة الاستقلال ووجدنا أسماءنا فيها كما كانت في انتخابات مجالس المحافظات ، الناس في قلق متزايد ان تبقى الوجوه الحاكمة نفسها ، والا يتمكن المواطنون من التغيير ، المتنفذون والطائفيون يحرصون على عدم احداث التغيير ، ليظلوا جاثمين على رقاب الناس ، ويبقى الوطن في تأخر وانعدام للأمن، وحوادث قتل على الهوية ومفخخات تروع الناس وتسلبهم الأمان ، جارتي تقول انها لن تذهب للانتخابات وانه لا فائدة ترجى من الذهاب ، فالوجوه هي نفسها ، وليس هناك ما يرجى من الانتخابات ، قلت لها ان المساهمة في الانتخاب يمكن لها ان تحدث التغيير المنشود ، وباستطاعة الناخبين ان يأتوا بمن يستطيع ان يسهم في تحويل حياة الناس البائسة الى افضل منها وأكثر جمالا..
في ملتقى الخميس الماضي حاولت ان اربط بين الكتابة والقراءة والمدرسة , فقدان التشجيع من قبل العائلة والمدرسة يمكن ان تجعل الموهبة تندثر ، بينت للحاضرين ان البداية تكون موفقة ، ان بقيت العائلة تشجع ابناءها على الكتابة ،كما ان وقوف المدرسة يشجع ايضا وزيارة المكتبات الزاخرة بكل انواع الكتب تجعل الانسان الموهوب ينهل من ضروب المعرفة ما يريد .
معاناتي الطويلة وغربتي وانا اناضل من اجل رفاه عائلتي ،وتربية اولدي اللذين استطاعوا ان يشقا لهما طريقا ناجحا في الحياة .
لم تكن الصور بالمستوى الذي حلمت به ، ولم يكن الحاضرون بالعدد الذي توقعت ان يكون معي ، الكثيرون وعدوني ان يحضروا وان يسهموا بآرائهم عن محاضرتي التي كانت حول معاناة النساء المبدعات. أسعدتني " ورود " القصاصة الحبيبة سافرة جميل حافظ ، كما أبهجتني ساعة الجواهري التي قدمها لي الشاعر الفريد سمعان .
قناة الرشيد الفضائية وحدها كانت معي .. لم أر بعد البرنامج الذي بثته عن ذلك اللقاء ، بعض الأصدقاء هنأني على هدوئي الذي وجده جميلا ، أتحدث عن بداياتي الكتابية وموقف الأصدقاء والأقرباء منها ، وحيت تحدث مقدم الجلسة الموسيقي الصديق ستار الناصر عن سيرتي التي قرأها في المجموعة الأخيرة لقصصي التي أصدرتها دار ضفاف أواخر السنة المنصرمة .
حدثت الحاضرين عن الاهتمام الذي يلقاه الكاتب في بلاد المغرب ، وكيف اتلقى الدعم هناك وانا العراقية القادمة اليهم ، كما حدثتهم عن المهرجانات الثقافية التي تقوم بها جمعية جمع المؤنث للاهتمام بالكتابة التي تبدعها النساء في بلدان الشرق الأوسط ، وكيف انني أسهمت مرتين في ذلك المهرجان ، الأولى عام 2006 حين تحدثت عن أسباب الكتابة ولماذا يعمد الكاتب اليها ؟ كما ذكرت مشاركتي في مهرجان عام 2010 الذي كان عن تأثير العولمة في الكتابات النسائية , وكيف شاركت في محاضرة عن تأثير الانترنت في كتابة المرأة في بلاد الشرق الأوسط ، ونقلت للحاضرين مشاعر الاستحسان لمحاضرتي آنذاك ..

(70)

هذا العالم يسير الى الخراب الشديد ، مفخخات في كل مكان تغتال الأبرياء وعبوات ناسفة تضع حدا لحيوات الناس قبل اوان اقتلاعها ، والناس يسيرون الى طريق مجهول ، يحاولون ان يئدوا روح التشاؤم التي اندلعت في النفوس من جراء هذا الجحيم ، لا أحد يبالي بالآخر ويضمه الى صدره ، معبرا عن الحب والحنان ..
الدرب طويل موحش وأنا لا تعييني الطرق المغلقة على الدوام ، لا شيء بقادر على ان يزيل الصخور، التي تعترض سبيل الناس، الى متى هذه المعاناة، وإلى مَ يستمر الشعور باللاجدوى . لم تنجز معاملة التقاعد واعطوني موعدا في السادس عشر من الشهر القادم ، هل سيطول الانتظار؟ وهل أظل اسارع بالذهاب اليهم ، علني احصل على ما يشفي الفؤاد ، فاذا الأيام كالحة السواد ، واذا مواعيد عرقوب تهدد الحياة ، ولا بصيص من امل يخفف ما يعتري القلب من شعور باليتم والفقدان ..
في عملي الجديد اجد الراحة والتفهم ، ولكن القلب يسعى الى ما لا أدري من الامور ، ويطول الترقب ولا امل في تحقيق المراد ..
حياتي ناقصة , أتمنى أن يجعلها النقص باسمة تحيى كما يحيا الشباب ...
ما الذي تريدين ايتها النفس العاصية ، والى متى يظل صدودك عن الفرح المنشود ؟
حدثت سجلات انتخابي ، بعد وقت طويل ، كنت كلما امر على مدرسة الاستقلال اجد المستنقعات تغطي الأرض المحيطة بالمدرسة ولا يمكنني الذهاب الى هناك ، اتصلت بالرقم 5777 قلت :
ـ هل الذين بقوا في مساكنهم بحاجة الى تحديث سجلات انتخابهم؟
ـ راجعي المدرسة ..
ـ لا استطيع ، لان المدرسة التي انتخبت بها مجالس المحافظة تحيط بها المستنقعات .
ـ ما رقم بطاقتك التموينية ؟
ـ ليس عندي بطاقة تموينية .
ـ لا يمكن ، مستحيل ان تنتخبي بدون البطاقة التموينية . ـ لكني شاركت في انتخاب مجالس المحافظة بلا بطاقة. تغلق المرأة الهاتف ، فاضطر الى الذهاب بنفسي لتحديث السجلات ، يخبرني المسؤول :
- سوف تأتين الى المكان نفسه ، اسمك مسجل في مدرسة الاستقلال ..
اخرج من المدرسة وأتوجه الى ابي نواس ، ابقى قليلا مع الأصدقاء ثم اتوجه الى عملي في الجريدة .

(71)

