هموم تتناسل ..... وبدائل : رواية ؛: الجزء الأول

صبيحة شبر
2016 / 2 / 23

التصحيح الأخير

(1)
لم أبدأ بعد بإجراءات التقاعد ، قال لي الموظف المسؤول في مديرية تربية الرصافة انه علي ان اراجع في منتصف الشهر السادس ، أعطاني استمارة طالبا مني أن أملأها، وأعيدها اليه في اليوم الذي سوف أراجع به المديرية.. وجدتُ بعض خانات الاستمارة غامضة ، بداية التعيين مثلا، لقد باشرت العمل في وزارة التربية العراقية في عام 1972 ، و بعد ان اعادوني للخدمة لم يجدوا كل أوراقي ، ورقة من وزارة التربية تبين ان تعييني تم عام 1974 ، فاثبتوه في قرار اعادة التعيين معتبرين العامين اللذين قبل ذلك العام سنتين اضافة.. قال لي المدير امام جمع المعلمات والمعلمين كلهم يجب ان يداوموا الشهر السادس كله ، الا أنا ، فعلي ان اراجع لأجل التقاعد ، وان رأيت نفسي بلا عمل اؤديه في أحد الأيام أزور المدرسة..
اليوم عطلة بسبب استشهاد الامام موسى الكاظم ، امس كان احتفالا كبيرا بهذه المناسبة ، الناس يسيرون في الشوارع والحلوى والشطائر المعمولة من الفلافل او اللحم والدجاج توزع عليهم ، مع قناني الماء المبرد وقطع الكيك ، تمشينا انا وصديقتي في الشارع الرئيسي، وحين كنا نشعر بالتعب ، نجلس على المقاعد التي وضعت على جانب الطريق للاستراحة.. انتهت مراسيم الزيارة ولم تحدث خروقات كثيرة كما هي العادة دائما ، المسؤولون الأمنيون بذلوا جهدهم للحفاظ على سكينة الناس واستقرارهم ..
يومي مضى رتيبا لا حياة فيه ، لا شيء جديد ، اتصلت بي اختي طالبة ان اذهب اليهم في هذه الأيام ، واخي سوف يظل يومين فقط ، فأجلت سفرتي اليهم بعد اربعة ايام علني اكمل اعمالي في بغداد واراجع مديرية التربية ، وأكمل تدريسي للعزيزة مريم ، امتحاناتها في العربية تكون يوم العاشر من حزيران بعد ان اجلت بعض الأيام ، وسوف اراها يومي السبت والأحد القادمين..
زوجي اصابه الاسهال ليلة الأمس ، أيقظني من النوم مستفسرا عن الدواء الذي اعطاني اياه قبل اشهر ، بحثت عن اقراص الدواء على كتبي ، حيث وضعته ، ولم اجد له أثرا ، قال لي : ـ ربما أنا أخذته .
في الصباح وجدته افضل حالا ،هيأ البطاطا والبيض المسلوقين لهذا الداء الذي ألمّ به ، وجدته في الصبح سليما ..
يبدو ان التقاعد القادم أثر بصحتي وجعلني أشكو من عدد من الأمراض التي كنت أحسبها بعيدة عني ، وجع المفاصل وعدم القدرة على السير لمسافات طويلة ، وتناول الطعام الذي أحب تناوله بكميات غير محددة ، كل هذا أضر بي ، وجدت السكر عندي مرتفعا حين أجريت التحاليل ، ارتفاع نسبة الدهون في الدم ، لم أستطع أنْ أقلل من تناول المرطبات والايس كريم رغم علمي انها تسيء الى صحتي التي احب أن احافظ عليها .. علي أولا ان اقوم بالأعمال الاعتيادية التي تقوم بها النساء كل صباح ، وتتساوى في الأمر العاملات الموظفات ، واللاتي تقتصر اعمالهن على الاهتمام بأمور المنزل ، غسل الصحون الذي يضطرني الى البقاء واقفة ، يتعبني كثيرا، وقد حذرني الأطباء من الوقوف الطويل ، الذ ي يتعب الجسد والروح ، ولا علاج لمرض الدوالي كما يقول الأطباء المختصون ، وانما علي أن أتخذ من الراحة دواء مؤكدا للسلامة من الأوجاع المؤلمة ، أنهيتُ أعمال المنزل الرتيبة ، والتي أضحت تسبب لي الشعور بالكآبة ، وقررت ان اقوم بنشاط احبه كثيرا ، وان اخرج للتمشي ....
الشوارع فارغة تقريبا ، اتعمد التمشي في الصباح تنفيذا لنصائح الطبيب الذي أخبرني ان علاج ساقي من الألم المضنى يكون في تجنب الوقوف لفترات طويلة ، والتمشي ساعة يوميا ، ، لأن السير يريح الساقين من تدفق الدماء اليهما،.. الطريق الى مستوصف المحلة ليس طويلا ، فالتمشي يريحني من عناء التعب ويجعلني افكر لوحدي واتوصل الى علاج ما يؤرقني من مشاكل ، وخاصة من كان يعيش في بلد مثل العراق ، محروما من أبسط مميزات العيش السعيد ..
الصبّات موجودة كالعادة يمكن ان تعرقل طريق السيارات ، ولكن لحسن حظي لا استقل السيارة عادة في رياضتي الصباحية التي اطمح بها ،لاستنشاق الهواء وترويض ساقي ، وعيادة الأطباء والاستفسار منهم عما يسبب الألم القاسي ولا يدعني أنام الليل باطمئنان وراحة ، من الوجع المبرح الذي يفتك براحتي كل ليلة ، فأتقلب رغبة في استدعاء سلطان الكرى الى عيني المسهدتين ، ولكن عبثا ، ما ان أغير وضع جسدي لان تعب ظهري يكون من الشدة إذ أنه لا يسمح لي بالاستمرار بوضع ظهري على الفراش ، فيطلب ظهري ان اغير طريقة نومي الى أحد الجنبين ، ولكن ما أن أستجيب لتوسلاته حتى تستغيث بي الساقان وتتأوهان من شدة الايلام ، فلا أعرف كيف أتصرف ، هل أواصل النوم على ظهري رغم ممانعته ، ام ألبي طلبه بالتغيير ، فتصرخ الساقان طالبتين ان أريحهما من الوجع المؤلم ؟
أردت أن أستفسر من الطبيب ، ما سر هذا الألم الشديد الذي أعانيه كل ليلة؟
المستوصف كالعادة بازدحام شديد ، مع انني تعمدت ألا أصل اليه قبل الساعة العاشرة صباحا ، كانت صفوف المراجعين بالعشرات ، صف للرجال ، وصف للنساء ، وموظف واحد يؤشر على ورقة الفحص :
- لماذا الازدحام هذا اليوم ؟
- لأن أمس كان عطلة..
- ولماذا نجد موظفا واحدا يعطي تأشيرات المراجعة ؟
- كيف لي ان اعلم وأنا مثلك تماما..
عرفني الطبيب حالما رآني ، فقد أدرك انني قدمت من اجل اراحة ساقي المريضتين، وانا كثيرة المراجعة لهذا المستوصف ، لم ينتظر حتى أشرح له ما أعانيه من تعب ، فسارع الى الورقة ليكتب عليها الدواء المؤقت الذي يسكت الألم بعض الوقت ، ليس عندهم ما يعالج الأمراض ، وكأن الطبيب أدرك ما يجول في ذهني :
- ليس عندنا دواء شاف للدوالي ، يمكنك ان تراجعي طبيبك المختص، الدواء الذي وصفته لك مسكن ، يفيدك كثيرا..
اخذت الوصفة من الطبيب ، وذهبت الى الصيدلي الذي اعطاني حبوبا بعد الطعام ثلاث مرات في اليوم ..
ـ هل أكرر الوصفة حين ينتهي الدواء؟
- لا أدري ، سلي طبيبك المعالج ..
عدت الى المنزل مشيا وأنا أمني النفس ان يفيدني هذا السير ويريح ساقي المتعبتين ، كما يريحني من ارتفاع نسبة الدهون في دمي ، فقد أخبرتني التحاليل المختبرية ان نسبة الدهون في ارتفاع كبير قد يهدد صحتي ، كما انني قرأت في احد المواقع الالكترونية ان الحبوب التي تعطى علاجا لارتفاع نسبة الدهون لها تأثيرات ضارة .. فإنها تتسبب في فقدان الذاكرة ، اتذكر المشاهير الذين أصيبوا بفقدان الذاكرة،وأتساءل هل كانوا يعانون من ارتفاع نسبة الدهون في دمائهم ؟ وهل تجعلني هذه الحقيقة أقلل من تناول الايس كريم والشيكولاتا ؟ وانا المعروفة بكثرة تناولي لهما وشدة غرامي بهما ، وربما انني قد أدمنتهما رغم ادراكي حقيقة ان الادمان عادة ذميمة جدا ، وحتى وان كان في الأمور المحبوبة . اضحك من غرابة قولي ، مالي انا والمشاهير؟
(2)
من قال ان المساواة بين الرجل والمرأة العاملة يمكن ان تتحقق؟ حتى لو كان الرجل عاطلا عن العمل ـ فإنه يتصرف كالطاووس المعجب بريشه ، وشكله الذي قد يكون خاليا جدا من معالم الجمال ، انه يبدي امتلاكه لمال زوجته والمتصرف به والمنفق له في الوجوه التي يرتئيها دون ان يحرص على رضا الزوجة المسكينة ، يصادق النساء ويصرف عليهن من راتب الزوجة المقهورة التي وضعها سوء طالعها في طريقه:
- اين ذهبت براتبي ؟
ـ أعطيتُ جزءا لأخي المريض ، وجزءا آخر لصديقتي نجلاء ، كانت تبكي وتخبرني انها لا تملك النقود وان زوجها بخيل جدا ، اخبرتها انني كريم لا أرضى بان تكون صديقاتي محرومات ، وانني أؤمن بالمساواة .. هذا منطقه .. حاولت عدة مرات ان ابرهن له أنه على خطل في فهمه هذا عن المساواة ، لم يكن مستعدا لسماعي ، وكانت الحجج التي انطق بها تذهب هباء ، فآليت على نفسي الا اقول كلمة واحدة تثير غضبه , تجعله يلطم وجهه ، ويصرخ بأعلى صوته نادبا سوء حظه الذي جعله يتزوج من امرة لا تؤمن بالمساواة بين الجنسين .. أنا مبتلاة به , في حالات مرضه ورعونته ، علي ان اسهر الليل اضمد جراحاته واعطيه الدواء الذي وصفه له الطبيب ، لهذا كنت أصمت ان وزع راتبي على اخوته الذكور وأخواته الاناث وصديقاته التعيسات مع ازواجهن الذين لا يمنحونهن ما يرغبن به من نقود يجدنها ضرورية جدا، وللرجال حاجاتهم الكثيرة التي يحبون اشباعها دائما ، جلوس في المقاهي وتدخين أحسن أنواع السجائر ، والشرب الذي يعتبرونه دليلا على التطور والتقدمية ، لهذا اجد راتبي المسكين وقد تبعثر دون ان أتمكن من تلبية ما كنت ارغب فيه من تطبيب او ابتياع بعض الملابس التي كنت أحب ارتداءها ، فقد كانت صديقاتي يصفنني بانني بخيلة على نفسي ، ويقلن لي مداعبات انني اجعل اللباس يغبر لونه حتى أسعى لتغييره، ولست ادري ماذا بمقدوري ان افعل ؟ وانا في طريقي للتقاعد ، حيث يقل الراتب الى نصفه ؟ ماذا يمكنني ان افعل وحاجات المنزل ما زالت كثيرة ، وانا بقيت بلا قدرة على تلبيتها.. تعبت من كثرة ترديدها دون جدوى ،ان عدم المساواة بين الزوجين من الامور التي نجدها في اغلب البيوت تقريبا ، فهل يمكن للرجل ان يغسل الصحون مثلا ، الا يوصف بانه يستهين برجولته ولا يقدرها ان هو اراد ان يساعد زوجته ويغسل الصحن الذي تناول الطعام به؟ وهل يستطيع الزوج ان يتسوق مثلا ، وهل يعرف الرجل المتزوج كيف يتسوق ويشتري ما يحتاج اليه المنزل من لحوم وفواكه وخضروات ؟ ومن اين يأتي بالمال ؟ هل يستلم راتب زوجته لينفقه على حاجاته ام حاجات المنزل ؟ والأثاث اللازم للبيت من يشتريه ؟ وكيف يستطيع الزوج ان يفي حاجاته الكثيرة حقها من الاشباع ، ليلتفت الى أثاث المنزل ، اليوم قضيته كله بالأعمال المنزلية التي لا أتوقع أن يساعدني أحد بها ، الطبخ في الصباح ، والذهاب الى السوق لشراء الخبز والزيتون وبعض الخضر ، وبعد ان تناولت طعام الغداء توجهت لسريري للتمتع ببعض الراحة ، لكني لم أستطع النوم ، فقد كنت اشاهد برنامجا في التلفاز عن السلة الغذائية التي يزمع المسؤولون منحها للمواطن العراقي في القادم من الأيام ، تفاءلت خيرا ان امور الغذاء سوف تحل بعراقنا الحبيب بالمستقبل القريب ، وحين انتهى البرنامج ولم اجد في نفسي رغبة بالنوم ، يممت وجهي للحمام ، وتمتعت بحمام دافئ ، ثم شغلت غسالة الملابس ، وكانت وجبة اليوم كثيرة جدا ، نشرت الملابس المجففة على المنشرة ، وخرجت مرة اخرى ، لابتياع قناني الماء المعقم وبعض الفاكهة .. شارفت الساعة على الثامنة والنصف ، وسوف اتناول طعام العشاء ، من أجل تناول الدواء الذي وصفه الطبيب ، فليس من عادتي أن أتعشى .
