طيف الذكرى شهادة في حق فقيدنا محمد بوزليم

إبراهيم الوراق
2016 / 2 / 24

خروجا على عادتي في تأملاتي الفلسفية التي خصصتها لدراسة ظاهرة هذا العقل بمنطق يكشف أسراره في قلب ذاته، (وسوف أعود إليها حين الانتهاء من هذه الشهادة.) ارتأيت أن أخصص هذه الحلقات لخبر فاجأني، وباغتني، فلم أدر معه كيف أدبر مكيدة موت تنتظر غفلتي، لكي تنقض علي بصولة أسد على فريسته الهاربة من فتوتي. خبر لا كالأخبار، لا يحمل إلي صدق القضية من كذبها، ولا يأتيني برواية قبلها بعض، ورفضها بعض، بل أتاني بما لم أستطع أن أرد دليله، وحجته، وبرهانه، وجاءني برسم كتب وشمه على صحيفة الفناء، لا نكاد نقرأ فيه سطرا حتى تلتبس علينا المعاني، فلا ندري كيف ستكتمل عندنا قصة رموزه، وإشاراته، ولا كيف ستأتينا نهاية ما يختزنه من بيانات، وشهادات. ولعلك لن نرى إلى اقتناص تلك العبرة سبيلا، إلا إذا كنا طُرَّحا على سرير من قش خشن، لا يؤانسنا عليه إلا ظلمة رأيناها بتلك العين التي ورثناها في دنيانا، ويراها غيرنا بعين حجبت عن الإبصار بها إلا في أخرانا.
أجل، خبر الموت، ليس كخبر الولادة، لأن الموت لا انتظار بعده لشيء يفرحك، أو يقرحك، لكننا في نبأ ولادتك، نتعلم بعض دروس الأمل الطافحة بالمنية، فننحني لومضة تهز الأغصان الناعمة، وترج الأشجار المهفهفة. فقضية الموت، لا نطيق نفيها، ولا إنكارها، بل لا نستطيع أن ننصب منابر الجدال حولها، فنخوض غمرة النقاش حول إمكانية الخلود على وجه هذه البسيطة المفرقة لجمعنا بأطماعها. لأن كل ما سار على وجه الأرض من كائن تدب فيه روح الوجود، لا يمشي بين غموض غيلها، إلا لكي يعود إلى ظلمة باطنها، ويؤوب إلى منطقة النسيان في رسوم الذاكرة البشرية. وما دامت هذه النتيجة حتمية في كل حركة نتأمل بها هذا الكون، فإن أكذوبة الحياة التي نعتكف على قراءة مجدها، وعزها، ما هي إلا لحظة ساحرة، وضحكة ساخرة، وكلاهما يقودنا إلى نقيض رجائنا، ونبيذ شقائنا، لكي تستأثر هذه الأرض بجبروتها، وطغيانها. إنها حقيقة الوجود الذي نتدافع فيه على باب الموت بأمل وامق، ونتشاجر من أجل الفوز بسعادة السابق على اللاحق. تلك هي نهاية الحياة التي سخرت من بدنا، وكدنا، ولمزت صغيرنا، وكبيرنا، وهمزت حلمنا، ووهمنا، وكسرت دناننا، وأقداحنا. وإلا، فإن وادي الأماني، ما هو إلا مرتع للأحاجي، وبحرَ الأحلام، ما هو إلا مرفأ للأوهام.
بعد هذه المقدمة، أقول: قد طلب مني أصدقائي أن أكتب شهادة حول محمد بوزليم الذي فقدناه في ظروف غامضة، أذهلت كثير منا عن التصديق، والتحقيق، وأغرقت كثيرا منا في يم السؤل، والجدل، حتى صرنا من شدة السُّلو لم نصدق هذا الخبر، أو لم نستطع أن نتقبله، ولا أن نسمعه. بل كان خبر وفاته طعنة نجلاء في خاصرة ذاكرة مترعة بالحكايات العجيبة، والقصص الغريبة، ولوعة لم نجد معها إلا دموعا مدرارة سكبنا على حطيم الذكرى، ونحن نستجدي بها معين الشكوى، وندفع بها عظيم البلوى. ولهذا، لم أستسغ في لحظتي أن أنقل ما كتبته عن علاقتي بمحمد بوزليم، وما دونته في سيرتي الذاتية "ابن الفقيه"، أو ما خصصته للحديث عن جيل التيه فيما أسميته "غضب النسور"، بل سأكتفي بهذه الشهادة التي أعتبرها انطباعا يستحق التدوين، ويستوجب التبيين، لأنها نابعة من شخص عرف محمد بوزليم معرفته لذاته، وعاشره في كثير من دروب حياته، بدءا من دراسته الثانوية، وانتهاء بسفرته الأخيرة إلى لندن.