وصلت الى بريد العلوية في استفهام طويل من اناس كثيرين ، كنت اظن ان البريد القريب من منزلي هو بدالة الأعظمية ولكن اتضح لي ان العديد من البدالات ما زالت تعمل في بلادنا رغم الخراب الكبير ، الذي أحدثته الدكتاتورية وجاء الاحتلال ليزيد الظلام تعاسة وتخلفا وضياعا ، ركبت في الكية التي توصل الراكب الى الكرادة خارج ، سألت الركاب :
ـ هل هذه الكية تصل الى بريد العلوية ؟
ـ نعم .
ـ ارجو أن تخبروني حين نصل اليه .
وما ان استدارت الكية بعد ساحة كهرمانة قليلا ، حتى قال أحد الركاب :
ـ عند البدالة " نازل" ..
توقفت الكية امام البريد ، نزلتُ عبرت الشارع ، رأيت افرادا من الشرطة يحرسون المكان :
ـ هل دائرة البريد هنا ؟
ـ دوري حول المكان الى اليسار ، وسوف تجدين البريد.. في زقاق تغطيه المياه المتخلفة عن الأمطار ، وجدت ضالتي ، بناية قديمة متهرئة ، قربها عمال يبنون جدران متهدمة ، دخلت البناية :
ـ اريد ارسال رسالة من هنا .
- اذهبي الى تلك السيدة .
كانت السيدة من النساء الطيبات ، اللاتي اعتدن اتقان العمل الذي كلفن به ، سألتني عما داخل الظرف ، اخبرتها ان هناك كتابين اريد ارسالهما الى مصر ، وجدت الرسالة الصغيرة التي وضعتها بين الكتب ، وخبأت داخلها مبلغ الـ خمسة عشر دولارا قيمة الاستمارة التي تمنحني العضوية لنادي القصة في مصر العربية ، وجدت الظرف لا يغلق جيدا ، فمنحتني السيدة بعض الصمغ كي ألصق الظرف بعد أن ادخلت الكتب فيه ، سألتني السيدات اللاتي كن يعملن هناك :
ـ ماذا تشتغلين ؟
ـ انا مدرسة متقاعدة ، أعمل الآن مصححة في جريدة ..
قالت احدى السيدات :
ـ العمل ضروري جدا للإنسان ، وخير له من البطالة ، وان اليد العليا خير من اليد السفلى كما ذكر الحديث الشريف ..
خرجت من دائرة البريد ومضيت سائرة على قدمي ، الى الجريدة في شارع ابي نواس ، كان العمل مرهقا جدا ، اصول المقالات مع الماكيتات قمت بتصحيحها ، الصفحة الثقافية وصفحة المرأة والتربية والتعليم ،، اعتدت الا اعيد تصحيح الأوراق التي قام بتصحيحها أحد الزملاء ، ولكن اليوم أدركت خطئي ، فقد وجد المسؤولون الكثير من الأخطاء في الجريدة ، ولم اخبرهم بطبيعة الحال ، انني لست المسؤولة ، لقد اخبرني احد الزملاء سابقا انني لا ينبغي ان اصحح ما صححه زميل لي ، من الغد سوف اصحح كل الأوراق ، وأقرأ المقالات كلمة كلمة كما افعل دائما ، والا اعتمد على تصحيح غيري ما دمت انا المسؤولة عما صححته.. الموقف ذاك جعلني اصاب ببعض الاحباط ، وآليت على نفسي ان اقوم بعملي خير قيام ، فانا التي احببت عملي دائما سوف لن أدع احدا يبدي لي مساوئي ، التي احرص دائما على التغلب عليها والتخفيف منها على أقل تقدير.. حانت الساعة الرابعة وعلي أن اخرج من مقر الجريدة ، وبدلا من التوجه الى الكوستر ، ومنه الى ساحة الطيران ، وجدت نفسي لا أقوى على السير كثيرا ، فوقفت امام الجريدة ، وأشرت لأحدى سيارات الأجرة ، التي نقلتني الى سوق النداوي ، اعطيت ام بنين ما بذمتي لها من نقود ، وخرجت استفسر عن بديل لشاحنة حاسوبي التي وجدتها تحترق هذا الصباح , خشيت الا استطيع الكتابة لبعض الوقت ، لكن الكثيرين ممن سألتهم عن نتائج حادث الاحتراق الذي وقع صباحا ، قالوا لي :من المحتمل ان الشاحنة لم تحرق ، جربي تشغيلها حين عودتك الى المنزل ، وان وجدت ان النيران لم تندلع منها ، فإنها ستكون سالمة ويمكن تشغيلها ، اما ان رأيت نارا تنبعث منها كما حدث في هذا الصباح ، فأسرعي بإطفائها وشراء واحدة أخرى ، لأن تلفها يمكن ان يؤدي الى احراق حاسبوك ..
اشتريت بعض ما احتاج من أسواق التفاحة والخضر التي بجانبها ، وعدت الى المنزل ، وسارعت بفحص الشاحنة ، الحمد لله انها لم تحترق ، وبقيت أستطيع الكتابة عليها ..
(72)

التعب يلازمني ، امس اخذت شاحنة الحاسوب معي ، لأبدلها بواحدة أخرى جديدة ، فقد احترقت القديمة واسرعت لإطفاء الكهرباء خشية من اتلاف الحاسبة التي لا يمكن ان اعيش بدونها ، وجدت محلات الحاسبات مغلقة في الصباح ، فأخذت الشاحنة معي ، وكانت تصحبني في كل المسافات التي قطعتها ، ذهبت الى الجريدة والشاحنة معي ، اخبرتهم انها محترقة ، فنصحوني ان اشتري واحدة أخرى جديدة وحين حل موعد الانتهاء من العمل ، فكرت ان اترك الشاحنة ،وان استبدلها في الغد ، ولكني فكرت انه من الممكن ان اجد شاحنة جديدة بعد خروجي من فندق مريديان ، حيث يتجمع الضيوف الذين قدموا من كل أنحاء العالم للمشاركة في مؤتمر الفنانين ، جلست في صالة الفندق قليلا ، ووقفت اكثر ، وتمشيت وتحدثت مع عالية ورحمة التي جاءت من اربيل لتحيي صديقتها ، الضيوف كثيرون ، بحثت عن مكان شاغر ،
لم اجده في البداية ، ثم وقف احد الرجال الجالسين لأمر ما ، فأسرعت لأجلس في مكانه..
ذهبت انا وابو اثير الى قاعة الاحتفال ، فوجدتا القاعة وقد امتلأت بالزوار ، جلسنا في الصف الرابع من المقاعد ، واكتظت القاعة بعد ذلك بالضيوف وأهل المنزل ، مما تعذر على بعض الحاضرين ان يجدوا مكانا للجلوس ، فبقوا واقفين حتى نهاية الاحتفال ، الذي لم يكن ناجحا ، مشهد مسرحي لم نره ، ولم نسمع الحوار الذي كان بين شخوصه ، وجوائز قدمت للمشاركين العرب وللقادمين من أنحاء العالم ، الذين وهبوا المتحف العراقي ما ابتدعوه من فنون ، ولم يمنح المؤتمر تقديره للفنانين العراقيين المشاركين الا امرأتين هما سميرة عبد الوهاب وواحدة أخرى .
خرجنا قبل الجميع ، مع ابي اثير في سيارته ، وفي الطريق مر على زوجته واركبها معنا في السيارة ، وحين وصلنا الى الميثاق ، قال لي :
ـ هنا يشترون الشاحنات الجديدة , هل تريدين ان تسألي ؟

نزلنا ورأينا محلا واحدا للحاسبات ، فسألناه عن بغيتنا ، فشاهد الشاحنة المحروقة وباعنا واحدة أخرى ..
في الصباح جربت الشاحنة الجديدة ، ورأيتها اقصر من الأولى
مما اضطرني ان اسحب الطاولة قليلا ، فاستجابت الشاحنة لطلبي ، وجلست اكتب ما عنَّ لي من آراء بقيت في بالي ..
الانترنت لم افتحه هذا الصباح ، كما هي عادتي في لحظة الاستيقاظ ، تناولت طعام الافطار ، ثم غليت الماء لصنع القهوة، وشربناها انا وزوجي ، فتحت الانترنت بعد ذلك ، فلم اجد الكثير من الرسائل ، وابقيت الحاسبة مفتوحة ، اتصلت بأختي لأطمئن على حالتها فلم احظ بالجواب ، اتصلت بشقيقتي الأخرى ، فلم يصلني جوابها ، ترى اين ذهبتا ؟
سأُجرب الاتصال بهما بعد قليل ، وأتهيأ للذهاب الى عملي ، فقد أشرقت الشمس بعد نزول قطرات من المطر ، جعلتنا نخشى ان يجعل المطر المتساقط شوارعنا غرقى من المياه المتوقفة ، ولكن من حسن الحظ ان المطر لم يكن كثيفا مثلما كان في الاسبوع المنصرم .. سوف اغلق حاسبتي ، وأهيئ نفسي للخروج ، يبدو ان الطقس جميل هذا اليوم ، ومن حقنا ان نخرج لنتمشى في الشوارع الندية من فعل قطرات حنونة ، تغازل أرضنا التي فارقها الحب ، فأضحت تتطلع بشوق الى الحنان المسلوب ، عل الأيام تأتي بأمر طال انتظاره.. حياتي يابسة ، وكأنني اعتني بالعمل فقط ، على حساب مشاعري التي طال نكراني لها ، تعلمت وأدها حين تطل علي بحاجتها الى حنين مفقود ، لم أشأ ان اجعله يسلب مني الطمأنينة التي اظن انها ما عادت تسكن نفسي من كثرة ما عملت على نكرانها ، والتظاهر انني لا أعبأ بما تأتي به الطرق المسدودة والأيام الخالية .

