عشر قصائد للشاعرة الإيرانية فروغ فرغزاد

ماجد الحيدر
2016 / 2 / 13

عشر قصائد للشاعرة الإيرانية فروغ فرغزاد
ترجمة وتقديم ماجد الحيدر

فُروغ فُرَّغْزاذ شاعرة ومخرجة سينمائية إيرانية تُعدُّ في نظر الكثير من النقاد أهم شاعرة إيرانية في القرن العشرين وواحدة من أهم المبدعين والمجددين في فضاء الشعر الايراني. ولدت في طهران لأبٍ مثقفٍ ومحافظ وصل الى رتبة عقيدٍ في الجيش الملكي، وأكملت دراستها المتوسطة ثم التحقت بمعهد للفنون اليدوية للتعلم الرسم وتصميم الأزياء. دفعها ضيقها بالجو المتزمت المحيط بها الى نشدان التحرر بزواجها وهي في سن السادسة عشرة من قريبها رسام الكاريكاتير برويز شاهبور وانتقلت معه الى الأهواز حيث أنجبت ابنها الوحيد "كاميار" غير أن زواجها انتهى بالطلاق بعد عامين لتعود الى بيت أبيها بعد أن حرمتها المحكمة من حضانة ابنها –الأمر الذي ترك أثراً بالغاً على نفسيتها وشعرها.
في عام 1955 نشرت أولى مجموعاتها الشعرية "الأسيرة" الذي ضم 44 قصيدة تتناول في أغلبها موضوعة الحب بأسلوب تميز بشجاعة وبوحٍ قل نظيرهما في ذلك العصر وفي مجتمع محافظ كمجتمعها خصوصاً إنها صادرة من شابة مطلقة تحاول التمرد على القيود الاجتماعية وتحقق ذاتها كإنسانةٍ ومبدعة، الأمر الذي أثار ضجة شديدةً حولها تراوحت بين الإعجاب والشجب.
في عام 1958 سافرت الى أوربا حيث التقت الكاتب والمخرج "ابراهيم كولستان" الذي شجعها على شق طريقها المستقل وأدخلها الى عالم السينما فأصدرت مجموعتين هما "عصيان" و"الجدار" التي أهدتها الى زوجها السابق. و قبل أن تسافر الى تبريز عام 1962 لتخرج فلمها "المنزلُ أسود" الذي حاز على عدة جوائز عالمية ويدور حول حياة المصابين بالجذام. وخلال إقامتها القصيرة بتبريز تعرفت على الطفل "حسين منصوري" الذي أصيب والداه بهذا المرض فتبنته وحملته معها الى منزل أمها بطهران لتعوض معه بعض إحساسها بالأمومة الذي خسرته بإبعادها عن طفلها.
في عام 1963 أصدرت مجموعتها "ولادة أخرى" الذي وصل فيه شعرها الى قمة النضج والتعقيد. وفي العام نفسه أصدرت اليونسكو فيلماً عنها مدته ثلاثون دقيقة.
وشاءت سخرية الأقدار أن تموت هذه الشاعرة الشابة التي طالما تألمت من الجدران والأسوار والقيود بسبب جدارٍ لا غير! فقد حاولت وهي تقود سيارتها أن تتفادى الاصطدام بباصٍ مدرسي فاصطدمت بجدارٍ حجري وفارقت الحياة قبل وصولها المستشفى.
صدرت مجموعتها الأخيرة "فلنؤمن بحلول البرد" بعد وفاتها وعدت واحدة من أفضل الأعمال الشعرية في تاريخ الأدب الإيراني الحديث. أخرج "ناصر سفريان" ثلاثة أفلام عن حياتها، كما أخرج "عباس كيارستمي" عام 199 فلماً اقتبس عنوانه من قصيدتها الشهيرة "ستأخذنا الريح" فاز بالعديد من الجوائز العالمية، وترجمت أعمالها الى اللغات العربية والانكليزية والفرنسية والايطالية والتركية والآذرية ولغات أخرى. كما حظيت باهتمامٍ متجدد من وسائل الإعلام إثر اغتيال شقيقها الشاعر والمغني والسياسي المعارض "فريدون فرغزاد" في ألمانيا عام 1992.


(1) هدية
أتحدثُ من تخومِ الليلِ
أتحدثُ من نهاياتِ الظُلمةِ
ومن آخرةِ الليلِ ... أتحدث
...
إن جئتَ للبيت
فاجلب لي يا حبيب
قنديلاً
وشُبّاكاً أنظر منه
الى ازدحامِ الأزقة السعيدة.