إن خبر وفاة صديقي محمد بوزليم، قد أعادني إلى ذكريات جميلة، كانت أمنيتها أن نكرر حكايتها في أزمنة سعيدة، وننفض ما في جرابها من أسرار روايتها، وأزلام كنايتها، لعلنا ننفخ في الحاضر تلك الروح الزافرة بالألم، والجارفة بالندم، وهي تخب على جمر نار موقدة بالورم، وتعدو إلى محبس ممتلئ بالعدم، وكأنها في حردها ما خلقت إلا لتسلعها أنياب العناء، والشقاء. تلك الروح التي انطوت على معجم مليء بالمفردات، والتوت على حقيقة ودعناها في جؤنة عطر صديقنا إلى الأبدية الحقة الآيات. أجل، قد تقول: لم الألم، وفي الزمن متسع لولادة الأقران.؟ كلا، لو قلت ذلك يا من ساوى بين المراتب في البريات، فأنت مصيب في رأيك الذي تعرد بصدقه بين الجماعات، لأنك قرأت اللوحة بعد أن كتبها زمن غيرك، وحفظها من وعاها من سلفك. فعمق الجرح في الفؤاد المتصبب بدم الأحزان في سبيل تحقق الأمنيات، لا يدركه إلا من رأى في كل مخلوق سرا، لا يُوازى في نظائره إلا بمن كان محلا له بين أزل الكلمات. فصديقي، لم يكن مدحي له مداجاة في يوم شذا بين غصنه عصفور بأجود الأغنيات، بل كان مدحي له عربونا على ثقتي بنله بين الملمات. فلو لم يكن كذلك في سالف الذكريات، لما التحم القصدان بين موارد الحكايات.
قد يحكى عن فلان وعلان أشياء محمودة، أو مذمومة، وقد تكون محل تصديق، أو تكذيب، وقد تكون مستساغة الهدف، والنتيجة، وقد تكون غير ذلك، لأن الحكاية صاغت جزءا كبيرا من حركة عقولنا، وبناء أفكارنا. ولذا لن نستنكف عنها ولو في عز الحضارة التي تغرِّبنا عن قيمنا، ومثلنا، ولن نتخلى عنها ولو كان ما نراه في مرآتنا سوادا قاتما، أو ما نحس به حزنا أليما، لا لكوننا نريد أن نصوغ منها قراراتنا التي نؤسس بها للحاضر، والمستقبل، بل لكونها مادة لا نستغني عنها في وضع وجودنا المترع بفواجع المطالع. ومن هنا، فإن الحكاية لها منزع في خزان علومنا، ومعارفنا، ومشرب لكثير من قناعاتنا، وآرائنا. إذ لو لم يكن في جوننا فراغ مستعد لقبول كل ما نسمعه من أخبار مجردة عن أدلتها المكبوتة بين أعماق سهومنا، لما تشبثت الحكاية بحيزها في ذواتنا المتحركة بين عتمة الأحداث القاهرة لإرادتنا. فلا عجب إذا حكي ما يحكي من أشياء نرفض كثيرا منها، ونقبل قليلا فيها، لأننا لم نصدقها إلا لكوننا في زمن متفجر بمواسم الحكاية الأثيمة. فلو لم يكن بؤس المناكب ثرا بما يقال من أقوال تتفاوت حدة دركها بيننا، لخلقنا لها مصانع تصنع جديدها لمن له دهاء ابتزازنا، واستغلالنا. لأن ما تخلف من رصيدها فينا، لن نتجاوزه في تفسير كل حقيقة تبدو لنا. وإذا تجاوزنا هذا الحد في صياغتنا، وحاولنا أن نشكك فيما يروى لنا، فإنه لا محالة، سيكون تجار لؤمها أعداء لقصدنا. فلا عجب