(3)
خرجت مع واحدة من معارفي الى شارع المتنبي ، اتفقنا منذ مساء الأمس ان يكون خروجنا في الساعة التاسعة صباحا ، وان نشهد في شارع المتنبي بعض الفعاليات الثقافية التي اعتدنا ان نجدها في هذا الشارع العريق ، خرجت من منزلي في التاسعة الا خمس دقائق ، وجدت الشوارع فارغة من المارين ، توقعت ان تتأخر مرافقتي ، لكنني ما ان وصلت الى محطة البنزين في شارع الكنيسة حتى رأيت سيارة قادمة نحوي ، وامرأة تلوح لي من نافذة السيارة ، ما ان اقتربت مني حتى ادركت ان مرافقتي في الخروج لهذا الصباح جالسة قرب سائق السيارة الشاب :
- انه ولدي سوف يقربنا من مكان نركب منه الى باب المعظم.. ركبنا مع ابنها الشاب ، الذي أوصلنا الى الجسر ما قبل الصليخ ، ركبنا هناك الكية التي ستوصلنا الى باب المعظم ..
مررنا في الشارع سريعا ، توجهنا الى المركز الثقافي البغدادي واردنا ان ندخل بابه ، ثم غيرنا الرأي الى باب مقهاه الواقع قرب الشاطئ ، ذهبنا الى هناك.. دخلنا المقهى ، شاهدت ظهر امرأة ادركت انني اعرف صاحبته تمام المعرفة ، وما ان سرت قليلا حتى ايقنت صحة حدسي ، كانت المرأة السيدة نضال، جالسة لوحدها على احدى الطاولات ، وأمامها منفضة مليئة بأعقاب السجائر المحترقة ، مما يدل على انها ضجرة تشكو من الوحدة وانها لشعورها المؤلم هذا قد دخنت في جلستها تلك العديد من السجائر ، دعتنا السيدة للجلوس قربها ، فلبينا الدعوة مسرورين :
ـ اراك وحدك ؟
- نعم احببت اليوم ان اكون برفقة زميلتي ، هل تأتين دائما الى هذا المكان ؟
ـ نعم ... افضل ان اكون وحدي في ايام الجمع ، أستيقظ في الصباح الباكر ، وكأنني اسارع لئلا أتأخر عن موعد الدوام .. كانت هناك جلسة جميلة تخللتها أحاديث عفوية عن الاولاد والرجال والموت والحرية..
رأيت بعض المعارف هناك ، سلموا علينا ، وبعضهم رأيتهم من بعيد ولم يروني هم ، قهوة هذا المقهى ليست جيدة ، يأتون بها باردة كثيرة السكر ، وكأنهم ملأوها بالدبس مع اننا طلبنا قهوة قليلة السكر ، صديقتنا السيدة نضال جاءها الكثير من الأصدقاء الذين جلس بعضهم على طاولتنا ، وجلس البعض الآخر على الطاولة التي خلفنا .. حين شارفت الساعة على الثانية عشرة ،استأذنا من يجالسنا على المغادرة ، أحبت مرافقتي ان تأخذ الصور على الشاطيء ، فكانت تعطي هاتفها المحمول لمن تراه وتطلب منه تصويرها ، فما كان من احد الحاضرين الا ان يصورنا انا وهي في هاتفه المحمول :
- لماذا صورنا الرجل ؟
ـ لا أدري ، لماذا ؟
- لا ضير بهذا ، الصور لم تكن واضحة ..
اسـتأجرنا سيارة تنقلنا الى المنزل ، قلت له :
- هل تسير على القناة ؟
- لا ، انها طريق مزدحمة ، سوف اختار غيرها ..
في سيارة الاجرة التي اقلتنا الى منازلنا ، غير السائق الطريق عدة مرات مما أثار استنكار مرافقتي :
- لماذا غيرت الطريق ؟
- لأنني اريد الطريق السريع ..
وما ان يسير في الطريق الجديدة خطوات حتى يغيرها الى ثالثة: ـ ماذا تفعل ؟ لماذا غيرت الطريق ؟
- انها مزدحمة ، ألا ترين السيارات واقفة؟
- دعها قليلا ، انتظر..
- لن انتظر .
ويسير بعض المسافة ثم يغير الطريق مرة رابعة ، اثار تصرفه
مرافقتي :
ـ ما الخبر ؟ لماذا لا تنتظر ؟ كل الطرق مزدحمة.
يسلك السائق طريق القناة الذي اعتذر بالبداية عن اجتيازه بسبب الازدحام .. تخبرني مرافقتي قبل النزول من السيارة ، انه بإمكاني العمل بعد الحصول على التقاعد بمهنة تجعلني في وضع مريح ماليا ، وهي الدروس الخصوصية ، قالت لي :
ـ اخبريني حين تختارين هذه المهنة،اعرف الكثير من الصديقات اللاتي عندهن الأبناء والبنات ، ويحتاجون الى من يدرسهم ، المدارس الحكومية لم تعد تفي بالمطلوب منها بإخلاص ..
(4)
حدثتني صديقتي علياء ان اليوم لم يكن جيدا بالنسبة لها ، كانت بدايته جميلة ، غسلت الدرج ، ومسحت البلاط وجلست امام الحاسوب ، اطلعت على رسائلها في الكميل والياهو والهوتميل ، ثم فتحت الفيس بوك ، كلمتها الصديقة الأديبة السيدة عواطف عن بعض الامور ، ثم سألتها :
ـ هل توجد صفحة أخرى باسمك بالفيس بوك؟
ـ لا ابدا ، انا وحدي أحمل هذا الاسم !
ـ لكن الصفحة الثانية موجودة ، ابحثي عنها.
بحثت علياء عنها،لم تجد شيئا،فقط عبارة ، مكتوب بها لا توجد صفحة بهذا الرابط ، لقد تم إلغاؤها ، اخبرت صديقها الشاعرة بالأمر ، اخبرتها الصديقة ان الصفحة الثانية موجودة ، يستطيع ان يجدها الباحثون ، وان الصفحة الثانية تتضمن صورا اباحية ، فالواجب يقضي أن تنبهها الصديقة العزيزة ...
هال علياء الأمر ، كل هذه الاساءات لسمعتها تجري دون أن يخبرها أحد ، اتصلت بإبن صديقتها ابتسام بواسطة الفيس طالبة ان يساعدها فلم يجبها ، ربما انه غير موجود في تلك اللحظة ، كتبت رسالة لأخته تخبرها بالأمر ـ سارعت الإبنة لمساعدة علياء بحثت عن الصفحة الثانية ووجدتها ، وقالت :
ـ انها لأحد الأصدقاء الذين قمتِ بحذفهم ..
ـ تصرفي حبيبتي واخبريني ..
ارسلت ابنة ابتسام رابط الصفحة الثانية ، راع علياء ان تشاهدها،هذه الدناءة التي يسيئون بها الى سمعة الناس ، لماذا ؟ وماذا فعلت لهم ، شعرت بالاختناق وانها عاجزة عن حذف هذه الصفحة المسيئة لكل شيء جميل..
استمعتُ لمتاعب الصديقة علياء ثم اقترحت عليها :
ـ اطلبي من أصدقائك في الفيس بوك أن يساعدوك .
ـ شكرا للنصيحة ، سأفعل ..
كتبت نداء لأصدقائها بضرورة التعاون لحذف هذه الصفحة المسيئة ، تضامن بعضهم ، ولكنهم لم يستطيعوا ان يحذفوها ، وبقيت تلك الصفحة تسخر من كل القيم الاخلاقية التي رضعناها ، صور خادشة للحياء تملأ الصفحة ، وأناس يطلبون ودها ، بعضهم يصف الصفحة بالشجاعة التي تسعد الناس ، وقد وجدت لها أصدقاء من شخصيات مشهورة ، ربما بعضهم انتحلت أسماؤهم ، من يدري ؟ ألم يضعوا اسم (علياء) على هذه الصفحة المسيئة ؟
***
واصلت علياء حديثها :
شعرت بتعب شديد ، لم اكن أدري ماذا افعل ؟ قررت السفر قليلا لخارج بغداد الى شقيقتي في الحلة علني أحظى ببعض الراحة ، واقابل اخي ابي محمد ، انني مشتاقة كثيرا لرؤية اهلي الذين فرقت بينهم وبيني المسافات الطويلة ، عرفت ان اختي سوف تغادر الحلة ، وتكون في كربلاء في اليومين القادمين ، فرحت بالخبر ، آملة ان اخرج واياها متجولتين ، فهي مثلي تحب التمشي وتفضله على ركوب سيارات الأجرة.
في الطريق الطويل الى كربلاء نعاني كثيرا من شدة الحر ، كثير من البائعين المتجولين يفتحون باب السيارة المبردة ، ويعرضون علينا بضاعتهم ، اقراص من الحلوى ، وآلات للحلاقة ، قناني من الماء المبرد ، يصرخ احد الركاب :
ـ اغلق الباب ، دع التبريد يعمل !
ـ انا على باب الله !
يسكت الراكب منتظرا ان ينزل البائع لوحده ، فالكلام لا يجدي نفعا مع بعض الناس ، وخاصة من لم يجد وسيلة للرزق الا بيع المواد الصغيرة ، والتي لا يقبل على شرائها الكثيرون ..