(2) الطيرُ لم يكن ..غيرَ طيرٍ

الطيرُ قال : يا لها من رائحةٍ
يا لها من شمس !
آهٍ .. لقد عاد الربيع
وسأرحلُ باحثاً عن قرينةٍ
وحلّقَ الطير .. غادرَ الشرفةَ
طارَ مثلَ خبرٍ .. ومضى
صغيرٌ هو الطير
الطيرُ لا يفكر
الطير لا يقرأ الصحف
الطيرُ لا تثقلهُ الديونُ
الطيرُ لا يعرفُ الناس
الطير يحلِّقُ .. في الريح ..
وفوق مصابيح المرور
وفي أعالي الغفلةِ
ويجرِّبُ في جنون
لحظاتِ الزُرقةِ
الطيرُ .. آهٍ .. لم يكن غيرَ طير !


(3) سأُحَيّي الشمسَ مِن جديد

سأُحَيّي الشمسَ مِن جديد
سأحيي الجداولَ التي جرت في عروقي
والغيومَ التي كانت .. آماليَ الطوال
والكهولةَ الموجعة
لأشجارِ الحور التي
رافقّتْني في فصولِ الجفاف
ورفوفَ الغربان التي
دأبَتْ على إهدائي
عطرَ الحقولِ الليلي
وأمّيَ التي
أمضت حياتها داخلَ المرآةِ
وحملَتْ صورتي عند شيخوختي.
سأحيّي من جديد
الأرضَ التي تملأُ البذورُ الخضرُ
جوفَها المتَّقَد
بشهوةِ تكراري.
قادمةٌ أنا .. قادمةٌ أنا .. قادمة
بضفائري : امتدادَ الروائح
التي ترقدُ تحتَ الأديم.
بعيوني : تجاربَ الظلامِ الغليظة.
بالباقاتِ التي قطفتُها
من البرية التي خلف هذه الأسوار.
سآتي .. سآتي .. سآتي ..
وسوفَ تمتلئُ العتباتُ بالحبِّ
وأنا .. مِن تلكم العتبات
سأحيي من جديد
كلَّ العاشقين
والفتاةَ التي ..
لمّا تزل هناك
واقفةً .. عند العتبة التي تفيضُ بالحب ...
سأحييهم من جديد..
حبيبي


(4) حبيبي

بجسده العاري الجَسور
ينتصب كالموت
على ساقيه الباسلتين
وعلى محياه الصلب
خطوطٌ مائلةٌ لا قرار لها
رسمتها ذراعاه المتمردتان.
حبيبي
تظنُهُ من نسل قبيلة منسية
تظنُّ في قرار عينيه
تترياً يكمن أبداً لفارسٍ عابر
تظن في برق أسنانه الناضرة
بربرياً مسكوناً بدم الطرائدِ السخين.
حبيبي كالطبيعةِ
في قضائها المحتَّمِ الصريح.
وفي هزيمتي ...
يؤكد القانون الصادق للقوة.
حبيبي حرٌّ حتى الجنون
مثل غريزةٍ لم تُمّس
في عمقِ جزيرةٍ غير مأهولة.
إنه ينظف حذاءهُ من غبار الشوارع
بخِرقٍ من خيامٍ مجنونة.
حبيبي
مثل إلهٍ في معبدٍ نيبالي.
تظنه .. غريباً .. وحيداً
منذ ابتداء الوجود.
حبيبي
رجلٌ من قرونٍ مضت
لم يزل يتذكر جوهرَ الجمالِ الأوّل
أبداً ينشرُ من حولهِ ،
مثل عطر الطفولة ،
خاطراتٍ تضجُّ بالبراءة.
حبيبي كأغنيةٍ عذبةٍ ينشدها الرعاع
تطفحُ بالخشونةِ والعُري.
ويُخلِصُ العشقَ
لذراتِ الحياة
وذرات التراب
وأحزانِِ البشر
الأحزانَ النقيّة
ويُخلِصُ الحبَّ
لطريقٍ في جنينةٍ قرويٍة
لشجرةٍ
لعلبةٍ من المثلجات
لرتيمةٍ من قماش.
حبيبي رجلٌ ساذَجٌ
رجلٌ ساذجٌ أُخفيهِ
كآخرِ علامةٍ على دينٍ غريب
في أرضنا العجيبة المُبتَلاة ...
أخفيه في أحراشِ صدري الدافئة.