إذن أن تجد الحكاية مكانا لها في كل تفاصيل ودقائق حياتنا، لأنها أصل ينبني عليه كل فرع في رشدنا، ووجهتنا، لكن فضل الحكاية في رؤيتنا، لا يأتي من تقديسها، بل في اقتحام لغتها، وإشاراتها، ورموزها، والإيغال في أمداء أرضها، وأفقها، وفضائها. وإذ ذاك سندرك اليقين فيما بين يديك من قُبضة الحقيقة التي نرتقي إليها. وهنا، تكمن عورة الأحكام التي ذلها الإنسان حين يكتفي بنهاية الأقوال في مهيع أخذها، لا ببدايتها التي يكمن وراءها سر لا يستغنى عنه في تحصيل معناها. فلو اقتحمنا محيط صديقي، لأيقنت بأنني ما مدحته إلا حين مدحه سره عندي. وهكذا يمدح الأفذاذ في لحظة فوات نورهم بين الأرجاء، وزوال عينهم بين الأعباء، لا لكوننا عبيدا لما رسموه من انطباع لا يظهر إلا في فقدهم بيننا، بل لكونهم تركوا تاريخا حفر رسمه في عمقنا. فتعال نلج إلى عمق ما فقدته في صديقي من حاجات عظيمة، لن أنالها فيما تبقي من قصص تحكى على هذا المرتفع الشاهق، وهي في انخفاض إحساسي بها، لا تثير ما طالعنا به الأمس من عواطف جميلة، وتصورات صريحة، وتعابير دقيقة. ومن هنا، لا يعنيني أن أصوغ العبارة المسترسلة رغبة في تحقيق تلك الصورة التي أهال القدر عليها تراب العزاء، بل قراءتي ستكون شهادة صديق لصديقه، ورفيقه، ودلالة على أثر لم أكن فيه مجرد سامع نهم بالحكاية، بل كنت مسهما فيها بسهم وافر، لا يكاد أحد يتذكر مغامراته، ومشاكساته، إلا واستحضر ما شاركته فيها من أحداث تميزت بالعنفوان في لحظة هائجة، وبالكمون في لحظة فاترة. ودعني من علة هذا الأثر، وأسبابه، وظروفه، وكيف نسج تلك العلاقة التي لم يفرقها إلا الحلم الهارب، ولنقف جميعا عند هذه المحطة، لعلي أقول لك: إنني لم أكن إلا شاهدا على حقائق جُلى، رأيتها بعيني، وشاهدتها، وخبرتها، ولم أكتف فيها بالسماع كما حدث لكثير ممن نفروا عن سؤر تلك القضية، وزعموا أنهم كلفوا بمهمة حماية دير العلم، والمعرفة، أو ممن كرهوا تلك الحقيقة، وباءوا بخزي المؤامرة، والدسيسة، أو ممن خاضوا في شرف الأعراض، والذمم، فاتهموا ما تطبعه رقة المشاعر بالخيانة، فكانوا أبعد عن درك ذلك السحر الباهر في تعدد الألوان، والمطالع. ولذا، كان أكثر ما يهمني في أوائل ما كتبت عن علاقتنا، هو ذلك الخوض في مسائل متعددة، كان كل واحد منا يبدي فيها رأيه، ونظره، ولو اختلف الطريقان في الملاحظة، والتجربة، والخبرة، لكن ما يهمني اليوم بعد فقدانه، هو أن أكشف النقاب عن تلك العواطف الإنسانية التي تغلغلت في أعماقنا، وأزيل الحجاب عن تلك المعاني التي طوت أحاسيس مكظومة في ذواتنا، لكي أفي ببعض الواجب تجاه أسرته التي آلمني فقدانها لبهجة عينها، بل تجاه أصدقائه، وزملائه، وكل من عرفه من غيرنا.