(73)

بسبب تساقط الأمطار كنت حائرة ، لم اتوصل الى قرار ، هل اخرج رغم المطر المنهمر وتلوث الشوارع ، وأتحمل العذابات التي يصادفها الخارجون من منازلهم في عز انهمار المطر الكثيف ؟ أم اظل في منزلي لأكتب قليلا ، او اتحدث مع بعض الأصدقاء في الفيس بوك ، رجحت أخيرا كفة البقاء ، وحرمت نفسي من الندوة التي لابد انها ستكون جميلة ، والتي دعت اليها الجمعية العراقية ، جلستُ أمام صديقتي الحبيبة ( الحاسبة ) و التي لم أعثر على مثيل لها يبادلني الحب والحرص على حفظ الأسرار، التي كثيرا ما تكتمها هذه الصديقة الحبيبة ، والتي لن تدع أحدا يطلع عليها مهما بذل من جهود فضولية ، كتبت بعض الردود على مواضيع منشورة لبعض الأصدقاء ، وأدليت برأيي في مواضيع الساعة ، لكن الحاسبة الحبيبة توقفت ، وأظلمت و لم تستجب لنداءاتي الكثيرة ، بأن تمنحني وقتا قصيرا للانتهاء من التعبير عن رأيي ، فكرت ان صديقتي الحاسبة تحتاج الى ما يغذيها ويطعمها ، التجأتُ الى الشاحنة التي ابتعتها قبل ليلتين ونهار واحد ، وضعت الشاحنة في مفتاح الكهرباء ، ولكن السيار سقط على الأرض وانغلقت حاسبتي ، ولم تعد تسمع ما أطلب منها ـ سارعت بإغلاقها ، وجربت ان اعثر على ما سبب العطب فيها ، جهاز التلفاز الذي يشارك الشاحنة في الحصول على المداد توقف هو الآخر ، سرعان ما أصاب مرض الشاحنة قلبي ، فشعرت انني مريضة هذا اليوم ، وانه من الخير لي ان انقذ نفسي الحزينة من فقدان أحبابها ، بان أذهب الى من اشتريت منه الشاحنة ، عله يجد سبب العلة ، ويخبرني بما يجب علي فعله ، وعلى الرغم من تلوث الشوارع فقد آليت على نفسي ألّا أعود الى منزلي الا ومعي الدواء الشافي لمرض الشاحنة العزيزة ، لم اجد من فتح محله في سوق الميثاق الا بعض الأشخاص القليلين ، لم اجد المحل الذي اشتريت منه شاحنتي قد فتح بعد ، فقررت ان أسارع الى الذهاب الى المحل حالما يحل علينا العصر ، مررت بأسواق التفاحة ، واشتريت بعض ما يحتاج المنزل من أشياء ، وانا أهيء نفسي للخروج مرة أخرى ، سمعت دقا على الباب : ـ من ؟
ـ انا جارتك !
ـ قربنا اناس يوزعون الرز والقيمة ، هل تذهبين معي ؟
هيأت نفسي ، ونزلتُ السلم الخشبي ، وذهبنا معا الى البيت الذي طبخ هذا اليوم ، لم اجدهم قد انتهوا من الطبخ ، سألتهم : ـ هل توزعون الرز والقيمة بعد ساعة ؟
ـ نعم ، احضري بعد اقل من ساعة..
عدت الى المنزل حيث لا تلفاز ولا انترنت هذا اليوم ، شعرت بتعب شديد وضيق بالتنفس ، والحرارة تأتي أحيانا وتذهب ، لتحل محلها برودة شديدة ، ارتديت المعطف ، فسال العرق مدرارا ، فخلعته ، صنعت كأسا من الشاي ، وانا أشرع بشربه ، سمعت جارتي تنادي :
ـ هيا بسرعة ، انهم يوزعون !
اسرعت بأخذ القدرين معي وذهبت الى المنزل الذي يوزع ما تم طبخه ، رأيت الجارة بيدها قدرها ، قالت :
ـ انتهت القيمة ، خذي بدلا عنها مرقة الطرشانة ..
دخلت المنزل ، وصبت المرأة لي ما كانت توزعه ، فعدت الى
منزلي وانا حزينة ، لاضطراري الى مفارقة الحاسبة التي كنت أبثها لوعتي وأنواعا من حرماني الطويل ..
حاولت أن أنام على فراشي ، لأحظى ببعض الراحة ، ولكن فكرة جميلة ، الحت علي أن أقوم بتنفيذها على الفور ..
ذهبت الى محل الادوات الكهربائية الصغيرة ، الذي يقع بجانب منزلي ، واشتريت ما يمكن للشاحنة ان تشتغل من جديد ، ووجدت ان رأيي كان صائبا ، فقد اشتغلت الشاحنة ، واستطعت ان أفتح حاسبتي العزيزة ، وان أبثها شكواي التي تتكرر كل يوم ، انني وحيدة ، وليس معي من يسمعني باستمرار الا الحاسبة الحبيبة !
بعد ان كتبتُ ما عنَّ لي من مشاعر وأفكار ، وجدت ان التعب قد زال عني ، أحقا ان اكثر متاعبنا أسبابها نفسية ، وان اعظم ما يعترضنا من عقبات يعود الى مشاعرنا التي لا تجد منفذا لإشباعها ؟
وضعت الملح والفلفل الأسود على السمك ، الذي سوف أقوم بقليه حين يحل موعد الغداء ، كثير من السمك اشتريته من الأسواق الكائنة قرب جسر الشهداء امام مؤسسة التقاعد ، وكانت الوجبة التي اشتريتها كثيرة " الاشواك " سوف أحرص في المرة القادمة ، على اختيار انواع من الأسماك تقل بها " الأشواك" ، لنهنأ بتناول وجبة لذيذة من طعام شهي ومفيد .. الهدوء يحيطني .. لم يحل وقت تناول الطعام , ولم يعد زوجي من العمل بعد .

(74)