(5) الموج

في ناظري أنتَ موجةٌ
نافدة الصبرِ .. عنيدةٌ ..هادرة
وتحملُ
في كل لحظةٍ تزحفُ فيها نحو الريح
ألفَ أمنيةٍ دفينة.
أنتَ موجٌ
أنتَ موجٌ وبيتُك بحرُ الحسرة
وألوان آفاق الغد الشعثاء
تبصر نظراتك المغبرة
أنت دائم العراك
أنت لا تعرف السكون
أنت دائم الفرار من نفسك
أنت ذلك الغيم الأزرق المضطرب.
ماذا سيحدث يا الهي
لو جعلتني ساحلاً بعيداً
لأفتح ذراعي ذات ليلة
وأحتويكَ .. أحتويكَ .. أحتويك


(6) الطيورُ تموت

قلبي يملؤه الغمُّ
قلبي يملؤه الغمُّ
سأذهبُ الى الشرفةِ
وأفركُ أصابعي
بأديمِ الليلِ الصقيل
مصابيح الألفةِ انطفأت
مصابيح الألفةِ انطفأت
لن يأخذ أحدٌ بيدي
ليعرِّفني الى الشمس
لن يأخذني أحدٌ
لأكون ضيفةً على العصافير
...
ضع الطيرانَ في خاطرك
فالطيورُ تموت ... الطيورُ تُحتَضَر


(7) الدمية الميكانيكية

يمكنكِ أن تظلي صامتةً
أكثرَ مما تفعلينَ الآن.
يمكنك أن تظلي لساعاتٍ طوال
تحدقينَ بأعينٍ ساكنةٍ كأعينِ الميتين
في دخانِ سيجارةٍ
أو شكلٍ فنجانٍ
أو زهرةٍ شاحبةٍ فوق سجّادةٍ
أو خطوطٍ وهميةٍ فوقَ جدار.
يمكنك ، بأصابعَ يابسة ،
أن تسحبي الستارة الى الجانب
وتراقبي الزقاقَ الذي يهمي عليهِ المطر ،
والطفلَ الممسكَ بطائرته الورقية الملونة
واقفاً تحت الطاق ،
والعربةَ المضعضَعة
إذ تغادر الساحة الخاوية
في عجالةٍ وضجيج.
يمكنك أن تظلي دون حراك في زاوية الستارة
خرساء.. عمياء.
يمكنك أن تصرخي
بصوتٍ جدّ مزيَّفٍ .. جدّ غريب :
" أنا أحِبُّ "
يمكنك أن ترتمي بين ذراعي رجلٍ ..
إمرأةً جميلةً معافاة
بجسدٍ مثل غطاءِ مائدةٍ جلدي
وثديين صلبين ممتلئَين.
يمكنك أن تلوّثي براءة الحب
في سريرِ مجنونٍ أو وغدٍ أو سكّير.
يمكنك أن تسخري بفطنةٍ
من كلَّ لغزٍ عجيب.
يمكنك أن تحلّي كلماتٍ متقاطعةً
وأن تُسَّري باكتشاف الإجابة التافهة
الإجابة التافهة .. نعم .. خمسة أحرفٍ أو ستة.
يمكنك أن تسلخي عمرك راكعةً ، محنيّةَ الرأس
تحتَ أقدامِ ضريحٍ بارد.
يمكنك أن تريَ اللهَ في قبرٍ مجهول.
يمكنك أن تجدي الإيمان في قطعة نقدٍ تافهة.
يمكنك أن تتآكلي في حجراتِ مسجدٍ
مثلَ قارئ أدعيةٍ عجوز.
يمكنك أن تكوني محايدةً كالصفر
في الجمع والطرح والضرب.
يمكنك أن تتخيلي عينيك في شرنقة حزنهما
زرَّينِ حائلَين فوق حذاءٍ قديم.
يمكنك أن تجفّي كالماء في حفرةٍ الصغيرة.
يمكنك أن تخفي في خجل
في قعر صدرك
جمالَ لحظةٍ
كلقطةٍٍ خرقاء .. مضحكة.
يمكنك أن تعلِّـقي
في الإطار الفارغ المُضنى ليومٍ ما
صورةَ محكومٍ أو مصلوبٍ أو مغلوب.
يمكنك أن تغطي ثقوبَ الجدرانِ بالأقنعة.
يمكنك أن تخلطي بين صورٍ أكثر خواءً.
يمكنك أن تكوني
مثل دميةٍ ميكانيكية بنوابضَ تُملأ كالساعةِ
وتنظري الى العالم
بعينينِ من زجاج
وترقدي سنواتٍ وسنوات
بين الخيوط والخرز الملونة
في علبةٍ مبطّنةٍ باللباد
بجسدٍ محشوٍّ بالقشِّ.
يمكنك أن تصيحي دونما سبب
مع كلِّ ضغطةٍ من يدٍ فاسقة :
"آه .. كم أنا سعيدة ! "


