البرقيّة

عمّار المطّلبي
2016 / 2 / 21

( قصّة قصيرة )
للكاتب البولوني: سلافومير ميروجيك
ترجمة: عمّار المطّلبي
............................
ما إنْ عبرنا مدينة ن. حتّى دخلنا في مروجٍ مُنبسطة نديّةٍ تتخلّلُها حقولٌ قليلةٌ لم يبقَ منها سوى أجذالٍ انتصبَتْ كأنّها رؤوسُ حُرّاس.
إنطلقتْ عربتُنا بسرعةٍ كبيرةٍ، فعبرتْ أخاديدَ و حُفراً امتلأتْ بالماء، و في البعد امتدّ لسانُ غابةٍ لم يكُنْ يعلوعلى آذان الحصانَين اللذَين انطلقا بعربتنا.
كان الطريقُ خالياً كما هو حالُهُ في ذلك الوقت من السّنة، و لكنّي فوجئتُ، بعد أنْ قطعنا مسافةً منه، بظلِّ رجلٍ واقفٍ يواجهنا، استطعتُ أنْ أميّزهُ على نحوٍ أفضل، حين اقتربنا منه .
كانَ رجلاً ذا وجهٍ عاديٍّ يرتدي بِذْلَةَ موظّف و يقفُ ساكناً على قارعة الطّريق . و حين مررنا بهِ ألقى علينا نظرةً غير مباليةٍ.
و ماكاد يختفي عن أعيننا، حتّى ظهر لنا شخصٌ آخر يرتدي بِذلةً شبيهةً بالأولى، و يقفُ هو الآخر، بلا حراك.
و إذْ كنتُ مشغولاً بتأمّلهِ لاح لي ثالثٌ ثمّ رابع .. كانوا جميعاً يقفون و قدْ يمّموا وجوهَهم شطر الطريق العامّ .. لهم جميعاً أعينٌ حزينةٌ و ملابس رثّة بالية !
و أسرَني ذلك، فانتصبتُ في مقعدي، ليكون باستطاعتي رؤية الطريق، منْ فوق كتف السّائق، على نحوٍ أفضل .. أجل لا ريب، كان باستطاعتي الآن أنْ أرى في البعد الشَّخصَ المنتصبَ التّالي .. و بعدَ أنْ مررْنا بشخصَين آخرَين، استبدّ بي فضولٌ لا يُقاوَم .. كانوا يقفون على مسافة كبيرة، أحدهم عن الآخر، لكنّها كانتْ تكفيهم لرؤية بعضهم بعضاً في وقفاتهم المُتماثلة، و لمْ يُلقوا بالاً إلى العربة أكثر ممّا يبدو على أعمدة التلغراف، حين يمرّ بها المسافرون !
و تكرّرَ المشهدُ ثانيةً، فما كُنّا نمرُّ بأحدهِم حتّى يظهرَ الآخر، و كنتُ أُريدُ أنْ أسألَ الحوذيَّ عن ذلكَ كلِّه، حينَ أشارَ هو بسوطهِ إلى الشّخصِ الذي ظهرَ توّاً، قائلاً منْ غير أنْ يلتفت:
_ " إنّهم في الواجب " !
سألتُهُ : " ماذا تعني ؟ " .
- " مثلما أقولُ لك .. لاشيءَ غير عاديّ .. إنّهم يقفونَ هناكَ أداءً للواجب " .. جي !
لمْ يُبدِ السّائقُ رغبةً في مزيدٍ من الإيضاح، أو لعلّهُ اعتقدَ بأنَّ ذلكَ لا ضرورةَ له، و راحَ يستحثُّ خيولَهُ، هاوياً عليها بسوطهِ منْ حينٍ لآخر شاردَ الذّهن. و تقدّمَتْ لمُلاقاتِنا أجماتُ علّيقٍ على جانبَي الطّريق، و أضرحةٌ، معَ شجرةِ صفصافٍ، ثُمّ تقهقرتْ إلى الوراء !