جمال النفوس التي أقابلها تشي بحب عظيم لبغداد , هذه المدينة الرائعة، على الرغم من الخراب الذي خلفته العهود المتتابعة ، فان جميع المحاولات تخيب امام اصرار شعب يحب الحياة ، ويناضل من اجل التغيير، جارتي ام سامر تحاول ان تنقذ شارعنا من المياه الآسنة ، فتحولها الى البالوعات ، فاستطاعت ان تحول الشارع المنكوب بفعل توقف المياه الى آخر يسر الناظرين، وبعد ان انهت مهمتها بنجاح يستحق الاعجاب ، تهيأت للذهاب الى عملها ،يشاركون في كل شيء، والعمل الوظيفي لا يمنعهم من المساهمة في المهمات التي يحتاجها
سكان هذا الشارع الذي اراه متآلفا ،كل ساكنيه يحبون بعضهم بعضا ..
لم أذهب الى عملي مبكرة ، ودوامي يبدأ في الثانية عشرة .. اصطحبني زوجي ، خرجنا في العاشرة من المنزل ، وواصلنا السير الى الصليخ ، كانت بعض الأزقة آسنة بسبب تجمع المياه ، عبرناها معا ، واستطعنا ان نصل الى سيارات الباب الشرقي ، سار السائق وسط الزحام ، الذي لم يمكنه من الوصول الى المكان الذي نريد من ساحة الطيران ، فواصلنا السير الى الساحة ، واشترينا الداطلي في الطريق وكان لذيذا جدا .. ركبنا سيارات الكرادة داخل ، نزل زوجي عند ساحة الأندلس وواصلت انا الى مستشفى الراهبات ، ومن هناك تمشيت الى عملي ..
العمل لم يكن مجهدا كما هي العادة كل يوم ، وقللت من شرب الشاي اثناء التصحيح ، لأنني وجدت ان الشاي المحلى يساهم في زيادة الوزن ، وانا ارغب في التخلص من بعض الكيلو غرامات التي جاءتني من كثرة تناول الحلويات ..
جاءني زوجي في الساعة الثالثة والنصف ، ولم أشأ الخروج ، لأن ساعة الانصراف لم تحن بعد ، في الرابعة .. جرينا من الجريدة ، وتمشينا الى نادي العلوية ، لرغبتنا في حضور احدى المحاضرات المهمة هناك ..
في الخامسة دخلنا الى قاعة المحاضرات ، لم يكن الحضور كبيرا ، بعض الكتاب المتابعين ، وكانت جلسة هذا اليوم عن الشاعر المعروف عمر الخيام ، الذي اتهم بأمور كثيرة هو بريء منها ، بعد الانتهاء من المحاضرة استمعنا الى مداخلات مهمة من قبل بعض المتداخلين .. ربطت الأديبة سافرة جميل حافظ بين القدرة غلى التعبير التي امتلكها الشاعر عمر الخيام في ذلك الوقت ، وبين الحرية التي كان يتمتع بها الناس ، وأضافت ان الحرية في التعبير عن الرأي يمكن ان تنتج لنا روائع الكتابات ..
بعد الانتهاء من الجلسة خرج أغلب الحاضرين من النادي ، وبقيت مع زوجي ننتظر قدوم أبي اثير الذي وعدنا انه سيأتي ، وحين جاء ، رغب هو وطه ان يسهرا معا ، فعدت مع زوجي الى المنزل ، تناولنا طعام العشاء وجلسنا نشاهد قناة البغدادية ، لم استطع الكتابة ذلك المساء ، وفي الصباح انطفأت الكهرباء ، وغابت المولدة التي تأتينا ما بين العاشرة صباحا وحتى الثانية عشرة مساء .
في احدى القنوات الفضائية تحدث احد الفنانين عن ايام بغداد الجميلة ، وعن رغبة بعض الاقلام التحدث عن الجانب المظلم من حياة بعداد ، التي تتوفر على ميادين كثيرة رائعة وتسر الناس ، ويجدر بمن يتحدث عن بغداد الجميلة الا يقتصر حديثه على السلبيات ، وانما يجب ذكر الايجابيات وهي كثيرة ، معارض فنية ، مهرجانات ثقافية ، مسابقات شعرية وقصصية ، بحوث مستفيضة تدعو الى الثقة بقدرة شعبنا على التغيير ، موسيقى جميلة وعزف رائع ، وحياة يمكن ان تكون أخاذة لو احسن الناس اختيار طرق النضال ، التي يمكن ان تسير بهم الى دنيا سعيدة ، يخف بها الظلم وتنعدم السرقات ، ويحيا المواطنون بمحبة ، يستطيعون معها تحويل العراق الى جنة من الجمال ..



××××××××××××××××××××××

ساعات من النشاط والعمل تمر بي هذه الأيام ، جميلة هذه الساعات التي أقضيها في الجريدة مع حروف المحبة ، التي تجعل الجميع يعيشون بحب وتألف ، اقوم بتصحيح الكلمات بعشق لا منتاه ، وتمر بي الساعات هنية ، كل يوم أبدأ العمل في الساعة الثانية عشرة وانتهي في الرابعة ، والأوراق تأتيني مرحبة هاشة وانا بشوق الى ترحيبها.
صفحات خاصة عن كبار المبدعين في بلاد الرافدين ، صححت الأوراق التي تحدث كاتبوها عن القاص محمود عبد الوهاب ، سيرة عاطرة لأديب يمضي بعيدا وقد توفاه الله ، صفحات ثقافية كثيرة ، اتم قراءتها هناك ، وحين اعود الى المنزل ، أكون قد قرأتُ الجريدة أغلبها .. في الصباح ابحث عن مركز للأنترنت علني استطيع ان استنسخ الرسائل التي تبادلتها مع وزير الاسكان بشأن الشقة التي دفعت مقدمتها عام 1978 ولكنها كما يبدو قد ضاعت مني ، وكلفتني الكثير من النقود التي صرفتها للمحكمة والمحامي والطريق الموصل الى قاعة محكمة الاستئناف الى البياع ، شرحت أمري لوزير الاسكان وأخبرته انني دفعت مقدمة الشقة ، حين كنت أرجو ان اقضي عمري في العراق الحبيب ، ولكن شاءت الأيام ان تخيب آمالي البسيطة ، في العيش على ارضنا الطيبة ، فتغربت ونفيت في بلاد الله الواسعة ، اركض الى المكان الذي يمكن ان يعينني على الحصول على ثمن لقمة مغمسة بالنضال من اجل حياة افضل .. اجابني الوزير انه يجب ان اذهب الى وزارته ، واقدم العقد الذي يثبت ملكيتي للشقة .. عسى ان يستجيبوا لطلبي ، ويعيدوا لي الشقة التي لا أملك سواها في وطني ، وحين عدت من العمل بسيارة اجرة نقلتنا من مقر الجريدة الى شارع الكنيسة ، يممت وجهي الى انترنت سما بغداد ، واستخرجت بريدي في الهوتميل وطلبت ان يستنسخوا لي الرسائل التي تبادلتها مع السيد الوزير ، علي ان أستنسخ قرار لجنة التحقق في مجلس الوزراء ، والذي ينص على اعادتي الى العمل ، واعتباري مفصولة سياسية ، كما انه علي ان استنسخ قرار اعدام جدي والمستمسكات الاربعة التي لا يمكن لأي عمل أن يتم بدونها.. الجلسة في اتحاد الأدباء يوم السبت الماضي كانت جميلة جدا ، ضيف نادي السرد الشاعرة العراقية المغتربة بلقيس وكان الحضور كثيفا ، وتحدث الكثيرون عن ابداع الشاعرة وعن روايتها الجديدة ،ونشاطها الكبير في منظمات المجتمع المدني وهي تسعى لحياة افضل ، كنت اتمنى ان اكون مع الحاضرين ، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه..
انقطع التيار الكهربائي بعض الوقت ثم عاد أخيرا ، فاستعنت به لإشغال حاسبتي والكتابة ، وسوف اخرج بعد قليل ابحث عن محل لاستنساخ الأوراق وعن خياط يصلح السروال ،الذي لم يعد صالحا لي بعد ان زاد وزني قليلا ..
اشتقت الى علياء والى احاديثها العذبة وصحبتها الجميلة ، اعتدنا ان نتواصل كل يوم عن طريق النت او الهاتف ، ولكني انشغلت في الأيام الماضية ، ولم أستطع تحقيق رغبتي في سماع صوتها ومعرفة اخبارها ، كانت تتمنى ان يرزقها الله بمولود يضفي على حياتها السعادة وينقذها من شعورها بالحرمان على الرغم من اقترانها بمحمود وسعادتها معه .. اتصلت بها ، فلم أحظ بالجواب ، كان الهاتف يرن ، دون سماع من يجيب عن دقاته المتوالية ، سارعت الى بيتها ، ودققت الباب ، فتحت لي خالدة احدى بنات صديقتها :
ـ مرحبا خالتي ، تفضلي ، كلنا هنا!
ـ كلكم ؟ من هنا ؟
صديقات علياء اللاتي يحببنها كثيرا!
ـ كلكن الا انا؟
ـ احببنا الاتصال بك ، ولكننا نعرف انك مشغولة هذه الأيام كثيرا!
ـ ما الذي حدث؟
ـ تعبت علياء من الحمل الجديد .
ـ بشرى سارة ، هل تحقق حلمها أخيرا؟
ـ نعم ، ولكن نتيجة لإجهاضها السابق تعرضت لمتاعب كثيرة. ـ اعرف متاعبها.. فهي ضعيفة الجسم ، قوية الروح ..
ـ اوصاها الطبيب ألا ترهق نفسها ، وان تظل نائمة في فراشها لتحافظ على جنينها. والأعمال المنزلية لا تنتظر التريث ، لهذا جئنا من اجل مساعدتها !
ـ كيف تساعدنها ؟
ـ نقوم بكل أعمال المنزل ، انا اغسل الأرضية ، وسهام تغسل الملابس ورجاء تطبخ الطعام ..
ـ هل تعبت علياء الى هذا الحد ؟
ـ نعم ، لكنها لاتزال مبتسمة كالعهد بها !
انضم للصديقات واجد لي ما اقوم به من مهام لمساعدة الصديقة التي اسعد بصداقتها ..