(8) الجمعة

جمعةٌ مهجورة
جمعةٌ مثل دروبٍ قديمةٍ يملؤها الغمُّ
جمعةُ الأفكار السقيمة الكَسول
جمعةُ التثاؤبِ المترهل المريض
جمعة الاستسلام
جمعة الخواء .... منزلٌ مهجور
منزلٌ بليد
منزلٌ أوصِدت أبوابه
بوجهِ الشبيبةِ
منزلُ الظلمة .. وأشباحُ الشمس
منزلُ الوحشةِ والشؤمِ والتردد
منزلُ الستائر .. والمجلدات .. والدواليب .. والصور
آهٍ .. كم كانت ساكنةً طافحةً بالغرور
حياتي التي تنتهي مثل نهرٍ غريب
في قلبِ هذه الجُمَعِ الساكتة المهجورة
في قلب هذه المنازل الكئيبة الخاوية
آهٍ .. كم كانت هادئةًً ... طافحةًً بالغرور


(9) أسيرة

أريدكَ ، غيرَ أنني أدري
أن قلبي لن ينعم يوماً بعناقك.
أنتَ سماءٌ مشرقةٌ صافية
وأنا في ركن هذا القفص
طيرٌ أسير.
من خلف هذه القضبان الباردة المعتمة
أرسل صوبك نظراتي المندهشة الحائرة
وأخال أن يداً قد تمتد إليَّ
فأفرد على حينِ غرةٍ
جناحيَّ نحوك.
ويجولُ في خاطري أنني في لحظة غفلةٍ
قد أطيرُ من هذا السجن الأخرس
وأضحكُ في عينِ سَجّاني
وأبدأُ من جديدٍ .. حياتي بقربك.
أفكر في هذا وأنا أدري
أنني لا أملك الجرأة
كي أغادر هذا القفص.
وأنني ، حتى لو رضيَ سجّاني
لن أصادفَ نسمةً .. تعينني على التحليق.
قي كل صباح تضحكُ بوجهي
من خلف هذه القضبان
نظراتُ طفلٍ.
وحينَ أشرعُ قي نشيدٍ بهيج
تتقدمُ شفتاه نحوي .. وتمنحني قبلةًً.
لو أنني ، أيتها السماءُ ، أردتُ يوماً
أن أطير من هذا القفص الأخرس
ما الذي سأقول للصغير وعينيه الباكيتين ؟
أأقولُ سامِحْني ؛ فأنا طيرٌ أسير
أنا شمعةٌ تحرق قلبها لتضيءَ أطلالاً
وإذا ما اختارتِ الظُلمةَ البكماء
دمَّرتْ عشّاً !


(10) ستأخُذُنا الريحُ

في ليليَ الصغير .. وا حسرتا ..
للريحِِ موعدٌ معَ أوراق الشجر
في ليليَ الصغير
تمزقني ضربات قلبي الخائفة
أَنصِتْ
هل تسمعُ حفيفَ الظلام؟
...
مثل غريبةٍ .. أنظرُ لنجميَ السعيد
مُدمنةٌ أنا .. على يأسي.
أَنصِتْ
هل تسمعُ حفيفَ الظلام؟
ثمةَ أمرٌ ما .. يحدثُ الساعةَ في الليلِ
فالقمرُ مضطربٌ وقرمزي
وفوق هذا السقف الذي
يخشى السقوط ..
بينَ لحظٍة وأخرى
تحتشد الغيوم .. كأسرابٍ من النائحات
ينتظرن المطر
ليجهشنَ بالعويل.
لحظةٌ .. ثم لا شيء!
وخلف هذي النافذة
يرتجفُ الليلُ
والأرضُ تغادرُ دورتها.
خلف هذي النافذة
يراقبنا المجهولُ : أنتَ وأنا.
أيها الأخضرُ
من رأسك حتى الأخمصين
أرح يديكَ الشبيهتينِ بذكرياتٍ موجعةٍ
في يديَّ العاشقتين.
وضع شفتيك الدافئتين
كإحساسنا بالوجود
فوق شفتيَّ العاشقتين
فالريحُ ستأخذنا ...
ستأخذنا ... الريح.