أصولية الرئاسة والقضاء

ميشيل نجيب
2016 / 2 / 24

من أخطر السياسات التى يقوم بها الرؤساء المصريين منذ جمال عبد الناصر وحتى الآن المتمثل فى الرئيس عبد الفتاح السيسى هو إشراك أو الإستعانة بالتيارات والجماعات الإسلامية بطريقة أو بأخرى فى كسب وتحييد قوى المعارضة من الشعب والاحزاب الورقية حتى يستمر النظام فى الحكم، فى مقابل سماح المؤسسات الرئاسية والسيادية والدينية بأن تمارس تلك التنظيمات والجماعات الأصولية والسلفية وغيرها المتسترة تحت غطاء العمل الخيرى بممارسة عملها الدعوى والتمدد فى المجتمع المصرى، عن طريق كسب مؤيدين لهم وإنشاء فروع لتلك الجماعات فى شتى القرى والنجوع والمحافظات، ومن بين الوسائل التى أعتبرها رؤساء مصر ناجعة وأقنعهم بها وزراء الداخلية واجهزة الأمن والمخابرات، وسيلة أو نظرية أستمرار الفزع الشعبى والسماح بوقوع بعض أعمال التطرف والعنف والإرهاب وسط المدن الشعبية.

وظهر ذلك عندما أخرج السادات الجماعات الجهادية المتطرفة من السجون المصرية وما ترتب عليه فى النهاية من إغتياله، ومنذ عهد مبارك المعزول أو الذى أرتضى التنازل عن العرش المصرى بعد نصائح جدية وحازمة من أصدقائه سواء رؤساء عرب وبالأخص الإدارة الأمريكية وأجهزة مخابراتها إلى جانب الجيش المصرى الذى رفض الإستجابة لبعض أوامره بأستخدام القوة ضد الشعب، وحتى سنة الحكم الفاشلة التى كان هدف الإدارة الأمريكية تثبيت حكم الإخوان المسلمين لإفشال أى نهضة مدنية فى مصر ليقابلها نهضة دينية، وبذلك لا يكون لمصر أى دور على الصعيد العربى أو الأفريقى ويتم تحجيم الدور السياسى وتظل مصر عاجزة عن التقدم ويظل شعبها عبيد الماضى وتراثه، أما العلوم الإنسانية والمستقبلية والفضائية فيتم إغتيالها لأن الشعب ليس بحاجة إليها لأنه يملك العلوم كلها التى أنزلها الله فى كتابه القرآن طبقاً لأعتقاده.

ولم يكتفى تفكير الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية فى الأستفادة وأستثمار الشعور الدينى فى المجتمع المصرى، فذهبوا أبعد من ذلك إلى وضع المادة القانونية المشهورة فى الدستور المصرى بأزدراء الأديان، وهى المادة التى تجاهلها رئيس الجمهورية وبقية المؤسسات السيادية بالدولة لأنها مادة أو قانون يسحق أقلام المثقفين والمعارضين ويرضى بها التنظيمات الإسلامية، وعندما يشتد صراخ تلك التنظيمات والجماعات يكون القضاء المصرى فى أنتظار وضع المبدعين من المثقفين فى غياهب السجون لتنتشى قلوب الإسلاميين بل وكل المسلمين من الشعب المصرى، حيث يقوم أئمة المساجد والفضائيات بتسويق ما يقوله ويكتبه المثقفين لعامة المجتمع باعتباره إزدراء بالإسلام وأن رفع القضايا ضد هؤلاء المارقين وإلقاءهم فى السجون إنتصار كبير فى الدفاع عن الله ورسوله ودين الإسلام.

قد يتساءل بعض المثقفين أقصد الجهلة البسطاء مثلى: كيف يتم رفع قضية وقبولها من الهيئات القضائية ضد مثقف أو مثقفة كتب بعض العبارات أو التشبيهات المجازية التى تدخل فى صميم الإبداع ولا يتجرأ مؤمن أن يزدرى بدينه خاصة الإسلام، فكيف منطقياً يقبل القضاة أن يناقشوا ويحكموا ويضعوا هؤلاء المثقفون فى السجون بسبب عبارات وأنتقادات بينما يتم الإفراج عن الإرهابيين والقتلة؟؟

الجميع يتذكر أن سبب وضع قانون إزدراء الأديان ومعاقبة من يرتكب هذا الفعل كان موجة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة ضد النبى والرسول محمد، والتى أستغلها النظام المصرى لإرضاء وكسب ود الجماعات الإسلامية ضد الآخرين أى المسيحيين النصارى والكفار، لكن الذى يحدث الآن أن القضاء المصرى بأوامر عليا أو بدونها أصبح قضاء أصولى يتلاعب بمشاعر المجتمع الدينية، متجاهلاً الآثار السلبية التى تتركها أحكامهم الظالمة والغير عادلة على مستقبل وطن تهان حضارته بإهانة صانعى مستقبله الثقافى والعلمى.

أقول للرئيس السيسى: هل تعتقد أن كلمات المثقف التى لا يقرأها إلا بضعة آلاف من المواطنين فى حالة وجود قراء، يمكن مقارنتها بجرائم تعذيب وقتل أو أغتصاب أوسارق أو إرهابى؟ الإجابة المنطقية الغائبة عن عيون الجميع والتى يقولها رئيس الجمهورية ووزارة العدل المصرية إن المثقف الذى يكتب بالقلم حروف يصنع منها مستقبل وطنه، أطلقتم عليه لقب { المجرم} ويا له من شرف وأفتخار لك يا شعب مصر بالمثقف المجرم وفى عهد من؟ عهد الحرية والديموقراطية والتجديد الدينى وإيقاف البرامج والإعلام السفيه الذى يمجد دفاع القضاء ضد إجرام المثقف!!

دولة مؤسساتها وأهمها الرئاسية والقضائية تصنع من المثقف والمبدع متهماً بينما من يصنع الفتن الطائفية والتكفيرية يعيش حراً، هى دولة لا تستحق الحياة الإنسانية السوية، بل تستحق التعذيب والبلطجة والإذلال فى أقسام الشرطة والإرهاب المقدس من الشعب والدولة!!!