(75)

لم يرض احد من السواق ان ينقلني الى العلاوي ، حيث توجد وزارة الاعمار والاسكان ، احدهم طلب اثني عشر الفا من الدنانير ، وثاني قال انه لا يمكن ان يذهب الى هناك بسبب البعد ، وثالث ادعى انه لا يعرف اين تقع الوزارة التي اطلب الذهاب اليها ، ورابع أشرت له ولم يوافق على التوقف ، وخامس قال ان في العلاوي تكون الانفجارات كثيرة ، وهو يخشى على حياته ، فلم يزل شابا لم يستطع تكوين أسرة خاصة به ، والسادس وقف وطلب ثماني آلاف ، وحين طلبت ان يخفض الثمن قال :
ـ ألم اوصلك سابقا الى كراج العلاوي بثماني آلاف ؟
ركبت معه ، ووصلت الى باب الوزارة ، كان التفتيش دقيقا ،
اخذوا الهاتف والجنسية ، ودلوني على قسم القانونية ، قدمت لهم الأوراق التي تثبت ملكيتي لأحدى الشقق ، مع وثيقة تدل على اعتباري مفصولة سياسيا ، مع وثيقة أخرى تبين اعدام جدي ، مع الرسائل التي تبادلتها مع وزير الاعمار والاسكان ، شارحة له أمر الشقة ، فطلب مني ان أذهب الى قسم القانونية ، واقدم لهم ما يثبت حقي ، استلم الموظف المسؤول الوثائق مني ، وخرج من الغرفة قائلا :
ـ انتظري قليلا يا امي ..
انتظرت خمس دقائق ، جاءني موظف آخر ، وبيده أوراقي التي سبق وان قدمتها ، قال لي :
ـ ما مشكلتك ؟
ـ اريد الشقة التي وعدتني وزارة الاسكان ان تقدمها لي ! ـ هل سبق لك ان قدمت شكوى ضد وزارتنا في المحكمة ؟ ـ نعم ، تقدمت بشكوى لدى محكمة بداءة البياع ؟
ـ وماذا قال لك القاضي ؟
ـ قالوا لي لماذا لم اعد الى بلادي قبل عام 2003
ـ من كان مندوب وزارتنا ؟
ـ لا أدري ، نسيت ُ اسمه ، هل يحق لي تملك الشقة ؟ ـ لا أدري يا امي ، هذا الأمر يقرره القضاء ، ما دمت قد تقدمت بشكوى للمحكمة ، سوف ننتظر اسبوعا ، ونسأل القضاء ماذا يقررون ؟
ـ هل اراجعكم بعد أسبوع ؟
ـ نعم ، عودي الينا بعد اسبوع ..
خرجت من الوزارة ، وتوجهت الى عملي في شارع ابي نواس ، حيث كان العمل كثيرا ، والبرد قارسا ، لم استطع الاستمرار في التصحيح ، فطلبت من ادارة الجريدة ان توفر لغرفتنا مدفأة ، شعرت ببعض الدفء حين استعملنا التدفئة ..
في الرابعة مساء خرجنا من الجريدة وتوجهنا الى ساحة الطيران ، ومنها الى حي اور ، التي وصلناها بدون تعب كما في المرات السابقة ، اشترينا بعض الأشياء التي نحتاج اليها من الميثاق. جلست للكتابة صباح اليوم التالي ، ولم اكمل الجمل التي اردت كتابتها حتى انطلق الهاتف يرن بصوته العالي ، كان سالم يطلب مني الحضور مبكرا ، فتركت كل شيء ، وسارعت الى سيارة الأجرة ، واتصلت به ، لكني لم أتلق الرد على اتصالي ، فكتبت له رسالة :
انا انتظر الآن ، وسوف اغادر بعد قليل ، ان لم تأت. لم يأت سالم ، فاضطررت الى مغادرة المكان والذهاب الى الجريدة ، بعد اكثر من ساعتين اخذ الهاتف يرن .. في الرابعة جاء زوجي ، واتصل به طه يريد العودة الى المنزل ، ولكن بقاءنا في مقهى البغدادي طال ، لأنهم اخذوا يلعبون الطاولي ، وكل مرة يلتفتون الي :
ـ هل انت ضجرة ؟ نحن فرحون !
ـ خذي الجريدة واقرئي ..
خرجنا من المقهى ، واراد طه ان يشتري مدفأة ، تقيه من شدة الصقيع الذي نعاني منه ، وحين صحبناه لشراء ما يريد ، لم يجد النوع الذي يريده من المدافيء ، فاشترى بدلا عنه مصباحا منضديا .
ركبنا ثلاثتنا في سيارة الاجرة عائدين الى منزلنا ، كان البرد قاسيا ، سارعنا الى ايقاد المدفأة ، واردت فتح الحاسوب ، فوجدت ان الانترنت لا يعمل ، فاتضح لي انني يجب ان ادفع الاشتراك ، اتصل بي ستار الناصر :
ـ لم تعملي اعلانا لملتقى الخميس .
ـ من هو الضيف ؟
ـ لقد اخبرتك منذ الاثنين الماضي .
ـ اتصلت بمن يربط لي الانترنت ، وقلت له :
هل يمكن ان تعيد لي الانترنت ، وانا ادفع لك الثمن غدا ؟




***
جمعينا مع علياء نهنئها بتحقيق حلمها ، ونبارك لها قدوم المولود السعيد الذي تاقت نفسها لحضوره كثيرا ، لم تختر الاسم بعد ، وتحرص على الاختيار بعناية مع زوجها محمود ، الذي يشاركها الفرح بهذا اليوم الجميل ، كانت الولادة قيصرية صعبة ولكن النفس التي ابهجها تحقيق الأمل تحملت كل الصعاب ، وأسعدها ان يأتيها في السنين القليلة قبل الخمسين طفل جميل يبتسم للدنيا ويرحب بها ، قال الطبيب متعجبا :
ـ طفلك يستقبل العالم بترحيب..
ـ يعرف اننا نرحب بقدومه وبقينا ننتظر طلته بكل الحب. ـ سوف يكون رجلا شهما شجاعا ذا مروءة وعزة نفس..
ـ وكيف عرفت ؟
ابوه محمود يتمتع بهذه الخصال الجميلة..
ـ اعرف محمود فهو صديقي ، نحن الاثنين طبيبان .
ـ أدري ، كان يثني عليك معددا مناقبك..
ـ هل اخترتم اسما مناسبا للطفل؟ علما ان كل شخص له من اسمه نصيب..
ـ باسم ورؤوف وشجاع وليث وحيدر واحمد ، هذه أسماء جميلة لم نقرر أيا منها سوف نختار..
ـ ما رأيكم باسم ( أصيل )؟
ـ اسم جميل ، سوف نتفق انا ومحمود على اسم حبيبنا .
تتعالى زغاريد الصديقات وتستبد الفرحة بعلياء ولا تسعها الدنيا ، تبتسم مرحبة بكل العزيزات اللاتي بقين بجانبها ، يساعدنها في اجتياز الصعوبات ويقفن معها في تخفيف الأعباء المنزلية التي ترهق عادة الوالدة حديثا ، والتي اوصاها طبيبها بضرورة الابتعاد عن كل ما يتعب النفس ، وان تتفرغ للطفل السعيد القادم بعد انتظار ..
اوزع الحلويات على الحاضرين ، مشاركة صديقتي العزيزة فرحتها .