و بين تلكَ الأشياء، كنتُ أُميّزُ، في الغالب، الصورةَ الظّليّةَ لشخصٍ واقفٍ، تلكَ الصورة التي ألِفتُها الآن .
و عدتُ أسألُ السّائقُ : " ما نوع الواجب ؟ " .
- " ما تظنّهُ ؟ إنّهُ واجبٌ حكوميّ .. هو خطّ التلغراف "
هتفتُ : " ماذا ؟! " .. لكنّكَ تحتاج، لتُقيمَ خطّاً كهذا، أسلاكاً
و أعمدة !"
فرمقني الحوذيُّ بنظرةٍ، ثمّ هزَّ كتفَيهِ، و قال:
- " من الواضحِ أنّكَ غريب، فمِنْ نافلة القول، أنّكَ تحتاجُ، لتُقيمَ تلغرافاً عاديّاً، أسلاكاً و أعمدة .. لكنّ هذا تلغراف منْ غير أسلاك .. و الحقّ أنّهُ كانَ في خطّة المشروع، مثل ذلك، غير أنَّ الأعمدةَ سُرِقَتْ، و لم تعدْ، بعد ذلك، حاجة لأسلاك " .
- " لا أسلاك ؟! "
- " لا شيء غير عاديّ .. ليس ثمّة شيء منْ هذا قطّ .. جي !"
لزمتُ الصمتَ مدهوشاً، لكنّي لمْ أكن أنوي الانسحاب من الحديث.
-" و لكنْ كيف يكون ذلك ؟ .. منْ غير أسلاك ! "
-" كيف ؟ عجباً ! الأوّل يصيحُ بما اتّفق لهُ من رسالةٍ، فيسمعها الثّاني، ليوصلها إلى الثالث .. و الثالث يصيحُ بها على الرّابع .. و يظلّون يصيحون بهذا حتّى تصل البرقيّة إلى هدفها .
في هذه اللحظة، ليس لديهم شيءٌ ينقلونهُ، لكنّكَ سوفَ تسمعهم بنفسكَ، حينَ تُرسَلُ عبرهم برقيّةٌ ما " .
- " و هلْ ينجحُ تلغرافٌ كهذا ؟ "
- " لمَ لا ؟! ينجحُ حتماً .. لا شيء سوى أنّهم كثيراً ما يُحرِّفونَ صياغةَ البرقيّات، و يحدثُ الأسوأ إنْ كان أحدهم مخموراً، فإنّهُ في تلك الحالة يُضيفُ كلماتٍ شتّى على سبيل المزاح .. و هكذا تمضي الحالُ على ذلك المنوال .
ها أنتَ ترى أنّهُ لأفضل من التلغراف العاديّ ذي الأعمدة و الأسلاك، خذْ في الحسبان أنّ البشرَ دوماً أكثر ذكاء، أضف إلى ذلك أنّ العواصف لا تؤثِّر على خدمات بريد كهذا .. و ستتمّ المحافظة على الأشجار التي تُقطَعُ جذوعها لتُتَّخَذَ أعمدةً للتلغراف، و كما تعرف، فإنّ غاباتنا البولنديّة قد نقص عددها بشدّة .
في الشّتاء حسب، تعيقُ الذِّئابُ المهمّة قليلاً .. جي ! "
سألتُهُ : " حسنٌ .. لكنّ هؤلاء النّاس أهُم سُعداءُ في عملهِم ؟ "
- " لمَ لا ؟ العملُ ليس صعباً .. فليسَ على الشّخص المعنيّ سوى تعلّم بعض الكلمات الأجنبيّة . و لقد ذهب منذُ أيّام مدير دائرة بريدنا إلى وارشو، ليجلبَ معدّاتٍ جديدة .. إنّهم سيعطون الرّجال أنابيب حديثة، حتّى لا تنفجر منْ شدّة الزعيق .. جي ! "
- " و لكنْ لنفترض أنّ أحدهم كان بهِ صَمَم؟ "
- " لا يُستخدَمُ الصّمُّ في هذا العمل، و لا مَنْ به لثغة، فذات مرّة أُدخِلَ رجلٌ به تأتأة، لكنّهُ سرعان ما طُرِد حين سدّ الخطّ، و يقولون إنّ هناك، في الكيلومتر العشرين، شخصاً كان في مدرسة المسرح يصيحُ بصوتٍ جَهوَريّ، أشدّ وضوحاً منْ سواه من الرِّجال " .
