حرب بلا حدود

بدر الدين شنن
2016 / 2 / 15

ما حدث ويحدث في سوريا ، منذ خمس سنوات إلاّ قليلاً ، من إشعال حرب كارثية ، والتباس خلفيات وأهداف القوى المتعددة المتصارعة المشاركة فيها .. ومآل تداعياتها ، وارتداداتها ، واختلاط المحلي والدولي في حركتها وانعكاساتها بلا حدود ، هو أمر غير معروف أو مألوف في مجريات التاريخ المعاصر ، وهو مستثنى من معايير الحروب السابقة ، ومن مفاهيم النظريات السياسية ، ومجالات علم النفس الجمعي . ذلك أن الحدث السوري .. يبدو سورياً وليس بسوري .. وحرباً أهلية وليس بحرب أهلية .. داخلي وخارجي في آن .

إنه ذروة التناقضات في عالم ، فاقد للتوازن ، والقطبية الدولية النافذة .. عالم لا يتضمن وعداً بالأفضل ، ولا يملك القدرة على معالجة الأسوأ .

من الممكن القول أنه ثمرة تفرد النظام الرأسمالي ، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ، في السيطرة على العالم ، بكل قوانينه ، وتناقضاته ، وأزماته ، وسوء توزيع فائض القيمة المنتج ، والتكالب على تحقيق المزيد من التراكم ، والكنز الجشع المجنون .

ومن الممكن القول ، أنه نتيجة التخلي عن الأيديولوجيا ، التي تسوغ الحياة وتصنع الحلم ، وعن اليوتوبيا الواعدة بالعدل والكرامة ، وعن الفلسفة التي تقدم الأجوبة على أسئلة الإنسان القلق الخائف ، وعن علم التاريخ الذي يحفظ ويقدم العبرة والخبرة .

ومن الممكن القول ، إنه تضخم الوحش ، لدى سادة النظام الرأسمالي ، ولدى أصحاب المشاريع الإقليمية التوسعية ، ولدى الكهنوت الديني المتطرف .. وعشاق السلطة بأي ثمن . والعودة إلى الغرائز في السيطرة ، وتكريس النفوذ ، وتكديس الثروة .

ربما هناك من التوصيف ما هو أدق ، لم يذكر سهواً أو جهلاً ، لكن هناك المزيد بالتأكيد .
بيد أن الأمر الذي لا إنكار له ، هو أن معايير ، ومظالم الاستعباد ، والاستغلال ، قد انفلتت من ضوابط الجماعة البشرية .. والعقل .. والمنطق .. والأخلاق ، وانتهكت بصفاقة ، ما جنته الإنسانية خلال سنوات مديدة ، من الشقاء والجهد ، من الإبداع العقلي ، والعلمي ، والحضاري .

* * *

وعليه نستطيع أن نفهم ، لماذا نطق قتلة الفكر والعقل ، بأن الصراع ، لم يعد صراعاً طبقياً ضد الاستغلال ، ولا صراعاً قومياً ، من أجل البقاء المتآخي في العائلة الكونية .. وليس صراعاً من أجل التخلص من التخلف والفقر ، وإطلاق القدرات والطاقات ، لنيل عطاءات أكثر ، من مقومات الحياة من الطبيعة .. وإنما هو صراع بين الحضارات . أي بداية عصر التذابح بلا رحمة ، والإ بادة الجماعية المتوحشة .. والركوع لملوك العصر .. سادة الرأسمالية الكونية .
وبأنه بإحكام سيطرة النظام الرأسمالي ، باقتصاده ,, وفكره المخادع .. وثقافته المأجورة الموجهة ، على العالم .. قد انتهى التاريخ . أي أن على شعوب العالم الخضوع .. وعدم التفكير بعالم آخر .

وبسرعة جرى التماهي في العالم المتوحش المغلق . وكان في مقدمة من تماهوا ، هم الذين استطاعوا للمعرفة ، والشهادات الجامعية ، والمنابر السياسية ، والإعلامية ، سبيلا .

وبدأ مسار فرض التطابق بين سلطات القمة الكونية ، وبقايا بؤر غير مؤهلة للتطبيع ولديها نزعات احتجاج وتمرد . وقد سخرت الآليات .. الفكرية .. والثقافية .. والسياسية .. والقهرية .. والإرهابية .. لإحداث هذا التطابق ، الذي له وصف واحد ، هو الانسحاق التام لكل الإرادات ، التي قد تحاول نقل أحلام الحرية والعدالة إلى الواقع .
وأصبح العالم كله ، في منظور المركز الكوني وجموع المتماهين به له خريطة واحدة . وكل العمران فيه بات قرية صغيرة ، وحدود الدول الوطنية فقدت مبرراتها واضمحلت ، وحل الأزلام في مواقع الحكومات بالوكالة ، محل القيادات السابقة على ظهور السطات الكونية .

* * *

في هذا العالم الغارق في ، الفوضى ، وطوفان الاستحواذ القرصني على العالم ، والإخضاع ، والخضوع التعسفي ، أتو بما سموه " ربيعاً " للبلدان العربية ، حاملاً مشروع تجديد الحكام المزمنين ، والتخلص من الاستبداد المحلي ، والارتقاء إلى مرتبة الخضوع للمستبد الكوني . وكان حصاد هذا الربيع ، عند المتماهين به .. خداعاً .. أو سخفاً .. هو الرضى بإلغاء الوطن ، والانتماء القومي ، والهوية التاريخية . والرضى بالتحول إلى مواطنين في القرية العالمية ، تحت سلطة الرأسمالية الإمبريالية . ولذا فهم يغشون ، عندما تشتد الخلافات فيما بينهم حول من يحظى بمكانة الوكيل للسيد الكبير ، بزعم أن التقاتل ، هو حول الدولة .. وبناء الدولة .. وهم يعيشون في الرحاب الكوني بلا حدود سيادية .. . وما يكذبهم ، أنهم يعتبرون من يتمسك بالدولة والحدود الوطنية ، وعدم الانصياع لإملاءات السيد الكبير خائناً . ويطلبون من السيد الكبير مساعدتهم ، في حربهم مع الآخر المتمرد عليه وعليهم .