(76)

شعرت ببعض التوعك ، وآلمني كثيرا ان اقوم بكنس الصالة ، وسوف اقوم بعمل واحد كل يوم ، وعلى الرغم من ان الاعمال المنزلية سرعان ما تتراكم علي ، فان عملا واحدا يرهقني جدا ، اذ لا جدوى أو متعة من أشغال تتعب الجسد ولا تمتع الروح .. خرجت في الصباح ، اريد الذهاب الى اتحاد الأدباء ، كنت أظن ان الساعة الحادية عشرة صباحا سوف نجد فيها نشاطا ، مكثت قليلا في " بيتنا الثقافي " وسألت الأصدقاء هناك : ماذا يوجد في الاتحاد الساعة الحادية عشرة ؟
ـ لا شيء ، النشاط يبدأ الساعة الواحدة .
فضلت ان ابقَى في المقهى الجميل وان استعين بالحاسوب لقضاء الساعة والنصف ،التي بقيت على نشاط الساعة الواحدة ، لم يفتح معي الهوتميل ،رغم محاولاتي الكثيرة للدخول ، والاطلاع على درجات تقييم القصص المشاركة في مسابقة القصص القصيرة ، لكن الهوتميل أبى أن يستجيب لإرادتي ، فأعدت الحاسوب الى الادارة , وأخذت طريقي الى مكتبة الصحف للحصول على نسخة من جريدة المواطن ، حين وصل ستار الناصر : ـ اين تذهبين ؟
ـ أشتري جريدة ..
ـ ستحضر الآن امال ابراهيم ..
اشتريت الجريدة وعدت ، رأيت الباحثة الموسيقية آمال ابراهيم
، وبعد التعرف عليها :
ـ تشبيهين صديقة لي تعرفت عليها في الكويت .
ـ ما كان اسمها ؟
ـ نضال ، وقد درست في الاتحاد السوفياتي ، وتحمل جنسية
اليمن .
ـ انها اختي ..
ـ يا لغرابة هذا العالم ، تشبهينها كثيرا.
ـ نعم ، نحن شقيقتان .
جلسنا ثلاثتنا نتحدث عن العراق قديما وحديثا ، ، وحين حلت الساعة الثانية عشرة والنصف ، قال ستار الناصر :
ـ هيا بنا نذهب..
ذهبنا الى قاعة الجواهري ، لم نجد احدا هناك ، تحدثنا عن الجو والصحافة والغربة والعراق والحاسوب ، اخذت الصور لنا ، جاء صحفيان ، وجلسنا نتحدث عن امور كثيرة ، عن النظام السابق وعن عبد الكريم قاسم وعن التنكيل البشع الذي اتبعه النظام السابق مع مناوئيه ، وصل سالم الحميد واحمد الغانم ، سألني سالم :
ـ هل انتهى نشاط الملتقى ؟
ـ لم يبدأ بعد ..
قرر الجميع ان يؤجل الاحتفاء بالباحثة الموسيقية الى احد الخميسات القادمة ..


خرجت مع ابي فهد متوجهين الى مقهاي المفضل وحين وصلنا سألني احد الجالسين هناك :
ـ هل انتهيتم من تقييم القصص المشاركة في المسابقة ؟ ـ ليس بعد ،سوف ننتهي من اعلان النتائج خلال الأسبوع القادم. حدثني الشاب المشارك في المسابقة عن عمله :
ـ اعمل في بار ، واكتب الشعر ، ويعجبني الكاتب المغربي محمد شكري ، واعرف الناس الفقراء الذين يعيشون في قاع المدن ، متحملين الفقر والذل والفاقة والمرض ، يبيعون أجزاء من أجسادهم لقاء مبالغ زهيدة من المال ..
ـ انهم مواطنونا ، وعلينا ان نهتم بهم..
ـ لا تصدقي من يدعي الاهتمام بالفقراء هنا ، اكثرهم كاذبون ، يدعون بما ليس بهم ، ويتظاهرون بالتقدمية ومحاربة الظلم وهم الظالمون ..
أخرجت الشطائر التي حشوتها بلحم الدجاج في المنزل ، وتناولتها مع زوجي وشربنا الشاي ، وتحدثنا قليلا ، ثم تأهبنا للمغادرة..
لم يكن الازدحام كبيرا في ساحة الطيران ، ركبنا الى حي اور ، ونزلنا قرب "ملك الأسعار" واصلنا المسير حتى مركز الانترنت لسما بغداد ، سلمتهم ثمن الاشتراك ، وعدنا الى المنزل ، حيث سارعت الى ايقاد المدفأة الكهربائية ، ذهب زوجي لينام ، وبقيت انا اكتب..




(77)