في قرية منبطحة على جذر بحر متلاطم موجه، تعارفنا، وتآلفنا، وانسجم الوهمان، والتحم الحلمان، ثم انطلقا بين الدروب المكتظة بالهواجس، والمخاوف، والمراعي، ومرت سنون، وانتهت الدوائر إلى التوائها على سرها، وانطوائها على سجال لم يكتسب دليله في منتجات انجرفت نحو النيات المتباينة. والأدهى أنه خلق لي أنيسا في عالم ضجرت من فتح باب من أبوابه، ووجدتُ له مرفأ يؤوب إليه بأنفاس ثكلى، يزفرها ألما على أمة فقدت بوصلة السير، وغدت من شدة المؤامرة مأخوذة بناصيتها إلى جرن الفناء. هكذا خلق بعضنا لبعض في صورة شربت حميا العشق في صريح عبارة الصداقة. وهكذا نفث الصدران شهيقهما بين الوديان بلغة مضرجة بسماحة نفس ازدانت بآلام الحزن، والضجر، والصخب. وهكذا كان صديقي المعتدل، والمتشط، والمتحامل. فمنذ أن تعارفنا، وتواعدنا، ولو حدثت منا هفوات، وهنات، لم يكن صدره إلا وعاء لمشروع لم يجد له سبيلا بين الديار التي نطق فيها السفيه بالغباء، ثم صدق خبره الأغبياء، وصار باقر المعنى بين دويرات نكبها اليتم، والثكل، ونقضها ألم الفراق، والبعاد. لم يدرك هذا المشروع كثير ممن يحكي السوء عن خيال الأفذاذ، أو يكسوا بمدائحه الأوغاد، لكنني أدركته، وأدركه معي صفوة عاشوا على ربوة سيدي بوزيد أسمى ما في مدينة أفلاطون من مثل رفيعة، ثم طاروا فرحا بإتمام المراد لكل من له مرام في الأزل الأوكد. أجل، قد أدركه غيري ممن يسجل وقائع البطولة بآماله، لا بذوق مذَّاق يستخذي نوال النبوغ بهوانه، ولا أخالني سأتهم أحدا في جودة ذوقه، ولا سأنال ممن يختار رأيا يناسبه في حلمه، لكنني، وإن لم أقر ما نبس ربيب في طور اليفاعة، فإني لم أرتبط بصديقي ارتباط عمر بعمر، أو فكر بفكر، لكي يكون ما أبديه جاريا على سنن ما عُرف، وعُلم، بل ارتبطنا ببعض أحلامنا الوردية في التآلف، وفي التنافر. فكان المركب مزجا لحقيقة أنتجت شيئا يسميه كل واحد بما يشاء، وسواء اندفع بإعجاب، أو بإغراب. فمن رأى الظاهرتين بعين تبحث في المعاني لا في المباني، فقد اعترف بإقراره، ويلزمه إظهاره، ومن رآهما بعين أخرى، فلا عليه إلا أن يجهر بكلماته عند انقضاء الأجرام المحترقة، ثم يختبئ وراء أسماله التي يلبسها على النيات المبيتة.