كنت اول الراكبين في الكوستر ، التي اجدها افضل بكثير من سيارات الكيا ، التي تجعل الساق يتورم ، اخذ الركاب يتوافدون على السيارة حتى امتلأت ، صاح الركاب :الله اكبر .. سارت السيارة بطريقها الاعتيادي الى كربلاء ، فضبطت ساعتي الساعة العاشرة صباحا ، وسوف نصل كربلاء في تمام الثانية عشرة ، لأن الطريق ساعتان فقط ، ان كان الطريق طبيعيا ، ويخلو من المطبات والسيطرات الكثيرة ، كنت امتع نفسي واحاول طرد المتاعب التي حلت علي بدون سابق انذار.. يحلو لعلياء ان تنظر الى الشوارع من نافذة السيارة ، بنايات كثيرة ، وأشجار متفرقة ، وترى ان الوقت الذي كنا نجد فيه الطريق تملؤه الأشجار الكثيرة ، والنخيل السامقة ، قد غادرنا ، رحل عنا زمن الخير ويظن الكثيرون اننا نحتاج الى وقت طويل حتى نتمكن من اعادة الزمن الجميل .. قال السائق : ـ ارفعوا الستائر عن النوافذ ، فنحن قريبون من السيطرة ..
الراكبون في الجانب الأيسر يرفعون الستائر ، اختارت علياء الجانب الأيمن، ترفع علياء الستارة بجانبها قليلا ، لتتمكن من رؤية ما تمر به من مشاهد ، لا يمكن ان يصيبها الملل منها ، تراها كل مرة تقرر بها السفر الى كربلاء ..
وقفت السيارة ، وانطلق العسكري قائلا :
ـ انزلوا للتفتيش الآن !
ـ وهل جميعنا سوف تفتشون ؟
ـ نعم ..
ـ والنساء ؟
ـ الكبيرات في السن يبقين في السيارة .
نزل الركاب الرجال،والنساء الشابات،وبقيت النساء الكبيرات ، لم تطل غيبة النازلين ، اذ سرعان ما عادوا وهم يضحكون :
ـ لم يفتشونا ، مرروا ايديهم على ملابسنا وتركونا نعود .. سارت السيارة ببطء ، وصل الركاب الى المرآب ..
استأجرت علياء سيارة اجرة صغيرة ، طالبة نقلها الى حيث تزمع اختها الاقامة فيه ، وكل مرة تذهب بها اختها الى أقاربهما في كربلاء تطلب من سائق سيارة الأجرة :
ـ سر بي الى العنوان ولا تطلب مني النزول قبله !
ـ نعم ، اتفقنا ، سوف اوصلك الى العنوان الذي تريدين . لكنه ككل مرة ، يطلب من علياء النزول في شارع مقابل يبعد عن المنزل مسافة طويلة قائلا :
ـ لا أستطيع السير بك كل هذه المسافة ، انزلي وتمشي الى هناك ..
وككل مرة ، تنزل علياء من السيارة رغم الاتفاق السابق بينها وبين السائق ، تحمل حقيبتها الثقيلة مما يضر قدميها وساقيها ، ، تسير على قدميها المتعبتين ، وتعبر الشارع الطويل حاملة حقيبتها اليدوية وحافظة ملابسها ، تصل منزل الأقارب حيث تحل عليهم اختها ضيفة ، وهي متعبة جدا..
(5)
وانا في بغداد انتظر ان يحين الوقت لمواصلة اجراءات معاملة التقاعد ، تكتب لي علياء من مدينة كربلاء .. بانها تصل المنزل ، يندهش الأقارب واختها ايضا حين رؤيتها ، تخبرها شقيقتها انها لم تتوقع ذهابها الى زيارتها ، تقضي بعض الوقت في المنزل مع شقيقتها واقاربهم، تتصل بولدي صديقتها الحبيبين ، يخبرانها ان الصفحة المسيئة في الفيس بوك لم تحذف بعد ، وان حزنها لم يتم القضاء عليه ، وان ادارة الفيس بوك لم تستجب للنداءات الموجهة لها من علياء ومن الأصدقاء بان تلك
الصفحة منتحلة للإساءة للسمعة..يصل اخوها الكبير مع زوجته في اليوم الثاني،يسعد الجميع في تبادل أطراف الحديث في امور شتى تهمهم وتثير اهتمامهم ، يتناولون السمك المشوي في طعام الغداء ، يرون علياء وقد توقفت عن تناول الطعام :
ـ ما بك ؟
ـ وقفت عظمة في بلعومي .
ـ كلي قطعة خبز وابلعيها قبل المضغ .
ثلاث قطع من الخبز تبلعها دون ان تتخلص من عظمة السمكة . يترك الباقون تناولهم السمك المذموم ،وينظرون لعلياء بإشفاق : ـ سخني قليلاً من الماء وضعي عليه ملعقتين من زيت الزيتون ، انه دواء شاف لمثل هذه الأمور .
تسرع علياء الى المطبخ وتنفذ النصيحة ، فتذهب العظمة بعيدة دون عودة ، تعود الى طعامها اللذيذ . اقاربها لا يكتفون بالسمك الشهي ، انما يضيفون اليه الحلويات وانواعا من الايس كريم والموطا ، ورغم حرص علياء على صحتها فان الطعام اللذيذ يدعوها ، تلبي دعوته بحب غير آبهة بنسبة الكولسترول في الدم ، والتي حذرها الطبيب من زيادتها ، لما لها من تأثير ضار على صحة الجسد والنفس ، وعلياء تحافظ كثيرا على صحتها الجسدية والنفسية منقذة نفسها من المتاعب ، فالصحة نعمة علينا ان نحافظ عليها ونصقلها.
في فترة ما بعد الظهر يخرجون جميعهم للتمشي في الأسواق وشراء بعض اللوازم التي يحتاجونها :
ـ تعالي معنا..
ـ أشعر ببعض التعب ، سوف أبقى بالمنزل .
ـ هل يمكنك ان تراقبي (الماطور) حين تأتي الكهرباء الوطنية ، فخزان الماء يبدو خاليا!
توافق علياء على طلبهم ، وتظل في المنزل ، تستمر الكهرباء الوطنية بإمداد الناس بأشعتها النيرة طيلة أربع ساعات كاملة . يعود المتسوقون بما اشتروا من ألوان عديدة من الحلويات والنشويات التي تضر البدن .
(6)
أشتاق الى علياء ، فهي صديقتي ، وقد اعتدت ان نتمشى معا في شوارع بغداد ، نستنشق الهواء ، ونتمتع بالمناظر الخلابة للمدينة التي كان جمالها ، يخلب ألباب عشاقها الكثيرين .
تعود علياء الى بغداد في اليوم التالي ، فهي صنوي ، تعشق هذه المدينة الجميلة ، اكثر من أي مكان آخر سواء كان بالعراق او غيره من البلدان ، في الحافلة التي نقلت علياء الى بغداد عدد كبير من الناس ، يختلفون اختلافا كبيرا فيما بينهم .
ـ تقدم حامد الى ابنة اختي طالبا يدها ، فلم اوافق .
ـ انت خالة بائسة ، كيف تتدخلين في شؤوني الخاصة ؟ ـ اني انصحك ، حامد لا ينفعك ..
ـ وكيف عرفت ؟
ـ اعرف حامدا هذا كما اعرف الرجال ، طماعون ، سيئون ، مستغلون ، منافقون ..
انطلق احد الركاب محتجا :
ـ ليس كلهم يا امرأة ، بعضهم جيد ، والبعض الثاني سيء ، وأغلبهم متوسط ، فهل النساء كلهن جيدات ؟
ـ وكيف تعرف انت ؟ انا اعرف الرجال جيدا ، أفاقون !
تنطلق الشتائم من تلك المرأة متوجهة ضد الرجال والنساء معا ، فهم جميعا منافقون ، يقدمون على اذى الناس ان تمكنوا .
تظهر علامات التعب على الركاب ، ويأملون ان تصل الحافلة الى بغداد ، كي يتخلصوا من هذه المناقشة العقيمة..
يرتفع صوت السائق :
ـ سيطرة ...... أزيحوا الستائر!
يرفع الراكبون الستائر في الجهة اليسرى ، ولم تعرف علياء بعد لم يحرص الركاب على ازاحة الستائر في الجهة اليسرى فقط ؟ هل لأن السيطرات التي يقف فيها المفتشون هي السبب ؟
الشوارع تبدو مهجورة ، لا أشجار تجملها ولا بنايات جميلة ، يخبر السائق الركاب بعد قليل :
ـ وصلنا ، هنا يجب ان تتركوا الحافلة !
ـ لكننا لم نصل الى مرآب العلاوي بعد !
ـ لا يمكنني الوصول الى هناك ، الطرق مسدودة .
ـ اتفقت معنا ان ننزل في المرآب ، ويجب ان يكون النزول هناك ، لن نترك سيارتك هنا ، وافعل ما يحلو لك ! .
ترتفع اصوات الركاب مطالبين السائق بالوفاء بالعهد ، ولكنه يظل عاجزا عن الاستجابة ، الطرق مسدودة وعلى الجميع الامتثال .
تترك علياء مقعدها ، ترى في باب الحافلة من يسال : ـ هل تريدين سيارة أجرة ؟
تركب السيارة تاركة الركاب في نزاعهم مع السائق !
ـ ما بهم هؤلاء الركاب ؟
ـ يريدون النزول في المرآب،والسائق يقول ان الطريق مسدود !
ـ ليس تقصيرا من السائق ، الطرق مسدودة فعلا ..
تمضي سيارة الأجرة بعلياء سريعا ، توصلها الى منزلها الذي اشتاقت اليه كثيرا ، تغير ملابسها وتسرع الى حاسوبها ، لتطلع على بريدها ، فقد تركت العاصمة ثلاثة أيام .
ترى بريدها الوارد ، رسالة من الفيس بوك تخبرها انهم ، يستجيبون لطلبها في حذف الصورة الاباحية ، ان بينت لهم ان الصفحة تنتحل اسمها حقا ألا يمكن ان تكون المسألة تشابه اسماء ؟ تستلم رسائل من أصدقائها في الفيس تبين لها انهم سوف يتضامنون معها وانهم وجدوا الصفحة المسيئة تريد الاساءة لها فعلا ، وانهم سوف يطالبون ادارة الفيس بضرورة حذف الصفحة ولن ييأسوا ، تصلها رسائل تتضامن مع قضيتها ، فهي قد قامت بحذف صاحب الصفحة لأنه اراد نشر صور مسيئة ، فأراد الانتقام منها بفتح صفحة مسيئة باسمها ، للنيل من سمعتها ، مستخدما اميلها..
تواصل علياء العمل والكتابة الى ادارة الفيس ، طالبة منهم ان يتفهموا المشكلة التي تعاني منها ،وان ينظروا الى الصور المسيئة التي وضعت في الصفحة التي تحمل اسمها ، وكتب الأصدقاء متضامنين معها ، فاستجابت ادارة الفيس لطلباتها وأغلقت الصفحة المسيئة ، وكتبت لها :
(حرصا منا على سلامة الأخلاق العامة وعدم السماح لأي اساءة بحق منتسبي الفيس قررنا إغلاق الصفحة ).. .. يستبد بها الفرح ، فقد نجحت أخيرا واستطاعت ان تثبت براءتها من التهمة الموجهة لها ممن اراد السوء لها ، وكتبت رسالة شكر لكل من وقف بجانبها في هذه المشكلة..
(7)
تصلني رسالة بالهاتف عن البريد العاجل تخبرني ان نتائج الامتحانات في تربية الرصافة قد ظهرت ، اتصل بمدير المدرسة بمدرستنا ، الذي يخبرني ان النتائج ستظهر يوم السبت القادم او الأحد .