موجة من الصقيع تجتاح العالم ، وبغداد تكبر معاناتها في هذا الجو القارس ، نشعر ان البرد يحيط بنا من كل جانب ، ويسلب منا الاحساس بالدفء والطمأنينة ، ومهما فعلنا فان البرد القاسي يطاردنا ، نشغل المدفأة طوال الليل ، والبرد مقيم بيننا يضايقنا ، نشرب السوائل الساخنة من البابونج والورد الماوي والشاي ،ولا فائدة ترجى ، فالبرد قائم بيننا ولا يحب مغادرتنا الى مكان آخر ، لم تكن هناك الكهرباء الوطنية حين استيقظت من النوم ، سخنت الماء وغليته على الطباخ الذي يكلفني غازه كثيرا ، ثم سخنت قطعا من الدجاج لطعام الغداء ، ووضعته داخل الصمون الذي فتحته، قبل ان أضعه في قسم التجميد ، وضعت الشطيرتين في غلاف من الالمنيوم ، اعطيت واحدة لزوجي ، والثانية وضعتها في حقيبتي اليدوية لتقيني من الجوع في الساعة الواحدة ظهرا ، حيث يتناول العاملون غداءهم .. اردت ان اشغل غسالة الملابس ، ولكن الوطنية لم تحضر مبكرا ، جاءت في التاسعة ، وضعت الملابس في الغسالة ، وحين نظفت شغلت التنشيف ، ونشرت الملابس المغسولة على الة النشر التي ساعدتني كثيرا، وأنقذتني من النزول الى الساحة السفلية الكائنة قرب باب المنزل ، اكملت غسل الملابس تقريبا ، وبقيت الوجبة الأخيرة في قسم التنشيف حين غابت الوطنية ، رأيت الملابس قد نشفت ، فأخرجتها لأنشرها على الة النشر ، تهيأت بعد ذلك للخروج من المنزل والذهاب الى ام بنين في صالونها ، فوجدت الصالون مغلقا ، وحينما كنت أتهيأ للمغادرة، اطلت ام بنين مع احدى النساء ممن لبت طلبها قبلي ..
خرجت من الصالون في الحادية عشرة والربع ، ولم يتبق لي الوقت الكافي للذهاب الى عملي بواسطة الكوستر ، فاستعنت بإحدى سيارات الأجرة ، اتصلت بي شقيقتي :
ـ هل انت بالمنزل الآن ؟
ـ انا في طريقي الى مقر العمل .
ـ حسن ، سوف اتصل بك بعد قليل .
وجدت زميلي بالعمل جالسا ، قال :
ـ كان العمل كثيرا ، انهكوني بالأوراق التي علي تصحيحها .
جلستُ قليلا ، فهطلت علي الأوراق الكثيرة والماكيتات ، شعرت ببرد شديد ، لم تخفف عنه كؤوس الشاي الساخن التي تناولتها ، وعلى الرغم من المدفأة الكهربائية التي طلبتها من مدير إدارة الجريدة ، فان البرد كان قاسيا .....
اتصلت بي شقيقتي كما وعدتني قبل قليل :
ـ عندي موعد مع الطبيبة يوم السادس عشر من هذا الشهر ،
وربما تكون الطرق مغلقة ، لهذا سوف اراجع الطبيبة بعد زيارة الأربعين ، وأريدك قربي بعد الزيارة بأيام ..
صححت الصفحة الثقافية وشؤون الطلبة والشباب وحياة الشعب وصفحة الرياضة ليوم الغد ، وحين حلت الساعة الرابعة بدأت بتصحيح الصفحة الثقافية لما بعد الغد ، خرجنا من الجريدة في الرابعة والنصف ..
ركبنا الى ساحة الطيران ، وكان الازدحام شديدا ، ولم تكن هناك سيارة تقلنا الى حي اور ، فركبنا سيارات الشعب. ولما اقتربنا من منطقة التي نريد ، طلبنا النزول :
.
ـ لم يسمع السائق ما قلتما له ، اطلبوا النزول مرة أخرى. ـ في اول الشارع "نازل" ..
ـ هيا ، بسرعة ، انزلوا الآن .
ـ عليك ان تقف أولا !نزلنا في اول الشارع الذي تقع به مستوصف الشعب ، تمشينا قليلا ، واشترينا بعض الخضروات من الأسواق التي تقع مقابل سوق النداوي، وعدنا الى المنزل ،
أسرعت الى ايقاد المدفأة حالما وصلنا الى المنزل ، وضعت اللفت على الطباخ الكهربائي ، وجلست انتظر نضوجه.
انغام جميلة تنبعث من احدى القنوات الفضائية ، تساءلتُ :
ـ من اين هذه الأغنيات ؟
ـ من قناة الحرة عراق .
توقفت عن كل شيء ، وأسرعت للاستماع الى الألحان الجميلة ، والأصوات المغردة .

(78)

ذهبت على الموعد الذي ضربوه لي ، لم يكونوا قد حضروا بعد ، طلبوا مني الانتظار قليلا ، ولكن حين حضر احدهم تجمع المراجعون حوله ، قال لي :
ـ انتظري هنا .
وحين رأيت جميع المراجعين يحيطون بالمسؤول ، دخلت الى غرفته ، قال لي :
ـ نعم ؟
ـ عندي مراجعة هذا اليوم ، وقد أعطيتك الورقة التي أثبت بها الموعد .
ـ انزلي الى القسم المدني ..
نزلت الى هناك ، سألت الموظف المسؤول :
ـ ملفي عندكم ؟
ـ ما اسمك ؟
تدخلت احدى المراجعات ، التفت المسؤول اليها وتركني .
ـ انه دوري .
قال لي الموظف الآخر بالغرفة :
ـ لابأس امي ، سوف ارى ملفك ، هذا هو ، اذهبي الى القاعة.
ذهبت الى احد الأقسام :
ـ هل هذه هي القاعة ؟
ـ كلا ، هناك في قسم الوارد تكون القاعة.
أسرعت الى هناك : قالت لي احدى المراجعات :
ـ لقد نادوا على اسمك قبل لحظات!
سألت الموظف :
ـ هل ناديت على اسمي ؟
ـ كلا ، اجلسي هناك..
ـ لقد سمعنا اسمك قبل قليل ، ادخلي عليهم ..
رأيت ملفي قرب الموظف الذي انكر انهم نادوا على اسمي : ـ هذا ملفي !
ـ هيا اخرجي من هنا ، لا داعي للشغب ، سئمنا منكما ، ماذا نفعل لكم ؟
التفت قليلا ورأى ملفي ، كتب به بعض الكلمات ووقع ،ثم قال : ـ اصعدي الى عصام !
صعدت الى عصام ، وسألته :
ـ ملفي عندكم ؟
ـ لم يأت بعد ، انتظري هنا !
انتظرت اكثر من ثلاث ساعات ، ثم ذهبت الى عصام :
ـ ما الذي ينقص ملفي ؟
اخرج عصام ملفي ، وسجل منه بعض الملاحظات على ورقة بيضاء، تدخلت احدى المراجعات:
ـ يمة عصام ، أين ملفي ؟
ـ الا تدعونه يعمل ؟ كل مراجع له دور يتحدث به . المراجعات كثيرة ، وعصام ترك ملفي واخذ يعمل بملفات أخرى ، ويجيب عن أسئلة المراجعين الكثيرة ، ثم تناول اضبارتي وذهب بها الى مديرة التدقيق ، انتظرت ساعة أخرى ، ثم سألت عصام :
ـ ما الذي ينقص ملفي ؟
ـ انه عند المديرة ، تعالي غدا .
اسرعت الى احدى سيارات الأجرة ، التي نقلتني الى الجريدة ، الازدحام كان كثيرا ، فتأخرت عن الوصول الى عملي ، تراكمت الأوراق علي حين وصلت ، الصفحة الثقافية وصفحة المرأة وحياة الشعب ، ثم جلبوا صفحة أصوات والصفحة الرياضية ، ووجدت الوقت قد ادركني ، فخرجت من الجريدة في الرابعة والنصف ، وأنا اقول للزملاء :
ـ سأترك لكم اصوات والصفحة الرياضية .
ـ لابأس ، يمكن ان تذهبي بالسلامة .
وجدنا الازدحام شديدا على سيارات اور ، والمنادي يصيح :
ـ " الشعب ، الشعب " ..
ركبنا الكوستر الذي سينقلنا الى الشعب ، حيث الظلمة الشديدة والمياه الآسنة ، سرنا تحت الظلام المخيم ، واشترينا بعض الخضر .
في الصباح اسرعت الى مغادرة المنزل ، علني احصل على هوية المتقاعد ، لكن انتظاري طال ، ولم اعمل شيئا ، وحين حلت الساعة الثانية عشرة ، اسرعت الى مغادرة بناية " التقاعد " متوجهة الى الجريدة ..

(79)

أصيل يبتسم بفرح ، يرحب بالحاضرين ويعرف من يحبه ، علياء تغيب قليلا، فأحمله انا وأداعبه لكنه ما ان يرى امه مقبلة ، حتى يرمي نفسه الى حضنها ، يستجيب لما نقول ويفهم الكلام ، ولا أدري لم ادعى بعضهم ان الأطفال لا يفقهون شيئا ، وفي الحقيقة ان الطفل يفهم بدقة .. يعرف امه منذ الشهر الأول ، ساعدت علياء بالاعتناء بوليدها ، وعلى الرغم من ان اولادي قد أصبحوا كبارا ، الا انني ما زلت اراهم صغارا ، اشتاق الى رؤيتهم ويسرني ان التقي بهم ، نضحك ونتذكر الأيام الصعبة التي قضيناها ، ونرنو الى بعض اللحظات التي كانت مبعث سرور لنا ...
محمود يحتاج لعلياء في عيادته ، ولا يستطيع ان يترك المراجعين دون ان تمتد عناية علياء اليهم ، تسجل معاناتهم وتاريخ متاعبهم وأسماء من في عوائلهم يحمل نفس المرض ، وما الذي يشجيهم ويؤلمهم ، وانا احب ان يكون أصيل معي ، لهذا غيرت عملي في الجريدة ، وجعلته من الساعة الثامنة صباحا الى الواحدة بعد الظهر، وحين أعود الى منزلي واتناول طعام الغداء وارتاح بعض الوقت ، تكون علياء قد اعدت نفسها للخروج ، فتأتيني بحبيبي الجميل الوسيم وتتركه معي ، لتعود في الساعة التاسعة مساء ، وتصحب الحبيب الصغير معها الى منزلهما المشترك .. تعودت على صحبة الطفل الصغير ، الذي استطاع ببراءته ان يضيف على حياتي المتعبة بعض الجمال والبهاء ، وينقذ نفسي المتوترة غالبا مما يعلق بها من متاعب ، لا نجد ما يذللها .