وكان حصاد هذا الربيع عند الشعوب التي شملها بأعاصيره وتدميره ، في شمال أفريقيا ، والمشرق العربي ، هو ملايين القتلى والمصابين والمشوهين نفسياً ، وملايين أكثر بكثير من النازحين والمهجرين ، وخسائر مادية قد لا تعوض بعشرات السنين ، وخاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن .

هذه هي الكارثة الحقيقية في الحرب على سوريا . إنها حرب كونية وتسمى سورية ، وخارجية وتسمى أزمة داخلية . والكاشف لهذا كله ، أن من يتفاوض ، في اللقاءات والمؤتمرات الدولية حول سوريا ، هم كلهم غير سوريين ، بل هم ممثلو دول إقليمية ودولية . ومعظمهم مصرون بتعد وقح ، على أن يكون مصير الشعب السوري ملك أيديهم وبقرارهم ، وليس ملك الشعب السوري وبقراره . ورغم ذلك كان لابد لهذه المؤتمرات أن تفشل .. وفشلت . ومرد ذلك يعود إلى أن المجرمين الإقليميين والدوليين الذين يرون أن مصلحتهم الآن ، أن يستمروا بإحراق وتدمير سوريا ، هم مشاركون ولهم نفوذ كبير فيها . ويفخخون ، ويخربون أي حل سياسي في سوريا ، قد يتم التوصل إليه بدعم من أصدقاء الشعب السوري .

وعلى ضوء ذلك ، فإن مصير " جنيف 3 .. وميونخ بعده " لن يكون أفضل . فقبل أن يجف حبر قراراتهما ، أعلنت " المعارضة السورية في الرياض ، رفضها لما نتج عن " ميونخ " .. وكررت شروطها التعجيزية المعروفة . وبدأت تركيا والمملكة السعودية بحشد القوى الجوية والبرية بالقرب من الحدود السورية . وبدأت المدفعية التركية الثقيلة بقصف عدد من المواقع في الأراضي السورية . وحسب التصريحات الهيستيرية المتوترة السعودية والتركية ، حول مضامين الحلول السياسية في سوريا والتهديدات العلنية بالتدخل العسكري البري في الحرب في سوريا ، فإنه من الممكن أن يتصاعد هذا القصف ، ليشمل مساحات أوسع ، وربما يؤدي إلى حرب إقليمية من الصعب السيطرة عليها .

ومن ارتدادات هذه الحرب المؤسفة ، أن هناك سوريين صدقوا ، أن كل هذه الحرب .. وكل هذا الدمار .. وكل هذه الدماء .. وكل هذا التدخل الخارجي العابر للحدود والقارات ، هو نتاج أزمة التعايش فيم بين السوريين . وهذه الأزمة لاتحل إلاّ بالحرب .. وبهمجية الحرب . وهي تستدعي حتماً الاتكال على الأجنبي .. الطامع ببلادهم وثرواتها وميزتها الجغرافية .

إنها حرب بلا حدود .. بلا عقول .. بلا ضمائر .. إنها حرب اللصوص .. حرب قتلة الاقتصاد .. وقتلة السياسة .. وقتلة التمدن والتقدم .. وحرب مجرمي عملية مطابقة سوريا ومثيلاتها من الدول ، مع مصالح هؤلاء القتلة .

معظم العالم التقدمي المتمدن فهم خلفيات ومضامين وانفلاش حدود هذه الحرب . وأحياناً زلات لسان لزعماء ورموز ، في المركز الإمبريالي تعترف بقذارة هذه الحرب . وبقي السوريون المدعون فهم السياسية ، وخبرة التعامل السياسي .. لا يلتقون .. ولا يتحدثون .. ولا يتفقون فيما بينهم ، بل ويؤثرون ما يملى عليهم .. أو ينصحون به .. من خلال مؤتمر .. أو اجتماع دولي . وكأن سوريا خلت من القادة المحوريين .. ومن الحكماء والعقلاء والمبادرين . ويتركون لأمثال أردو غان وعادل الجبير ، أن ينوبا عنهم .. ويحددان .. إلحاق سوريا .. بالسلطنة العثمانية .. أو بالمملكة الوهابية .

إن عقلانية السوريين ووطنيتهم الشفافة .. وفهم ظروفهم وما يحدث حقاً في بلادهم .. يحتم عيهم .. إحداث تغيير جذري في التعامل فيما بينهم ، ويترتب عليه تنفيذ الموجبات الوطنية والشعبية ، في حرب ظالمة غير مألوفة وغير مبررة . وهذا أمر مطلوب آنياً وبإلحاح .. وهو أمر ممكن .

إن حرباً بلا حدود مفتوحة على صراعات العالم على كل المستويات ، تحتاج إلى تآخ .. ووحدة وطنية .. وتضحيات بلا حدود . ومن خلال هذا المسار فقط .. يمكن تجنب الكثير من أذى هذه الحرب وإنهائها . ويمكن أن ينجح إلى حد كبير ، الاتفاق الوطني السياسي ، حول كل ما تتطلبه الاحتياجات الوطنية .. في بناء الدولة والسلطة .. وإعادة إعمار الإنسان والعمران .