أتشوق الى معرفة نتيجة تعبي مع التلاميذ ، سأودع عملي في المدرسة ، واحصل على التقاعد ، وسوف اكون سعيدة ان حققت نتيجة جيدة في نتائج الامتحان .
في يوم الأحد تتصل بي الست منى :
ـ مبروك حبيبتي ، نتيجة الامتحان في اللغة العربية مائة بالمائة. يفرحني الخبر ، كنت قد حققت هذه النسبة سابقا في المدرسة العراقية في المغرب , التي كنت أشتغل فيها ، لكنها لم تحسب لي ، لأنني كنت محاضرة ولست معلمة معينة ، الآن افرح بهذه النتيجة ، التي تدل على مدى اخلاصي في عملي ، والذي يجعلني ارحب ان استمر بعملي كمعلمة في احدى المدارس الخاصة الثانوية .
تتصل بي الست ام مريم مهنئة ، كما تتصل بي الست نور : ـ مبروك حبيبتي حصولك على النسبة العالية !
اهنئها على حصولها على النسبة في درس التربية الاسلامية.. تخبرني ان مدرسة اهلية جديدة سوف تفتح قرب منزلنا ، وتسألني :
ـ هل تحبين ان تسجلي بها ؟
ـ لا أدري الآن ، سوف اخبرك في الأيام القادمة .
لم اقرر بعد ، احب العمل بالتعليم ، واحب الكتابة بالمجلات والصحف ، كما ارحب بالعمل بالإذاعة ، او مصححة في احدى الصحف ، سوف تبين لي الأيام في اي مجال سأكون .. البقاء في المنزل هذه الأيام يرهقني كثيرا ، الكنس والمسح وغسل الصحون ، وغسل الملابس ،وحتى اعداد بعض الوجبات الغذائية ،كل هذه الامور التي نؤديها وكأننا آلات ، تتعبني كثيرا ، التسوق امر احبه قليلا ، في الصباح حيث ارتفاع درجات الحرارة يسارع بالهيمنة على حيواتنا ، افضل شراء الخضر والفواكه من الحانوت القريب من المنزل ، وأشتري الألبان والأجبان واللحوم من الحانوت المقابل ، ونادرا ما أتمشى في شارع الميثاق حيث الأسواق الكبيرة والبضائع المتنوعة، اتناول الايس كريم والموطا كثيرا ، والايس كريم والموطات ، قررت الابتعاد عما يسيء الى صحتي وحتى العصائر المعلبة سوف امتنع عنها ، سأظل على حميتي البسيطة هذه مدة اسبوعين ، وسوف اذهب للمختبر بعد هذه الفترة ، لأعرف نسبة الدهون في دمي ، ونسبة السكر ، الذي وجدته مرتفعا قليلا في المرة الماضية .
قد اذهب غدا الى شارع المتنبي ، ولكني لم اقرر بعد من ستكون المرافقة في جولتي في الشارع الجميل .
اذهب وحدي الى المتنبي ، كنت اتصلت أمس بالصديقة نضال ، واخبرتها انني سأرافقها طيلة النهار ، في الصباح جلسنا مع احد أصدقائها الذين تحدثوا عن المستوى الدراسي الهابط الذي تعانيه مدارسنا في الوقت الحاضر ، وتساءل أحدهم عن سبب وضع المواد الثلاثة للاجتماعيات ليمتحن بها الطلاب في يوم واحد ، فيصيبهم التعب ولا يتمكنون من الاجابة التي ترضيهم ويرضى عنهم آباؤهم .
شاركنا الجلسة قبيل الظهر رجل تبدو عليه سيماء الخبرة والتجربة سألته :
ـ في أي مجال تشتغل ؟
ـ انا متقاعد ..
ـ سأكون ضمن المتقاعدين بعد أيام ..
ـ المتقاعدون تضمهم جمعية تدافع عن حقوقهم .
ـ هل يمكنني الانضمام الى جمعيتكم ؟
ـ خذي رقم هاتفي ، واتصلي بي حين تكونين ضمن المتقاعدين. غادر الرجل مقهى المركز البغدادي ، وصل الى طاولتنا بعض الأصدقاء ، لم اعرف من يكونون ، علهم كانوا كتابا مجيدين في الحوار المتمدن .
نغادر شارع المتنبي متوجهين الى ساحة الاندلس لتناول طعام الغداء ، في احد المطاعم المبثوثة بكثرة في شارع النضال ، وجبات خفيفة ومغذية وبسعر منخفض لا تكلف شيئا ، نقوم بها مرة كل اسبوع بحيث لا ترهق جيوبنا التي سوف يهددها التقاعد القادم بسرعة ليبدد كل الاحلام التي راودتنا في تحسين الدخل او جعل المستوى الاقتصادي قابلا لتنفيذ حاجاتنا الكثيرة ، التي لم نستطع ايفاءها طيلة فترة العودة الى العمل وكانت تلك الفترة قصيرة جدا لا تتجاوز التسعة عشر شهرا ..
في " بيتنا الثقافي " كانت الجلسة جميلة جدا ، مشاهد مسرحية ناطقة وصامتة ، وأغاني عراقية تلقى بإجادة عالية وشعر شعبي يثير الشجون ..
الجو جميل جدا ، أشعر وكأنني في منزلي ، اتحدث دون ان يراقبني الناس كما يحدث في الأمكنة الأخرى ، كل الموجودين هم أصدقاء واخوة ، لا يظنون بأحد الظنون ولا يهاجمون احدا ان غاب عنهم او يحاولون افتراسه او اكل لحمه ميتا كما يُفْعَل غالبا في التجمعات المختلطة .
شهادات تقدير توزع على الناشطين من المسرحيين الذين شاركوا في مسرحيات اثارت اعجاب الحاضرين قبل اكثر من شهرين . احتاج الى مثل هذه الأجواء التي تشعرني بالحرية ، حيث اتصرف بشكل طبيعي ولا ارغم على بعض الاقوال لكسب رضا الآخرين او الابتعاد عن نقدهم ، كل منا يتصرف كانسان تحترم آدميته ولا يجبر على امر محدد ، الكل يدعو الى الحرية وقليل جدا من يتصرف بحرية محترما في الوقت نفسه حريات الآخرين .
كنت اظن ان المظاهرة التي ستجري في ساحة الفردوس للمطالبة بحقوق المتقاعدين ستكون منظمة ، وان الكثير من المتقاعدين ومن في طريقهم للحصول على التقاعد سيشاركون بها ، ويطالبون بحقوقهم ومطالبة البرلمان بالتوقيع على قانون التقاعد الجديد الذي يمنح المتقاعد ثمانين بالمائة من كل راتبه ، وليس وفق القانون المعمول به حاليا والذي يعطي المتقاعد راتبا ثمانين بالمائة من راتبه الاسمي ، وبذلك يفقد المتقاعد حقوقه في المخصصات التي تتوفر لكل موظفي الدولة .
ـ سألني سائق سيارة الأجرة .
ـ اي ساحة تريدين ؟
ـ ساحة الفردوس ..
ـ تلك التي سقط منها الصنم وبقي الحذاء ؟
ـ هي نفسها !
أصل قبل الساعة العاشرة وهي الموعد الذ ي حدد للبدء في التظاهر، ثلاث نساء عضوات في رابطة المرأة ، يرفعن اللافتات المعبرة عن مطالب المتقاعدين ، هتافات قليلة تنطلق من بعض الحاضرين ، اتعبتني حرارة الشمس اللاهبة ونحن في اواخر حزيران ، كما خشيت ان يرهقني الوقوف طويلا ، ، فابتعدت عن مجموعة المتظاهرين الى ابعد مكان في الساحة ، رأيت رجلا جالسا وحده ، ذهبت الى هناك ، فصحبني بعض كبار السن ممن ينادون بحقوق المتقاعد العراقي ، ثم رأيت اشخاصا كثيرين يحاولون الخروج ، فاستفسرت عن حقيقة الأمر :
ـ شارفنا على الانتهاء اليوم ، لم نحصل على موافقة الجهات الأمنية ، ستكون المظاهرة يوم الجمعة القادم في شارع المتنبي. ـ في اية ساعة ؟
ـ سوف يعلن الآن .
ـ سمعت وانا اغادر المكان :
ـ الجمعة في التاسعة صباحا .
رجل الأمن الذي كان يحرس المتظاهرين قال :
ـ في المرة القادمة احصلوا على اجازة بالتظاهر ، وسوف اكون معكم ، انا ايضا سأتقاعد ، واريد الحصول على حقوقي . كنت احب ان اتمكن من السير على قدمي للوصول الى " بيتنا الثقافي " ولكن الحرارة الشديدة وغزارة العرق منعتني من تحقيق مرادي ، سارعت الى احدى سيارات الأجرة : ـ الى ساحة الأندلس ..
وهناك حيث المكان المريح ، سارعت الى طلب ما أحبه كثيرا ، فنجان قهوة مرة ، جاءت الصديقة نضال ، وانهمكنا في بعض الاحاديث ، طلبنا جهازي حاسوب ، بقيت هي مع جهازها ، واتجهت انا الى مقر الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ، لحضور ندوة تقديم كتاب ..
(8)
(الحكم والأمثال في حياتنا) عنوان الكتاب الجديد للناقد سعيد ابراهيم ، الذي يسارع للحصول على اي كتاب جديد لمبدعينا العراقيين وقراءته بإعجاب وتمعن ، قارئا وناقدا منصفا ، يمنح الكتب ما يراه من ملاحظات نقدية ، بناءة تسعد الكاتب وتدفعه الى التجويد فيما يكتب فنيا وموضوعيا ، بقيت بعض الوقت في المقهى التي، احب المكوث فيها احتسي القهوة اللذيذة التي اشتهروا بإعدادها بحيث يتميزون عن النوادي والمقاهي الأخرى التي تتبارى بإعداد القهوة التركية .. تركت صديقتي نضال مع موقعها على " الفيس بوك " وسارعت الى مقر اتحاد الأدباء ، ما زالت جلسة الساعة الحادية عشرة عن الشعر وأنواعه قائمة ، والنقاد يبدون آراءهم حول طريقة نظم الشعر ، وهل ما خلا من العاطفة والوجدانية يمكن ان يسمى شعرا ؟اختلفت الآراء وتشعبت ، وقد حضرت في الدقائق الأخيرة للجلسة ، لم أستطع ان اكون رأيا عما قاله الحاضرون . في الجلسة المخصصة للناقد سعيد إبراهيم أدار الجلسة عبد الباقي تداخل عدد من النقاد والأدباء ، ووجدوا ان الموضوع حيوي جدا ، وتساءلت المبدعة نضال محمود عن أسباب تراجع القيم التي ثبتها القدماء في مجتمعنا العراقي ودافعوا عنها ، تساءلت عن اسباب التراجع في تلك القيم في وقتنا الحاضر؟ .. اجمع الحاضرون على ان مجتمعنا القديم كان قويا متماسكا بسبب تلاحم ابنائه فيما بينهم ودفاعهم عن بعضهم البعض في الملمات والأوقات العصيبة ، وان وجود قوانين رادعة تمنع الانسان من الاساءة للآخر والتمادي بها هو الطريقة المثلى للحفاظ على تعاون المجتمع وتطوره نحو الأفضل ، وان ما نشهده من تقهقر في مختلف الميادين يعود الى الفرقة الشديدة بين أبناء المجتمع . الجلسة ممتعة ، حصلت في اخرها على كتاب المحتفى به وعدت الى "بيتنا الثقافي" وصحبت الصديقة نضال الى احد المطاعم الموجودة في شارع النضال لتناول طعام الغداء .