×××××××××××××××××××××

اليوم انتهت معاملة التقاعد ، لم أستلم المبلغ الذي كنت أتوقع ان أستلمه ، بسرعة أخرجت لي هوية التقاعد ، واعطوني رواتب الستة شهور الماضية ، سألت الموظف المسؤول عن احتساب قيمة الراتب التقاعدي :
ـ هل يكون راتب التقاعد ثمانين بالمائة من أخر راتب ؟ ـ كلا ، الراتب التقاعدي يكون ثمانين بالمائة من حاصل قسمة مجموع الرواتب الاسمية لخمس سنين على خمسة ..
رأيت شابة تريد ان تتقاعد عن العمل ، سألتها :
ـ لماذا ؟ وانت ما زلت صغيرة ؟ وأمامك العمر طويلا ؟
ـ لأنني مريضة ..
ـ ما مرضك ؟
ـ تعب بالمفاصل ، يسبب لي ألما كبيرا ، يصعب علي السير طويلا ، ارجوك خالتي تعالي معي ، حين تقومين بالإجراءات القادمة .
ـ لابأس حبيبتي ، سأرافقك ..
لم يعط لمرافقتي الراتب الذي كانت تريده ، فذهبت اليهم مستنكرة ، مما جعلني اذهب الى الموظفة الصغيرة التي ستقوم بإخراج البطاقة الذكية لي ، سلمتها الجنسية وهوية التقاعد وبطاقة السكن ، لكنها اعادت لي الوثائق ، قائلة :
ـ اصابعك لم تخرج الكترونيا ، من الأفضل لك ان تستلمي راتبك في المصرف .
ـ يمكن ان اتي مرة أخرى ؟
ـ لا يمكن .
تذكرت السنة الماضية حين اردت ان اخرج البطاقة الذكية لمنحة الأدباء ، ولم تخرج لي رغم المحاولات الكثيرة في البداية ، لكن الموظفة في المصرف وضعت على اصابعي الكريمات والعطور ، حتى رضيت أصابعي ان تبين اختامها ، وحين اردت الحصول على المنحة من مكتب الصرف في البنوك ، لم تشأ اصابعي ان تستجيب لهم ، فقال لي الصراف : ـ تعالي مرة أخرى ، حيت تكونين مرتاحة .
وذهبت اليهم في اليوم التالي ، فاستلمت المنحة.
خرجت من بناية التقاعد ، وكنت آمل ان اسير الى تمثال الرصافي ، لاستقل الحافلة الى ساحة النصر ، ولكن سؤال جارتي صاحبة المنزل لي في الصباح حين رأتني أتأهب للخروج من المنزل :
ـ اليوم يأتي مصلح انابيب المياه ، متى تعودين ؟حين انتهي من المراجعات ، ويمكن ان اصل في الثالثة .
ـ لكن اليوم هو الخميس ، ولا يوجد دوام للساعة الثالثة . انها تظن ان سياراتي تحت تصرفي ، ويمكن ان اعود الى المنزل في الوقت الذي أشاء ، وكلامها ذاك جعلني استقل سيارة الأجرة الصغيرة للذهاب الى " بيتنا الثقافي " وحين لم اجد أحدا من مسؤولي اللجنة الثقافية هناك ، قلت لميثم :
- نتائج تقييم القصص المشاركة في مسابقة " بيتنا الثقافي " ظهرت ، وسوف آتي يوم السبت ، لأقدمها الى الادارة .. خرجت الى الشارع ، واستأجرت سيارة صغيرة ، لتنقلني الى منزلي ، مررت بطريق العودة على أسواق التفاحة ، اعطاني صاحب السوق القيمة المثلجة ، ذهبت الى بائع الخضروات والفواكه....
لم اجد المصلح الذي يريد ان يصلح أنابيب المياه ، فأسرعت الى اخذ حمام ساخن ، يطرد البرد المقيم في قلبي وضلوعي، من شدة التجمد الذي حل بمدينتنا بغداد في الأيام القليلة الماضية ، يمكنني في القادم من الأيام ان أستغل اوقاتي في التمشي ورؤية نواحي بغداد الحبيبة ،وانا راكبة في سيارات النقل الكبيرة مثل الحافلة او الكوستر او الكية ..






(80)

في الجريدة منحونا عطلة طويلة تبدأ يوم السبت القادم وتنتهي يوم الأربعاء بعد زيارة الأربعين ، وأجد في نفسي شوقا كبيرا لزملائي في الجريدة ، اجد لديهم المعاملة الحسنة والخلق الرفيع..
جاء الآن مصلح الأنابيب ، وهو لا يدري من أين يصب الماء على الجيران ، ويفكر ان نغادر المنزل عدة أيام حتى يمكنه ان يصلح الخلل ، ، والى أين نذهب ؟ وماذا سنفعل تلك الأيام التي تنقطع عنا مياه الاسالة ، ومياه الخزان والمياه الساخنة التي تأتينا من السخان .. يبدو ان المصلح الذي أتى به جيراننا لهذا اليوم ، أفضل من المصلحين الذين كانوا يأتون لإصلاح عطب في المنزل ، سرعان ما نعرف انهم لم يصلحوا شيئا وتركوا الأمر اكثر سوءا مما كان عليه..
الآن الساعة الحادية عشرة مساء ، ولم تأت علياء ، اتصل بها هاتفيا ، ولا أتلقى الرد ، سوف احاول ان أذهب الى منزلها او العيادة التي اخرج لها الطبيب محمود مكانا من المنزل ، ليكون قريبا من مرضاه الذين يحتاجون الى العون باستمرار، تتصل بي الصديقة سميرة :
ـ ألم تسمعي بالخبر المفجع ؟
ـ أي خبر ؟
ـ منطقة النور تتعرض الى هجوم بالسيارات المفخخة ؟
ـ يا ويلي ! انها منطقة علياء وزوجها !

ـ زوجها محمود كان المستهدف .
ـ لماذا؟
ـ لأن المهاجمين لا يريدون من يساعد الناس ويقف بجانبهم مخففا معاناتهم..
ـ والدكتور محمود كان معروفا بوقوفه مع الناس بكل أطيافهم ..
ـ المهاجمون رفعوا شعار( عليك بنفسك) وارسلوا رسالة تهديد للدكتور مطالبين فيها بعدم وقوفه مع الناس ، لأنهم برأيهم لا يستحقون من يدافع عنهم !
ـ وعلياء ؟ ماذا حل ّ بها؟
ـ ألم تسمعي اذاعة البي بي سي؟
ـ ماذا قالت؟
ـ ان مجموعة من المهاجمين تعرضت للدكتور المعروف
محمود لأنه لم يطع الأوامر بضرورة كف المساعدة عن
الناس !
ـ سوف اذهب لمعرفة أخبار صديقتي .
اسارع في الذهاب الى منطقة النور ، ألجمني المنظر ، منزل
الدكتور محمود وعيادته تلتهمها النيران .. ومجموعة من الناس تتلقى العزاء ..