إنني أتذكر كثيرا من المواقف المتناقضة، والمتباينة، والمتواشجة، والمتعانقة، وأتذكر سبلا مرت عليها هذه العربة بخمائلها المجدلة، وكأنها لم تصنع إلا لتحبَل بما وجد في اللحظتين من ألغاز متفاوتة، وألفاظ متوائمة. لكن أين يكمن السر هنا.؟ لم تشأ الأقدار أن يكون خط اليوم كخط الأمس، ففي الليل تدبر أمور، وفي النهار تنتهي أمور. شيء متقابل، ومتفاعل، يحرك هذا الحدث في طريق نهايته، ويحرض على تحمل الصعاب المهلكة. فهل انتهى قبل وصل الحاضر بالماضي.؟ قد انتهى حين انفصلت العربة عن حصانها، وانبثت القضية عن برهانها، وانخرمت الأواصر بين التراجم المقروءة. وأنى لها أن تعود إلى المشي أبدا.؟ بل أنى لها أن تعود إلى الحجاج مرة أخرى.؟ بل أنى لها أن يكون الصوت ترجمانا على ما يربط بيننا من صلات وثيقة.؟ لم يكن ذلك ممضا لي، لأنني ما فقدت لغة الفرد في الشخص، وفي الموقف، بل ما ضاع من ترجمة المعاني المختزنة في الجؤار، هو مثار البكاء، ومعاد الشقاء. وحقا، لم أطق أن أحرر تلك الروح حين نهشتها يد غادرة، ولم أستطع أن أكون في يومي سامعا لأشجانها، وأوجاعها. فماذا أطيق اليوم.؟ قد يتملكني اليأس مما أكتبه في لحظتي، أو فيما يعِن لي أن أصل إليه في جولتي، لأني ولو أسبلت عيناي في الفضاء، باحثا عن تلك النجوم التي آنستنا على كثيب الأماني، فإني لن أصطفي من عقدها ما يعيدني إلى ذلك التعبير البِكر البيان، لأن ما أمحصه، أو ما أجليه، قد غدا بلا مذاق عندي. فلم المغامرة إذن، وقد فقدت تحفزي في عنف السخف الذي طال أوجاع حياتي.؟ أجل، في الأمس كنا نكتب الحقيقة على نَصَب السير نحو فردوس الحقيقة، وفي اليوم، تشربت القذى في عين اللدغ، والتجريح، وتوطنت كُنا لا شفيع لي فيه إلا الاغتراب، والتبريح، فماذا ينفع إن كتبت بخجل، وقد انزلق الحلم نحو مهواة سحيقة.؟
إن ما أكتبه، لن يكون جديدا في كتاباتي، ولا قديما في اعتباراتي، بل هناك خيط يربط بين الأمرين، فما كتبته، كان دليله هو السير بين المراحل، وكنت أنتظر أن يكتب ما فاتني من مراحله، ويقرأ ما لم يخض عناءه في مآثري، لكن بعد استواء الخط على السطور، وقع الفراق على مفترق الطرق، ثم حدث الوداع بكلمة التشييع، والرثاء. تلك المرحلة التي ليست بعدها مرحلة، ولا أدري ماذا سيحدث لمن تبقى منا، فإما أن يتخذ الخيال حقيقة، وإما أن يجعل التصريح تلويحا. فإن اخترنا أحد الطريقين، فإننا لم نشذب أغصان هذه اللغة، بل صنعنا في احتراق الجُون مدفئة نزيل بها حرارة اللاعج المتضرم بين نجود الثغور. فما أعسر ذلك.! فأصدقائي الذين حادثتهم بعد يومه، كانت الكلمة فيهم غصة، والصوت حشرجة، والبيان دمعة. وتالله، لم أدر لم شعرنا بالغربة بعد أن فقدنا كائنا تذوق آلام العقل، والفكر، والموقف، والرأي.؟ هل انتهى سبيلنا بالتشرد بين الديار، وصرنا نتوارى في عيشنا بين الأحجار.؟ أم ماذا حدث.؟ ربما خطأ لحن الشوق، أو ربما قصدا أعرب التوق، لكن ما يؤلمنا جميعا، أننا لا نقرأ رواية فيها حكاية غريبة، ولا ننظر إلى مرآة ترسم لنا الظل ببنان أمهرِ فنان، بل سطعت الحقيقة، وظهرت العقيدة، ولم يبق لنا من حجاب نتوقى به ألم الفقد لصديق سرقه الموت من بين أيدينا، ونهبه الفناء من أعيننا. فهل نطيق أن نحتج بدليل مفحم، أو ببرهان ملجم.؟ لا، غريب أننا نقع كثيرا في الاتهام، ونصد كثيرا من عشقنا بالإيهام، لئلا نداوي الجرح قبل استفحال ضرره، وانتشار شرره. تلك هي قضيتنا الكبرى، وعقدتنا المثلى. فلو استبطنا ما فينا، لما رفضنا حاضرنا، وعشقنا ماضينا. ربما قد يكون ما أكتبه عشقا لذلك الماضي، ورفضا للحاضر، لكن لو فعلت، فأين مضمون الوفاء لصك الصداقة.؟ هذا ظني في ذاتي، وظني في أصدقائي، فهم حين سمعوا الخبر، بكوا، وتألموا، وتحيروا، وكأن ما حدث، لم يخطر بالحسبان، ولم يمر بالوجدان. بل، عجيب أن مصيرنا جميعا مشترك، ولكننا ننساه، وإذا دهمتنا حقيقة، ولولنا، وأعولنا، وعدنا إلى الوراء، نساءل التاريخ، ونستجديه، لعله يمنحنا بعضا من الذكرى التي تزيل أورام الصدر المكروب. فلم ننسى بعضنا، وقد أذن مؤذن البعد بأن لا قرار لأحد فينا.؟ قد يكون منبع ذلك من نسيان الذوات في صراع الزمان، وقد يكون مهيع ذلك من سكوت الذوات عن النطق في المكان، لكن ما ينتابنا اليوم، قد جمعنا، ووحدنا، لا لكوننا قد نسينا الماضي، أو لكوننا نتذكره، أو لكوننا لم نتهم به في زمنه، أو في ربعه، بل لكوننا فقدنا فذا لا مخاض للأمهات في ولادة مثيله، وعديله. والعجب أننا لم نصدق وفاته، كما لم يصدق غيرنا ولادته، لأن ما نقوله في حقه، قد لا يقبله من شك في وجود الأفذاذ في وقته. بل ربما من شدة تألمنا بنهاية عينه، لم نتوسط في حكاية بينه، إذ ما حدث، لم يكن أمرا حقيرا في رحابه، بل كان كلمة أخيرة لقصة حياة كثرت فيها مناطق الألم، وضجت فيها موارد الرأي الأتم. فلا غرابة إذا كانت وفاته ضيقا في صبر، وعلة في فكر، لأن ما نتوسع به في العبارة من طرق الاشتقاق، لن يفيدنا في طي صورة الحزن الذي امتلك الأفئدة السليمة، والأرواح الجميلة، ولن يعيدنا إلا إلى لوم لا ندري من يستوجبه فينا. فهل هي الأرض التي لا تحترم أفذاذها.؟ أم هو الإنسان الذي لا يلتفت إلى تميز الذوات بما حشر من سر في أكبادها.؟ قد تكون الأرض التي تئد أبناءها، هي الغادرة، وقد يكون الإنسان الذي لا يعبأ بالنبوغ، هو الظالم. كلاهما عندي سواء. فالأرض، لم نندفع على حطيمها، إلا لكي نكون رفاتا بين طينها، وهكذا الإنسان الذي حارب غيره، وناشزه، وناجزه، لكي يصول بخصام جارح، ويلوذ بصراع قارح، وهو لا يريد إلا أن يحبس النظر عن رؤية الجبال الشامخة. لكن أنى لهم ذلك، وقد عرفت الضراوة فيما سموه هوادة.؟ أجل، لو لم يكن فذا في أعيننا، وعظيما في قلوبنا، فكيف يعرض عنه من رأى شموخه في التزمير، والتطبيل.؟ لو لم يكن فذا، ولا عظيما، لما وجدنا فيه كل خصائص النبوغ، والعبقرية. وذلك مما قد لا يطيق غيرنا أن ينبس به، ولا أن يهمس به، بل رأى الأفذاذ فيمن مُدح بزيف العبارة، ومين الرسالة. كلا، ليس الفذ من طبل المطبلون لتميزه بالعلامات، وتفوقه بالشارات، بل هو ذو النفس الوثابة، والروح الحرة التي تأبى الضيم، وترفض الظلم، وتقول بواجب الضمير: إن العالم لن يتغير، ما لم تتغير بناه الروحية، والمعرفية. أجل، فتميزه، ليس من قبيل ما استبد به أقوام رأوا في نبيذ الذل شرابا لذيذا، وفي نقيع الخبث عجلا حنيذا، بل تميزه في جسامة ما كتبته حياته من نظم انتدبها لنفسه بين لداته، وأقرانه، فلم يوهنه ما لاقى في سبيلها من تبدد، وتشرد. هكذا تفوق علينا في زمن ركع بين معرته كثير ممن أباح لنفسه اليوم أن يتحدث باسم المعرفة الخالدة، وأن يتودد إلى وثن المصلحة بمحو جزء من ذاكرته المترعة بقصص البؤس، واليأس، لعله يسكب على جسمه طلاء الأناقة المزيفة. فما أشقاه.! ففقيدنا لم تتعبه ضخامة القضية التي حملها بين جوانحه، لكي يستجدي من أولئك الأشقياء عهرا يصيره طريا على موائد حاجاته، كلا، بل عبر عن معنى الرجولة، والمروءة، ولو انحنى لعاصفة هبت عليه في لحظة هوان، فاختار بأدب الرحمة أن ينقذ مجده بما عَنَّ له في الأوان. وعجيب أن الرحمة قد تكون ضعفا، كما تكون قوة، وكلاهما قد ابتلي به، وحق له ذلك، لأنه لم يعش لذاته، وإنما عاش لغيره.