(9)
اتصلت بالست منى المعاونة التي قالت لي :
ـ كنت انوي الاتصال بك واخبارك ، فقد وصلنا كتاب يبين حصولك على علاوة .
ـ وهل كلنا مشمولات بهذه العلاوة ؟
ـ نعم ، جميع المعلمات اللاتي جاءتهن العلاوة في كتاب العام الماضي .
ـ احتفظي لي بنسخة من الكتاب من فضلك .
ـ من عيني حبيبتي .
خرجت هذا الصباح متوجهة الى تربية الرصافة الأولى وكنت اظن انهم سوف يزودونني بورقة الترحيل التي سآخذها الى مدير مدرستي ، فيحرر لي كتاب الانفكاك من المدرسة وكتاب آخر يتضمن براءة الذمة . اخبرني الموظف الشاب في التربية انني يجب ان اكتب المعلومات عن الراتب الإسمي والإستقطاعات في الخانات المخصصة لها في الاستمارة التي اعطوني اياها نهاية الشهر الخامس .
ـ من يكتب هذه المعلومات ؟ ألستم انتم ؟
ـ كلا .
انبرت احدى المراجعات :
ـ في الاعظمية ، في شعبة الحسابات ، اذهبي الى هناك ، واطلبي من الموظفة ان تملأ لك الاستمارة ، انا كنت هناك ، وعدت الى هنا منذ دقائق .
هرعت الى سيارة الأجرة ، لتنطلق بي الى الأعظمية ، اوصلني السائق الى المكان المطلوب وقال :
ـ هنا وزارة التربية شعبة الملفات والحسابات ، واسم الشارع عمر بن عبد العزيز ..
نزلت من السيارة ، وسألت بعض المارين من هناك عن المكان ، دلوني عليه ، كانت البناية في حالة اعادة عمران ، ارشدوني الى الغرفة التي اجد بها من يملأ لي الأمكنة الفارغة في الاستمارة .
ـ لطفا عزيزتي : هل انت الست سهيلة ؟ المحاسبة ؟ ـ نعم ، لماذا ؟
ـ اريد ان تزوديني بالمعلومات التي يطلبونها في الاستمارة .. ـ في أية مدرسة انت ؟
ـ سومر .
ـ من قال لك ان مدرسة سومر هنا ؟ اذهبي الى شارع فلسطين ، في مديرية تربية الرصافة الأولى .
ـ هم أرسلوني الى هنا !
ـ هم لايعلمون ، عودي اليهم ، واصعدي الى محاسبة مدرستكم. استعين بسيارة الأجرة لتسرع بي في الذهاب الى هناك ، تكتب لي المحاسبة المعلومات التي طلبتها ، فأعود الى دائرة التقاعد في مديرية تربية الرصافة ، واعطيهم الاستمارة وقد ملئت بكل المعلومات التي يريدونها ، يبادرني الموظف الشاب :
ـ هل زودتينا بالمستمسكات ؟
ـ نعم .
ـ متى ؟
ـ منذ ان جئتكم ، وكان علي ان اتقاعد !
يفتش الموظف في أوراقه ، تقول لي المعلمة المراجعة والتي نصحتني سابقا للتوجه الى الأعظمية :
ـ يبدو انهم أضاعوا أوراقك ، استنسخيها مرة أخرى واعطيها لهم !
يجد الموظف دفتر خدمتي بعد فترة انتظار طال امدها ،يسألني : ـ متى راجعتنا قبل الانفكاك ام بعده ؟
ـ قبل الانفكاك .
ـ هل آتي غدا ؟
ـ تعالي بعد غد ، كي اتمكن من كتابة أمر ترحيلك ، فتذهبين به الى مدرستكم ..
(10)
تصل الى علياء عن طريق البريد الالكتروني رسالة تهديد : لقد ساهمت في اغلاق الصفحة التي فتحناها لتربيتك ، انت امرأة لا تمتلك الخلق الذي تدعي به ، وتسيرين كما يحلو لك ، سوف نعيد فتح الصفحة التي تربيك ، وتظهرك امام الناس بحقيقتك الناصعة ، فأنت كاذبة وتدعين زورا ، كيف تحذفين اسم صديق وافقت على اضافته الى قائمة الأصدقاء ، وماذا فعل لك ، ارسل لك صورة جنسية وهو يعلم انت تحبين مثل هذه الصورة ، لماذا تتظاهرين بغير حقيقتك ، وان كنت قد استطعت اغلاق الصفحة التي فتحناها باسمك ، سوف نستمر على محاولة فتحها من جديد ، واظهار معدنك امام الأصدقاء الذين تتبجحين بكثرتهم ، استجابت الفيس بوك الى طلبك في الجولة الأولى وبيننا جولات أخرى كثيرة ، وسوف نلقنك درسا كبيرا ، الا تتنكري للأصدقاء ، والا تحاولي حذف صديق لم يفعل شيئا سوى نشر صورة وهو يعلم انك تفضلين مثل هذه الصور ، أثرتِ ضجة مدعية الدفاع عن المثل والاخلاق وانت بعيدة عنها ، انتظري فترة قصيرة ، وسوف تعود الصفحة باسمك من جديد ، الا ان كتبت تعهدا لنا انك سوف لن تكتبي عن امور انت تجهلين حقيقتها كل الجهل ، اكتبي لنا هذا التعهد ونحن نحذف الصفحة التي لا تحبين ان تكون باسمك ، ولا تحتاجين بعدها الى الاستعانة بمن سيقف بجانبك مؤيدا ، صديقك الذي حذفت اسمه اعلن عن حبه لك ، فلم تستجيبي للحب ، فما كان منه الا ان يرسل اليك صورة عن عمل يدل على الحب ، فما الضير في هذا ؟ لماذا سارعت بحذف اسم ذلك الصديق ؟ ولماذا تصادقين رجلا آخر وصديقك الذي حذفت اسمه قد احبك من كل قلبه ، لا تكتبي شيئا ضدنا بعد اليوم ، وسوف نطفيء النار التي تحرقك ! تتحدثين عن السمعة الطيبة ، فاكتبي تعهدا لنا بألا تقومي بعمل ضدنا ونحن سنظل أصدقاء لك ، نكن لك كل الحب.
تقرأ علياء الرسالة وهي لا تعلم من أرسلها ، وما هو قصده من ارسالها ، ولماذا اختارها هي بالذات ليقوم بتهديدها ، قال لها صديقها أحمد ، حين حدثته بأمر الصفحة :
- لماذا انت حزينة ؟ أصدقاؤك يعرفون انك لا يمكن ان تقومي بنشر هذه الصور؟ لا تبالي صديقتي واهدئي !
- ولكن لِمَ أكون انا الضحية ؟ ولماذا يقوم اشخاص مجهولون لا أعرف دوافعهم بالإساءة لي ؟
- بعضهم لا يراها اساءة ، انها وجهات نظر ، قد تتعارض في كثير من الأحيان !
- لكني انا لا احب ان تكون الصور الخادشة للحياء في صفحة تنتحل اسمي !
- استمري بالكتابة الى الفيس بوك لعلك تنجحين في مرادك .. - سوف استمر بطبيعة الحال !
(11)
المصادقة على قانون جديد للتقاعد مطلب عادل لكل الجماهير ، الالاف من المتقاعدين يتقاضون راتبا تقاعديا لا يشبع الا القليل جدا من حاجاتهم الانسانية ، يظل المتقاعد فقيرا معدما بالرغم من انه خدم الدولة بإخلاص وتفان ، يستحق معهما ان ينصف ويكون راتبه التقاعدي متناسبا مع الكفاءات الكبيرة التي ابداها المتقاعدون ومع حجم العمل الذي قدموه لوطنهم ، وان خرجت تظاهرة كبيرة للمطالبة بتحسين قانون التقاعد ، فان جميع الموظفين سوف يؤيدونها ، لانهم سيكونون ضمن جيش المتقاعدين بعد عمل مضن يقدمون به زهرات شبابهم دليلا على مدى اخلاصهم لبلدهم .. جاءني البريد الالكتروني الآتي : خرج المئات من المتقاعدين في بغداد والديوانية وذي قار وبابل ، أمس في تظاهرات مطالبة الحكومة والبرلمان بضرورة الدفع بمسودة قانون " الضمانات الاجتماعية " ـ التقاعد- إلى مجلس النواب لتشريعه . ويقول متقاعدون أنهم يتابعون عن كثب ما يحل بمسودة القانون من إهمال ونسيان في أدراج مكاتب دائرة التقاعد ثم مجلس شورى الدولة ، وأخيراً في مجلس الوزراء ، مؤكدين أن الأخير لم يرفع المسودة إلى مجلس النواب حتى الآن ، في الوقت الذي يعاني فيه المتقاعدون ارتفاع أسعار المعيشة بشكل عام ، فضلاً عن فجوة كبيرة بين رواتبهم التقاعدية ورواتب الموظفين الآخرين من الدرجات الخاصة .. في بغداد تظاهر العشرات من المتقاعدين ، في ساحة الفردوس وسط العاصمة للمطالبة بتشريع قانون التقاعد الموحد وإرساله من الحكومة إلى البرلمان للمصادقة عليه ، وأكدوا أن رواتبهم التقاعدية لا تكفي لسد المعيشة أسوة برواتب النواب والوزراء الضخمة ، مهددين بـ"الانتقام" من المسؤولين في الانتخابات المقبلة في حال لم يتغير وضع المتقاعدين في البلاد . فيما قامت القوات الأمنية في الساحة بتفريقهم لعدم حصولهم على إجازة بالتظاهر .. وتجمع العشرات من المتقاعدين قبل ظهر يوم أمس في ساحة الفردوس ورفعوا لافتات تطالب بإنصافهم ، وقال رئيس الجمعية العراقية للمتقاعدين مهدي العيسى :
" نتظاهر للمطالبة بتشريع قانون التقاعد العام ، لأن صبر المتقاعدين نفد وضاقوا ذرعا بسبب معاناتهم من المعيشة ورواتبهم التقاعدية القليلة "..
وجدت علياء نفسها متعبة ، لا تعرف ماذا تفعل ، بعد ان وصلتها رسالة التهديد ، التي هددتها ان هي تحدثت سوف يعودون الى فتح الصفحة المسيئة مرة اخرى ، طلبت منها ان تصحبني الى مديرية التربية :
- لكنهم لا يوافقون على مصاحبتك ! فلست ممن يقمن بإجراءات التقاعد !
- لا بأس ، انتظري في الحانوت ريثما اعود ، وسوف نذهب معا الى تناول المرطبات ، لنروّح عن أنفسنا قليلا ، لقد أدركنا التعب !
- انتظريني نصف ساعة كي أغير ملابسي ..
هيأت نفسي للذهاب الى مديرية التربية ، كي احصل على كتاب الإحالة ، وبقيت صديقتي تشرب الشاي في المقهى ، سألني الموظف عن سبب مجيئي :
ـ قلت لي امس الأول انه ينبغي ان اراجع اليوم .
ـ هل اعطيتني الاستمارة ؟
ـ نعم .. وقد ملأت خاناتها !
ـ انتظري قليلا ، ريثما انتهي من مراجعة أوراق المعلمات الواقفات ..
يطول انتظاري ، اين قرار احالتي على التقاعد ، وقد أوشك الوقت على الانتهاء ، يطمئنني الموظف :
- لقد طبعت امرك .
يلتفت الى الموظف قربه متسائلا :
- هل اتيت بالصادر ؟
- لا ، سوف اتي به الآن .
يغيب الموظف قليلا ثم يعود وبيده بعض الأوراق :
ـ ليس قرار ترحيلك مع هذه الأوراق امي .