لذْتُ ثانيةً بالصّمتِ و قدْ أربكتني هذه المناقشات، فلمْ أعدْ أُلقي بالاً إلى أولئكَ الرّجال الواقفينَ على جانب الطّريق، و راحت العربةُ تثِبُ عبر الممرِّ الضيّق، متّجهةً نحو الغابةِ التي ما فتأتْ تزدادُ اقتراباً .
قلتُ محاذراً : - " حسن .. و لكنْ ألا تُفضِّل تلغرافاً جديداً مؤلّفاً منْ أعمدةٍ و أسلاك ؟ " .
إستدارَ السّائقُ، و قالَ بحدّة :
- " لا سمحَ الله ! ألا ترى أنّ منَ السهلِ بهذه الطريقة الحصول على مهنة في دائرة البريد التي تجاورنا، و فوق ذلك، فإنّ باستطاعة الرّجل العمود أنْ يكسبَ شيئاً إضافيّاً .. فحين تكون البرقيّةُ ذات أهميّة شديدة، فإنّ مرسلَها يحرصُ على ألّا تُحرَّف، فتراهُ يؤجِّرُ عربةً، و يقطع عشرة كيلومترات، أو خمسةَ عشَر كيلومتراً، نافحاً كلَّ رجلٍ، على جانب الطّريق، بعض النّقود ..
أجل .. التلغرافُ منْ غير أسلاك، أمرٌ مختلفٌ تماماً .. أكثر تقدّماً .. جي ! " .
و منْ وراء صرير العجلات، باغتنا صوتٌ يُشبهُ صرخةً واهنة .. كان شيئاً ما بين ضجّة الرّيح و ترنيمة حزينة نائية .. كان أشبه بِ آآ ي ي يو !
إستدار السّائقُ منْ فوق مقعده، و أرهف سمعه:
- " إنّهم ينقلون رسالة .. دعنا نتوقّف، لنسمعَ بصورةٍ أفضل ! "
و حين توقّفت القعقعةُ الرّتيبةُ للعجلة، ساد صمتٌ مُطبقٌ على الحقول .. و في ذلك الصّمت انبثقت صيحةٌ سارتْ تُجاهنا .. صيحةٌ أكثرُ وضوحاً ممّا سمِعتُ .. صيحةٌ تُشبهُ نداءَ الطّيور في المستنقعات .
و كوَّرَ الرّجلُ العمود كفّهُ و وضعها على أُذُنه ..
همس الحوذيّ : - " ستصلُ إلينا الآن .. بين لحظةٍ و أخرى "
و حدث ذلك بالفعل، فما كادت أواخر الصّيحة ( آ - آ ) تتلاشى، حتّى تردّدتْ، منْ وراء مجموعة الأشجار التي كنّا نعبرها، هذه الجملة:
- " مات أبي .. الجنازة الأربعاء ! "
تنهّد الحوذيّ، و قال: " ليُرح الله روحه ! "
و لم يلبث أنْ هوى بالسّوط على الحصانَين !
....................
هامش
سلافومير مروجيك كاتب بولوني، له أكثر من مجموعة قصصيّة و مسرحيّات عدّة، منها مسرحيّة " البوليس " التي قُدِّمَتْ في وارشو عام عام 1957م و نُقِلتْ إلى التلفزيون، و هذه القصّة القصيرة منْ مجموعته " سلون " التي تُرجِمَتْ إلى اللغة الإنكليزيّة.
* جي : صيحة يُطلقها الحوذيّ، ليحثّ بها الأفراس.