ومن هنا، لا أراني مضطرا إلى شيء أكثر من اضطراري إلى تفصيل القول فيما أدركناه من خصائص نفسه، وفكره، وحراكه. ولذا، سأسترسل في استفاضة مقصودة مع مجموعة من هذه المقومات الروحية، والنفسية، والاجتماعية. فأقول: من هو محمد بوزليم.؟
إن عودتنا إلى هذا الدرب المخيف الذي تناسيناه زمنا طويلا، لأننا آثرنا نسيانه على ذكراه، بل أوجد لنا الزمن محاضن أخرى، وأمهات أخرى، وأماكن أخرى، وذكريات أخرى، وتشكلت فينا صورة غير التي نقشت فينا بطيفها، وطعمها، ولونها، ورائحتها، وتنوعت في بؤرة امتزاجنا مع الأحداث ضروب من الصراع الذي خضناه مع المجهول، وما زلنا نخوضه مع المعلوم، وكأنه نوع من المغامرة التي نقترب فيها إلى الضياع، ونبتعد فيها عن الحضور الذي كان يمتعنا بتلك النكهة التي لبستها الأشياء بالأمس الذهبي البسماتِ، والكلمات. لا لأننا لم نرض بما يحدث، أو بما سيحدث، كلا، بل ستجدُّ هناك مؤامرات ينوب القدر فيها أحيانا عن أعداء الفكر الحر المترنحين بين الديار بغرة الانتصار على مطالب الحياة الرديئة، وأحيانا يتم ذلك الإقصاء بفعل هذا الشبح الذي لم يقدس الإنسان، ولا الحياة، ولا الطبيعة، بل ابتز المطلقات، وحنط ما فيها من معان، لكي يخدم إيديولوجيته تحت غشاء الطهرانية، والنقاء. ولذا، فإن العودة إلى الماضي، لا ترسم فينا ما تجرعناه من كؤوس السناء، والبهاء، بل تجبرنا على جر القيد الذي مللنا إحاطته بذواتنا، وإهانته لنا بين مصارع نقاد فيها إلى بلالة عيش نزدرها بشهية مفقودة، وكأنها ما وجدت لتمتعنا بما فيها من لذة، بل لتدسنا بين حطام اليأس، والإحباط، والتشاؤم. فما أصعبها من لحظة نحس فيها بأننا فقدنا سر الكلمة، وهمس اللغة، ولوعة المعنى. أجل، ما أشقاها، وهي تدفعنا إلى الحاضر بعين صار فيها ميراث الأمس كابوسا مزعجا، لا نتذكره، إلا وأحسسنا بأن استعمالنا للمفاهيم في يومنا هذا، لا يحمل عين المادة التي كانت بالأمس شعورا بالإرادة القوية، بل تغير نظام فكرنا بتغير نظام غذائنا. ففي الأمس، كانت الرغبة أكيدة في أن نتميز بحدة الذكاء، والفطنة، وفي اليوم، غدت الحاجة ملحاحة بأن نختار طريق البلادة، والغباء، وإلا، فلن يكون أملنا إلا سرابا خادعا كما آثرنا أن نقوله عن سابق أيامنا التي انطفأت، واختفت، وسارت في طريق التحلل، والتفسخ، والانحلال، والانحدار.
يتبع