يفتش الموظف المسؤول في غرفة التقاعد عن قرار احالتي ، فلا يعثر له على اثر ، يذهب مستفسرا الى مكتب المدير العام والى غرفة الصادر ، فلا يجد القرار ، يؤكد قائلا :
ـ لقد طبعته بيدي امس ، اين يمكن ان يكون ؟
يفتش في الأوراق المتناثرة على المكاتب ، وفي الأدراج وفي دفاتر المعلمين المحالين الى التقاعد ، فلا يجد القرار ، تقول له الموظفة التي تكبره في السن والخبرة :
ـ اطبع القرار مرة ثانية !
ـ وهل اقوم بطبع قرار واحد مرتين ؟
ـ انه لم يذهب الى الصادرة وهذا هو المهم !
يقوم الموظف بسحب القرار الذي كان قد طبعه سابقا ، ويسارع الى غرفة المدير العام للتوقيع ، لكنه يعود قائلا :
- خرج المدير العام قبل دقائق من وصولي اليه .
- هل انتظر ؟
- ربما لن يعود هذا اليوم ، تعالي غدا!
- في اية ساعة ؟
- في العاشرة ..
ثم يستدرك :
ـ خذي رقم هاتفي واتصلي بي قبل المجيء غدا .
اجد صديقتي علياء وقد فارقها الصبر ، نخرج من المديرية ، نذهب الى الباب المعظم في احدى الحافلات الكبيرة ، نتمشى هناك ، ندخل السوق ، نتفرج على البضائع ، نشرب لبن اربيل المثلج ، نتعب من السير ، نقرر العودة الى منازلنا ، أسأل علياء: ـ متى يعود زوجك عادة الى المنزل ؟
- حين يتعب من الأصدقاء وأحاديثهم المتكررة ، يقرر العودة. - هل يعطيك المصروف ؟ وانت بعد لم تعثري على عمل مناسب ؟
- لا يعطيني شيئا !
- وكيف تتصرفين ؟ وتدبرين امور المنزل؟
- اختي تعطيني النقود دائما ، واصرفها على ما احتاج اليه من اجور الهاتف ، والمواصلات واشتري بعض الفواكه واللحوم والخضروات ، فهي ضرورية .
- ولماذا لا يعطيك زوجك النقود ؟ وقد وقفت بجانبه دائما ، وكل راتبك تصرفينه على المنزل حين كنت تملكين عملا.؟
- لا أدري ، هو لم يعطني المال أبدا منذ زواجنا وحتى اليوم ، كنت دائما اصرف راتبي على المنزل وما احتاج من نقودي ، وعائلتي كانت تمدني بالمال ايضا ..
- اذن انه خطؤك صديقتي العزيزة ، لقد تعود زوجك ان يحتفظ براتبه له وان تصرفي راتبك انت على البيت ، ألم تكوني تعلمين ان الرجل يجب ان يصرف على المنزل ، والمرأة تساعده ، لا ان تقوم هي بالإنفاق عليه ، لماذا اذن يقولون ان الرجال قوامون على النساء ، ما هي القوامة ؟
- رفضت مبدأ القوامة منذ البداية ، كنت اعمل وكان راتبي اكبر من راتب زوجي ، لهذا كان انفاقي اكبر من انفاقه ، وقد فقدت عملي قبل وقت قصير ، عندما تخلصت الشركة من بعض موظفيها ، وأدخلت بدلا عنهم أقرباء المدير ووكيل العمل ... - تعالي معي الى منزلي اليوم ، فزوجك يتأخر في العودة وليس عندك اعمال تقومين بها في منزلك ...
- ليس اليوم ، غدا أزورك ، سوف أعودُ الى منزلي الآن ، عندي أشغال ، وعلي انجازها ....
(12)
اتصلت بي صديقتي الست زينب ، وأخبرتني ان الرواتب ستكون في 26 من هذا الشهر ، اخبرتها انه علي ان اذهب الى التربية للحصول على قرار احالتي على التقاعد ، قالت لي : ـ اذهبي الى التربية اولا ، ثم احضري الى المدرسة .. في الساعة التاسعة صباحا اتصلت بالموظف الجديد في قسم التقاعد :
ـ هل اتي الآن للحصول على قرار احالتي على التقاعد ؟ ـ انتظري ، واتصلي بي بعد ساعة ..
بعد اقل من النصف ساعة يتصل بي الموظف :
ـ تعالي الآن ان كنت ترغبين .
أسارع الى احدى سيارات الأجرة ، أسأل عنه ، لا أحد يعرف ، وارى الازدحام شديدا ، محالون على التقاعد يريدون اكمال معاملاتهم ، يأتي الموظف الجديد ، وينهمك في الرد على الهاتف ، اراه يسجل رقما وتاريخا في قطعة من الورق صغيرة ، وبعد ان ينتهي يقول لي :
ـ لحظة من فضلك ..
يستخرج القرار ويعطيه لي قائلا :
ـ استنسخيه وعودي به لي ..
اخذت نسختي والنسخة الأصلية لأعطيها لمدير مدرستي ، وتوجهت نحو المدرسة .. كان استقبال المعلمات حافلا ، ترحيب كبير برؤيتي ، وأسف على فراقي ، قبلات كثيرة ، من جميع المعلمات ، طلبت من المدير ان يكتب لي كتاب الانفكاك من المدرسة وان يبين عليه تاريخ 30 من شهر حزيران ، لكنه قال كلاما اقنعني كثيرا :
ـ لا يمكنني ان اكتب لك الآن ، لأنني سوف اكتب بعد اليوم كتبا ادارية أخرى ، وسيكون الرقم والتاريخ بعد 30 من شهر حزيران .
ـ اكتب لي كتاب الانفكاك ، ولا تضع الرقم والتاريخ ، وسوف اتصل بك يوم الأحد 30 حزيران قبل الظهر ، لأستفسر عن الرقم والتاريخ .
أعطاني المدير الكتاب الذي يبين تاريخ انفكاكي من المدرسة ، قرأته ، فوجدت ان تاريخ ميلادي 1-7-1955
ـ تاريخ ميلادي خطأ..
ـ انه مكتوب في كتاب الاحالة ..
ـ القرار الذي اعطوني اياه خاطيء بالتاريخ ولم ألحظ ذلك لشدة رغبتي في انهاء معاملاتي بسرعة ..
اتصلت هاتفيا بالموظف الجديد وأخبرته بالأمر ، فاستغرب ان يقعوا بالخطأ ، طلبت منه ان ارى القرار بصورة صحيحة صباح الغد .
خرجنا من المدرسة الساعة الثانية عشرة، كنت مع زينب وايمان في سيارة الأستاذ أحمد الذي اوصل الست ايمان والست زينب قريبا من منزليهما،ولم يستطع توصيلي قريبا من سومر، قلت له:
ـ لابأس انزلني هنا .
اوقفت سيارة اجرة ، اراد السائق ان يعود ادراجه الى جامع النداء ، استفسرت عن السبب ، اخبرني السائق :
ـ هناك مظاهرة في الصليخ تطالب بتحسين مستوى الخدمات ! تحدث السائق عن تردي الاوضاع بالعراق ، كما يفعل السواق عادة ، وأسهب في انتقاد الأوضاع السيئة التي يعاني منها الجميع... اتصلت بالعزيزة علياء ، وجدت انها ما زالت في عين حالتها البائسة من انعدام العمل وشحة النقود وبخل الزوج الدائم والذي يسبب لها ألما ممضا.
(13)
لم اسارع في الذهاب الى مديرية التربية كما افعل عادة ، بل تناولت فطوري ، واخذت حماما باردا ، كي ينعشني هذا الصباح ، واطلعت على بريدي الالكتروني ، وجدت رسالة من العزيزة ناهدة ، فأجبت عنها ، ثم خرجت في سيارة أجرة متوجهة الى مديرية التربية ، ما ان رأتني الموظفة في غرفة التقاعد ، حتى قالت :
ـ هل تعرفين أين وجدنا قرار احالتك القديم ؟ وجدناه بين الأوراق على هذا المكتب ، انه قرار صحيح ، كتب به تاريخ ميلادك الصحيح ، خذيه الآن واذهبي الى مدرستك ، وعودي الينا في يوم الأحد بعد الظهر .
الحرارة مرتفعة ، استنسخت قرار الاحالة الصحيح ، وركبت احدى الكيات المتوجهة الى الشعب ، انتظرت فترة خلتها طويلة جدا ، بهذا الجو الصعب والقاسي الذي يجعل التنفس صعبا والرؤية عسيرة على المرء ، لكن الركاب لم يأتوا الى الكيا ، ففكرت في نفسي :
- لماذا اعاني شدة الحر؟ أمن اجل ألفين من الدنانير؟ الكيا تكلفني الف وسيارة اجرة من سومر الى بيتي تطلب ألفين ، فلأركب سيارة اجرة توصلني الى المنزل في هذا الحر اللافح ، ولكن السائق بادرني قائلا :
- هل يمكنني اليوم فقط الا اوصلك الى المنزل ؟ الاستدارة الى الجانب الآخر تتعبني جدا ، هذه المرة فقط ؟
وافقت على طلبه ، ويممت وجهي الى حانوت البقالة ، فاشتريت بعض الفواكه والخضار ، ثم توجهت الى حانوت ابي عبد الله ، فاشتريت الحليب وقطع الدجاج المغلف بفتات الخبز ، سالته :
- هل عندك كبة برغل بالدجاج ؟
- لا ، عندي باللحم ..
غادرته وذهبت الى المنزل ، اردت ان اتصل بالمدير لأخبره انني اتيت بالقرار الصحيح ، لكني وجدت الهاتف مغلقا، وعرفت ان المدير في قاعة الامتحان في هذا الوقت ، اتصلت بالصديقة زينب ، فلم تسمعني ، اتصلت بالست منى ، فلم تجبني عاودت الاتصال بعد فترة ، فكتبت لي رسالة هاتفية تقول انا في دورة : ( حبي لا أستطيع الكلام ) ..
هيأت الطعام الذي اعلم ان صديقتي علياء تحبه . اتصلت بي علياء :
- هل انت في المنزل ؟
- نعم ، اسرعي في المجيء ، لقد أوشك الطعام ان ينضج !
- هل هيأت الطعام الذي احبه ؟
- نعم ، سوف تعضّين اصابعك تلذذا !
اغلق سماعة الهاتف ، اخرج كبة الدجاج من التجميد كي يتسنى لي قليها ، اضع جدر الدولمة التي سبق لي تجهيزه على نار هادئة ..
افتح المسجل على اغان اعرف ان علياء تفضل سماعها .. تأتي صديقتي ..
نتحدث في مواضيع عديدة ، تخبرني ان زوجها سطا على مبلغ اعطتها اياه أختها قبل فترة قصيرة معللا ان اختها لولا ارتباطها به لما أعطتها النقود ، فالنقود توهب من اجل بناء الأسرة . احاول تهدئتها وجعلها تنسى واقعها المؤلم وان تتعايش معه ان كان ليس باستطاعتها تغييره !
(14)
اجلت التظاهرة التي كان من المقرر القيام بها يوم الجمعة ، اتصلت بمدير جمعية المتقاعدين واخبرني انه لا تظاهرة يوم الجمعة ، وسوف يعين لها وقت آخر ..
الجلسة في مقهى المركز الثقافي البغدادي كانت هادئة جدا ، طلبت فنجان قهوة وكان كعادتهم هناك باردا وسيء المذاق ، جلس معي بعض الكتاب ، وجاءت الصديقة نضال ، ثم شاركتنا الجلوس على الطاولة الست ابتهال التي حثتني على ضرورة الكتابة للجريدة التي تشتغل فيها . قبل الظهيرة خرجت مع السيدة نضال الى " بيتنا الثقافي " انتظرنا زوجي قليلا وما ان وصل حتى ذهبنا الى احد المطاعم المنتشرة في شارع النضال ، ثلاثتنا تناولنا طعام الغداء ، وعدنا بعد الغداء الى "بيتنا الثقافي" لتناولنا اقداح الشاي ، غادرنا زوجي الى عمله ، وبقيت مع السيدة نضال ، التي كانت تشكو كثيرا من شدة الآلام ، لم تشأ ان تطلب جهاز الحاسوب من ادارة المنتدى كما تفعل عادة ، لأن ألمها كان كبيرا كما تنطق بذلك العلامات الدالة في الوجه والصوت ، هذه السيدة تعاني الغربة وتعيش بعيدا عن ابنتها التي تقطن في دولة عربية ، هي مثلي تماما ، احيا في العراق ، وقلبي مع ابنتي وابني الساكنين في بلاد بعيدة..
وفي ظهيرة اليوم نفسه كان الاحتفال في " بيتنا الثقافي جميلا " كرم المشاركون في حملة الانتخابات التي استطاعت ان تمنح التيار الديمقراطي بعض المقاعد في مجالس المحافظات ، مما يجعلنا نأمل في بعض التغيير نحو تحسن الواقع المعيشي في الوطن الحبيب ، وزعت شهادات التقدير وجوائز بسيطة من الساعات على الناشطين الذين استحقوا التكريم ،وعزفت الألحان الجميلة ، واستمعنا الى الأصوات العذبة وهي تنشد اغانينا العراقية بأدائها الرائع ..
في صباح السبت كانت جلستنا مع الألحان ونظرة المذاهب الاسلامية الى هذا اللون من الفنون ، واستعرض الفنان ستار الناصر اراء المذاهب الاسلامية الأربعة في الغناء ، وهي تجمع على ان الغناء لون من الفسق ومن الصحة تجنبه والابتعاد عنه، لم يكن الحاضرون كثيرين في تلك الاصبوحة ، عشرات من متذوقي اللحن الشجي لبوا دعوة الناصر الى هذا اللقاء الجميل .. بعد الجلسة استطعت ان اصلح حاسوبي الذي كان يرتكب الأخطاء في بعثرة حروف كلماتي التي اكتبها ، و ينتج حروفا مبعثرة الواحد تحت الآخر ، مسحها احد مديري مقاهي الانترنت في بغداد ، مما تسبب في فقدان فصول طويلة من روايتي التي اسهر على كتابتها منذ عامين ..
اتصلت هاتفيا بمدير المدرسة سائلة اياه :
- هل ستأتي صباح يوم الأحد الى المدرسة ؟
- لا ، عندي امتحان ..
اتصلت بالست منى ، اخبرتني انها ستكون بالمدرسة في الحادية عشرة ، وهذا ماكنت اريده ..
(15)
لم اقم من فراشي بسرعة كما هو المعهود في أيام الدوام ، بقيت راقدة في الفراش ، جاء زوجي :
ـ ألا تقومين ؟ انتهيت من كل الاعدادات ، صعدت الماء الى الخزان ، عملت الشاي ، سخنت الخبز .
قمت أنا ، لأغسل وجهي واقرأ بريدي الالكتروني ، اخرجت صحن الخضروات من الثلاجة ، وقطع الجبن الأبيض الخالي من الدسم ، ورغيفين من الخبز الأسمر ، وقليلا من الزعتر ، قشرت برتقالة ، وأكلتها على الريق ، وناديت زوجي ، كي نتناول فطورنا معا ، احرص على ان يكون الطعام صحيا . خرجت للتسوق ، ذهبت الى حانوت البقالة ، واشتريت حقة من الرقي ، وضعته في الثلاجة ، التي أصبحت لا تبرد ، الماء أضعه في قسم التجميد أولا ، ليكتسب بعض البرودة ، ثم انزله الى الرف الأسفل .... استأجرت سيارة صغيرة ، لتوصلني الى مدرسة الرسول ، وصفت الموقع ليتمكن السائق من معرفة المكان ، لم يستطع السائق ان يوصلني الى مكان المدرسة ، فطلب مني النزول قبل ان نصلها ، وهناك وجدت ان اغلب المعلمات قد غادرن المدرسة ، ولم تبق الا الست منى ، والست ام مريم والست نبراس والست نور، اربعة من العنصر النسائي ، بينما الرجال كانوا حاضرين كلهم ..
كتبت لي الست منى كتاب الانفكاك وبراءة الذمة ، وودعت صديقاتي العزيزات وأسرعت الى مديرية تربية الرصافة ، علني احصل على التقاعد بلا تأخير ..
استنسخت الكتب التي حصلت عليها من المدرسة ، تعلمت ان اقوم باستنساخ كل الأوراق خشية ان يضيعوها ويقولون لي : - لم تأتي بها الينا..
لم اجد الموظف الجديد في غرفة التقاعد ، كما كنت ارجو ، اخبروني انه يحضر اجتماعا ، احببت ان اكسب الوقت وان اسارع الى المحاسبة ، لتؤكد لي براءة الذمة من اموال الدولة ، وانا جالسة انتظر قدوم الست حنان المحاسبة ، جاءت الست باهرة ، وطلبت مني ان اوصل اوراقها الى الست حنان .
عدت الى غرفة التقاعد ، كان الموظف الجديد موجودا بها ، وجمع من المحالات على التقاعد يطلبن انجاز معاملاتهن ، استلم الموظف أوراق الموظفات وقال لنا :
ـ تعالين جميعكن يوم الأربعاء القادم!
(16)
الوقت طويل حتى يوم الأربعاء ، كيف يمكنني ان انتظر هذا اليوم ، وكيف ستكون اجراءات التقاعد ، كل متقاعد يذكر لي حقيقة تختلف عن حقيقة الآخر ، بعضهم يقول ان معاملة التقاعد لديه لم تطل كثيرا ، عشرة أيام وتنتهي المعاملة ، وارتاح من عناء العمل والانتظار ، والبعض الآخر يقول ان معاملته التقاعدية استمرت شهورا طويلة ، وانها لم تنجز حتى تدخّل لصالحه علية القوم ، لا أريد احدا يتدخل في معاملتي وسوف اصمد حتى احصل على التقاعد وأسافر لرؤية اولادي فقد اشتقت اليهم كثيرا !
***
قالت العاملة : - ماذا نفعل بحياتنا البائسة ؟ لا ماء ولا كهرباء ولا راحة ، أشتغل مثل الحمار طول النهار ، وتكون اجرتي عشرة آلاف دينار في اليوم ، اية بشاعة هذه ؟
صاحبة الصالون لم تأتِ بعد ..
ـ محظوظة ! تظل نائمة ! وأنا أكرب ، اتحمل مشاق الأعمال من كنس ومسح وتنظيف ، قبل ان تأتي المسعدات ، فأقوم بتلبية ما يحببن ! وانا صامتة ! لو كانت واحدة غيري في هذا المكان لما اتصفت بالأمانة وحسن الخلق ، والمحافظة على زبائن الصالون ، وأثاثه ، لم اتذمر أبدا ، مهما كان ، ومهما أسيئت معاملتي ، اكون مبتسمة دائما , أرحب بالزائرات القادمات بأحسن الكلمات وارقاها .
- اين تسكنين ؟
- اسكن في بقعة مشؤومة ، الجيران مزعجون ، وصاحب المنزل يأتي مهددا ومتوعدا ، ان تأخرنا يوما في دفع الايجار! - مع من تعيشين ؟
ـ مع اهلي ، عائلة مسكينة ، رماها الدهر في أنياب الفقر ، وأرهقتها الحاجة .
- وماذا يشتغل ابوك ؟
- عامل بناء ، اتعبه العمر والمرض وطول الحرمان ، ولم يعد قادرا على مواصلة العمل ، اطلب كل مرة العمل في مكان آخر ، علني احظى براتب تقاعدي مثل خلق الله ، فالراتب مهما كان ضئيلا ، فهو أفضل من الحرمان ، واخي متقاعد ، راتبه مائتا الف دينار ..
- وهل يكفي راتبه التقاعدي للعيش ؟
- لا يكفي لشيء ، يظل منتظرا شهرين كاملين حتى يستلم اربعمائة الف دينار ، لا يمكن ان تشبع حاجاته الكثيرة ، اسرتنا كبيرة ، عدد الأولاد اربعة ، اثنان منهم يشتغلان ، واثنان عاطلان ينتظران رحمة تنزل من الله علينا ، ولا أدرى متى ؟ - كوني مع الآلاف، وناضلي معهم لتحسين راتب اخيك التقاعدي ، وجعل حيواتكم احسن مما تعيشون الآن ، فالحياة لا يمكن ان تتقدم الا بالنضال الدائم ، والاصرار على التقدم ، كثير من المتقاعدين رواتبهم قليلة جدا ، لا تفي بالاحتياجات الكثيرة ، التي تتطلبها الحياة ، والعاطلون يجب ان يجدوا اعمالا مناسبة لهم ..
تدخل عدد من النساء صالون التجميل فتكف محدثتي عن الكلام ، وتوجه حديثها للداخلة الأولى :
ـ ماذا تريدين حبيبتي؟
ـ قص الشعر!
ـ وأنت عيني ؟
ـ تنظيف الوجه..
تنهمك العاملة في أشغالها المتواصلة ، وهي تأمل بفرج قريب ..
(17)
كعادتهم معنا دائما ، كلامهم سراب ، ووعودهم عراقيب ، استقل سيارة الأجرة صباح اليوم عسى ان احقق شيئا مفرحا هذا النهار ، يستقبلني الموظف الشاب مبتسما :
ـ لا تواقيع هذا اليوم ، المدير العام ليس موجودا..
ـ هل اتي غدا ؟
ـ ليس في الغد ، لماذا تأتين وتتعبين ، تعالي يوم الأحد ..
سائقو سيارات الأجرة ينادون الراكبين ، من يبدد نقوده في هذه الأيام ؟ سمعت سائق الكيا ينادي راكبيه :
" الشعب ، الشعب ، الشعب !" ..
لم اجد أحدا من الركاب ، اشتريت قنينة ماء باردة جدا ، وقبل ان أنتهي من شربها ، اخذت برودتها تخف شيئا فشيئا ،حتى صارت قريبة من السخونة ، رميتها ، ونزلت من الكيا ، واشتريت قنينة ماء أخرى .
ركب السيارة خمسة ركاب ، فانطلق السائق بنا قائلا :
ـ هذا يكفي هذه الساعة ، لا أحد يتحمل الحر!
نزلت في بداية حي سومر ، وجدت الوقت مبكرا ، فعرجت على المستوصف ، تغييرات كثيرة حدثت ، فكرت ان أدخل ، لم اجد مدخل النساء ، سألت الحرس الواقفين :
ـ عم تسالين ؟
ـ عن العيادة الشعبية ؟ متى تفتح ؟ ومتى تغلق أبوابها ؟
ـ ماذا تريدين منها ؟ تفتح في الرابعة بعد الظهر ، وتغلق في السابعة .
ـ طبيب الأسنان .
ـ طبيب الأسنان في الصباح ، ولا يوجد في فترة ما بعد الظهر!
فكرت ان اواصل السير على قدمي ، للوصول الى المنزل ، فالرياضة مفيدة جدا ، في مثل حالتي ممن يعانون من الدوالي والشرايين ، ولكن الحرارة المفرطة جعلتني لا أستطيع مواصلة السير ، فاستأجرت سيارة لتوصلني الى المنزل ..
اتصلت بشقيقتي رغبة في اخبارها بالجديد من الأمور ، لم اجدها ، كررت الطلب ، قالت لي :
ـ انا في النجف الآن ، ولا أسمع ما تقولينه.
لقد ذهبت لوحدها بعد ان رأت انه لا يمكنني السفر معها في هذا الحر الحاد جدا .. اتصلت بشقيقة المرحوم سعدي :
- لا يمكن ان يعطوك التأشيرة ، ذهبت الى الأردن ولم يعطوني ، قالوا لي ان كان عندك اقامة في الأردن نعطيك..
- متى ذهبت اليهم ؟
- قبل ستة شهور .
- لكنني اريد السفر، أشتاق الى ولدي وابنتي كثيرا ..
- وانا أيضا أشتاق الى اولاد شقيقي ..
- ما العمل اذن ؟
- سوف اتصل بك اليوم مساء ، علني احصل على ما اريد..


(18)
علياء في وضع مؤلم جدا ، زوجها اخذ يتخاصم معها كل يوم طالبا منها ان تعطيه النقود ، وهي قد فقدت عملها وليس عندها ما يكفيه ، فهو يشرب ويلعب القمار ولا يعطيها شيئا من راتبه ، بل يذهب الى السوق لوحده ويشتري قليلا من الطعام لا يمكنها ان تكتفي به ، وتلجأ الى اسرتها واخوتها علهم ينجدونها ببعض النقود ، فهي تحتاج الى اللحوم وان لم تتناول المقدار الذي يحتاجه جسمها ، فإنها تصاب بالانيميا ، كما انها بحاجة الى الفواكه والخضروات لئلا تصاب بالجفاف ، وقد اقبل الشتاء وهما بحاجة الى سخان للماء ، تعطيها شقيقتها بعض النقود ، تذهب مع زوجها لشراء السخان على امل ان تدفع نصف الثمن ، والنصف الآخر يدفعه الزوج ، وحين وصلا محل الكهربائيات وكان عندها مائة ألف دينار فقط ، سألت البائع :
ـ كم ثمن السخان ؟
ـ مائة الف ..!
ـ وأخر ثمن ؟
ـ يوجد نوع آخر اقل جودة وأصغر بتسعين الف !
ينبري زوجها :
ـ لنأخذ الصغير !
ـ بماذا يفيدنا الكبير؟
ـ ادفع أنت النصف وأنا أدفع النصف الآخر .
ـ ماذا تقولين؟ ليس عندي ما أدفعه !
ـ وأنا ليس عندي عمل !
ـ وماذا أفعل لك ؟ خذي من أهلك! ما نفع أسرتك اذاً؟ لماذا تدافعين عنهم حين اوجه لهم بعض النقد؟
ينتبه البائع ، ويقول :
- ما بكما ؟ لماذا يرتفع صوتكما؟ ان كنتما لا تملكان النقود ، سوف أعطيكما السخان صدقة!
تبادر علياء :
ـ سوف ادفع لك الثمن ، انتظر قليلا!
تمنح علياء البائع النقود ، وتظل خالية الوفاض ، لا تعرف كيف تشتري ما تحتاج من طعام ، وكيف تدفع اجور الهاتف ، وتذهب الى مقهى النت ، وكيف تسدد اجور الطبيب ان شعرت ببعض التعب ، او انخفض لديها الضغط كما هي العادة دائما ..
تستأجر علياء سيارة اجرة لتنقل السخان الى المنزل ، يسارع زوجها الى الذهاب الى محل المرطبات ، ليتناول بعضها ، ويترك الزوجة وحدها لا تملك شيئا ، تصل السيارة الى البيت ، وتدفع للسائق العشرة ألف دينار وهي تندب حظها العاثر ، وتسائل نفسها ، كيف تدبر النقود للتمكن من العيش في الفترة القادمة وحتى يُقبل طلبها للحصول على عمل جديد ؟
(19)
لم تتصل بي شقيقة سعدي ، كنت أحب الحصول على من يطمئنني ، ويسافر معي الى الأردن ، لا أحب السفر وحدي ، ومراجعة السفارات والحصول على التأشيرات ، ثم التسوق وشراء ما يحب الاولاد ان أشتريه لهم ، شوقي اليهما كبير ، ولست أدري ماذا افعل ان اعتذرت شقيقة سعدي من مرافقتي . اتصلت بها هاتفيا ، فلم ترد ، انتظرت بعض الوقت ، ثم ردت هي علي :
ـ خير ؟ هل اتصلت بي ؟
ـ نعم ، ماذا قررتِ ؟
ـ بشأن ماذا ؟
ـ السفر معي الى الأردن..
- هل حصلت على التأشيرة ؟
- أخبرتني انك ذهبت بدعوة انتهى مفعولها ، وانك تستطيعين ان
تتصلي بزوجة شقيقك سعدي لترسل اليك دعوة ، وحين نسافر الى الأردن معا ، نراجع السفارة المغربية للحصول على تأشيرة الدخول الى الدولة المغربية ، وبذلك نتمكن من رؤية أحبابنا هناك ، ما رأيك ؟
- فكرة جيدة ، سوف انظر بها..
- لا وقت لدينا ، اتصلي بزوجة شقيقك اليوم !
- ان شاء الله ، سأفعل ، ولكن قدمي تؤلمني .
- لا تخرجي من المنزل ، وابقي فيه ، واتصلي بزوجة سعدي هاتفيا .
- حسن ، سأفعل .
اغلقت الهاتف ، وانا أخشى ان تغير شقيقة سعدي كلامها ، من يمكن ان يساعدني في هذا الأمر؟ من اطلب منه المساعدة ؟ فيسارع الى تقديمها لي ؟ من يحب ان يكون مع الآخر ويقدم له المساعدة ، وانا غالبا ما اعتدت المساعدة من أفراد عائلتي ، اختي رحبت بالسفر معي ولكنها قالت :
ـ هل ستتركينني هناك وتسافرين الى اولادك ؟ انت معذورة فيما تقولين ، اخشى من عدم حصولي على التأشيرة ، كيف ستحصلين عليها ؟
ـ سأفكر برفيقة تصحبني في هذه الرحلة ، التي أجدها من الضرورات جدا لي ولسعادتي ، ابني وابنتي العزيزان ، أشتاق اليهما كثيرا.
وانا في حيرتي ، تتصل بي شقيقة الراحل سعدي :
ـ سوف اصحبك في الرحلة !
ـ هل أرسلت لك زوجة اخيك دعوة ؟
ـ قالت انها سوف تذهب لعمل الدعوة ثم ترسلها لي ..
ـ جيد ، سوف نذهب للتسوق معا !
ـ سوف لا أشتري موادا كثيرة ، تكفي بعض الحلويات!
***
كنت انوي الذهاب الى وكالة السفريات بعد الساعة الخامسة ، ولكن الزميل ميثم نصحني ان اسارع بالذهاب واستفسر عن التأشيرة الى الأردن قبل الخامسة لأن الوكالة ربما تغلق أبوابها في هذا الحر اللافح ، غادرت المقهى متوجهة الى ساحة كهرمانة التي تكثر حولها وكالات الخطوط الجوية ، دخلت خطوط الامارات وسألتهم :
ـ اريد تذكرة الى الأردن ؟
ـ هل عندك تأشيرة ؟
ـ لا..
ـ التأشيرة والذهاب الى الأردن والعودة منه الى العراق تكلفك 885 دولارا..
ـ لكني سوف ادفع ثمن التأشيرة الآن ، وسأعود لاحقا لدفع ثمن التذكرة .
- لا يمكن ، جميع الأثمان تدفع معا .
- لكني لا أرغب في العودة الى العراق عن طريق الأردن ، سأختار طريقا آخر ، عن طريق ابوظبي مثلا ..
- لا يجوز .
- وهل عند خطوطكم هذه من يدلني هناك على مناطق الأماكن التي ارغب بالذهاب اليها ؟
- ليس عندنا ، نسافر بك الى الأردن ونعود بك الى العراق ، وبقية المهمات تقومين بها انت ، مستعينة بمن تعرفين من الأشخاص !
- سأعود اليكم بعد يومين ..
وفي الحر اللافح نفسه ، اعود الى مقهى "بيتنا الثقافي" حيث تنتظرني صديقتي نضال ، اجلس معها قليلا ، ونشرب القهوة المرة ، ونتبادل أطراف الحديث بعض الوقت ، حتى يأتي زوجي ، فننطلق معا الى مطعم العش الذهبي في شارع النضال ، ونتناول طعام الغداء ، فالمكان مبرد ، جميل البرودة وليس مثل الأمكنة التي اعتدت الذهاب اليها ، تشتد الحرارة بها وينغلق التيار الكهربائي وننظر الى بعضنا البعض ونحن نحترق في اتون نار حارقة للنفس والبدن والأعصاب ، ننتهي من طعام الغداء ، وننطلق عائدين الى مقهانا الجميل ، الذي يجيد اعداد الشاي والقهوة ، فنطلب شايا مرا ، ونجلس امام التلفاز لمشاهدة آخر أخبار الثورة المصرية ، معجبين بإصرار الشعب المصري الشقيق على انتزاع حقوقه والتوصل الى تحقيق حياة حرة كريمة..
(20)
لم اعد بعد الى وكالة السفريات ، لأنني لم اتم اجراءات التقاعد في مديرية التربية في الرصافة ، بسبب سفر المدير العام ، قال لي الموظف الشاب :
ـ تعالي بعد اسبوع !
وسوف اهاتف ذلك الموظف بعد اسبوع ..
لم افعل شيئا سوى انني اتردد على المقهى مرتين في الأسبوع أو اكثر .. نضال تبحث عن سكن لها عند عائلة ، في العراق لا يؤجرون المنازل للنساء ، حتى لو بلغن المائة من أعمارهن ، يظل الشك في تصرفاتهن قائما ، مهما بدت المرأة في سلوك يثير الاعجاب في التعقل واحترام رأي الناس ، الذين لا يجمعون على رأي واحد ، ان حرمت المرأة نفسها من كل الحقوق التي شرعها القانون ومنحها الله ، فهي جبانة لا تستحق الاحترام ، وان حاولت التمتع بحق لها ، تجد كل نساء الأرض يحرصن عليه ، فينظر اليها الناس وكأنها خارجة على العادات والتقاليد المتوارثة ، والتي قويت مئات المرات في يومنا هذا..
اجد نضال في "بيتنا الثقافي" كل يوم ، تستيقظ صباحا وتعجل بالخروج من منزل اختها ، وتتناول طعام الغداء وتجلس امام النت قارئة بريدها في الفيس بوك ، وتتناول فناجين القهوة وأقداح الشاي وقناني الماء ، اجدها وقد اخذت مكانها حول احدى الطاولات :
ـ هل انت هنا منذ فترة ؟
ـ منذ الصباح .
بحثت معها عن منزل يمكن لها استئجاره فصعب علي ان اجده ، سألت الأصدقاء :
ـ سوف نبحث ، اكيد اننا سنجد .
يطول البحث ولا نهتدي الى جواب شاف ، الكل يعد ولا ينفذ ، اخبرتني امس انها تغادر بغداد ان فشلت في الحصول على ما تطلب ..
اخبروني اليوم انها سافرت الى السليمانية وحصلت على منزل وعمل ، فرحت كثيرا بهذا النجاح الذي حصلت عليه ، كنت ارجو ان تطمئنني عن اخبارها ، ولكنها مضت دون اخباري وكنت ألازمها طوال الوقت وأستفسر من الأصدقاء عمن يمكنه الوقوف بجانبها . تتصل بي شقيقة سعدي :
- سوف أرافقك الى مكتب الخطوط الجوية !