ملخص كتاب محظور عند العرب، الجزء الثاني

توفيق أبو شومر
2016 / 2 / 13

2-5
يُرجع، عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه، طبائع الاستبداد ومصارع الفساد أسبابَ استبداد الحاكم إلى الاستبداد الديني، كلاهما يتعاونان لإذلال الرعية، والفرق بينهما أن الإذلالَ السياسي يُنهك الأجسام، بينما الإذلالُ الديني يُنهك القلوب والعقول، ويشير إلى تعاليم البوذية، واليهودية، التي تهدد أتباعها بالكوارث في الحياة، إن هم شذوا، أو كالنصرانية، والإسلام، تهددهم بعد الممات، وفي الحياة أيضا،
"والنجاة من هذا العذاب عند تلك الشعوب المُستبَدِّ بها، لا يكون إلا بواسطة، (الحُجّاب)، من الكهنة، والقسوس، وأمثالهم، ممن لا يأذنون للناس بدخول جنة النعيم، إذا لم يعظموهم، مع تذلل وإصغار، ويرزقوهم أو يقدمون لهم (رشاوى) باسم نُذُر، أو ثمن غفران، حتى أنهم يحجزون فيما يزعمون لقاء الأرواح بربها، ما لم يأخذوا عنها مكوس المرور إلى القبور، وفدية الخلاص من مطهر الأعراف)!"
ويصل إلى خلاصة تقول:
"(ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله)!"
ويشير إلى طائفة الكهنة، والقسوس، والشيوخ، وهم وسطاء باسم الأديان، ويتهمهم، بأنهم يعمدون من أجل ترسيخ نفوذهم، إلى تقسيم الناس إلى شيعٍ، وأحزابٍ متصارعين، يعادون بعضَهم بعضا
"( فتتهاتر قوةُ الأمة، ويذهبُ ريحُها، فيخلو الجوُّ للاستبداد، ليبيضَ، ويفرِّخ)!"
ويعرض الكواكبي رأي الماديين الشيوعيين، الذين قالوا: إن الدين يؤثر في الحياة الاجتماعية تأثيرا سلبيا خطيرا، يشبه تأثير المخدر:
( الدين أفيون الشعوب)
ويذهب بعضهم إلى اعتبار الدين قوة تضاد العقل والتفكير، وهو يؤيد هذه الأقوال، ولكنه يرى بأن الأديان المقصودة هي
"الأديان الخرافية، الخالية من الحكمة، أما دينُ الإسلام الموصوفُ بدين الفطرة، فلا ينطبق عليه القولُ السابقُ!"
وهو يستدرك قوله: إن الإسلام الذي يقصده،
"هو الدين الإسلامي الصحيح، وليس ما يَدينُ به أكثرُ المسلمين الآن"
أي أنه دين القرآن، المفهوم من الجميع، غير المقيد:
"(بتفصُّح زيدٍ، أو تحكم عمرو)"
ويحدد معنى الإسلام الذي يقصده:
" إذا أخذناه وقرأناه بالتروي في معاني ألفاظه، بالإضافة إلى فهم أسباب النزول، فليس في القرآن سوى حِكَمٍ جليلةٍ عظيمة" .
فالإسلام عنده دينٌ سَمْح بسيط لكل من يعي تعاليمه،
"فإنه لا يخاف من مُلِك، أو مَلِك، ولا يخشى رسولا أو نبيا، ولا ساحرا، أو كاهنا، أو شيطانا، أو سلطانا،"
والكواكبي يُبرِّئ الإسلام من أن يكون دينا كبقية الأديان، ويأسف أن يتحول الدينُ الإسلاميُ السَّمْحُ بفعل ظلم الجاهلين له، واستيلاء المستبدين عليه، أو المرشحين للاستبداد، إلى فريسة، ويأسف أن يُتَّخَذَ وسيلةَ تفريقٍ وتقسيم للأمة، حتى أنه يستخدم تعبيرا جميلا لسرقة الدين الصحيح في قوله:
(سطا عليه المستبدون)
ويتهم المستبدين الجاهلين بإساءتهم للإسلام، حين أدخلوا فيه ما ليس فيه،
حتى جعلوه دينا حَرجا، (صعبا).
ويشير إلى أبرز قضايا الدين الإسلامي خطورة، حين يَتَّهِم المتفيهقين بأنهم جعلوا كل ما دوَّنه أدعياءُ الفقه في كتبهم، ركنا رئيسا من أركان الدين الإسلامي،
" فصار هذا الدينُ السهلُ صعبا، لا يقوى على القيام بواجباته وآدابه، إلا، مَن لا علاقة له بالحياة الدنيا!
ويتعرض الكواكبي للعلوم التي يُحرِّمها الحاكمُ المستبدُ، والعلومِ التي يُشجعها، فيحدد بخبرته، وسعة أفقه، العلومَ التي لا يخشاها المستبد، وهي:
"علومُ اللغة، وعلومُ الدين المتعلقة بالآخرة"
ويجعلها عديمةَ الجدوى، لأنها لا تزيل غشاوة الجهل، وتملأ الأدمغةَ غرورا، ويُشبه المهووسون بها:
"بالسكارى إذا خمروا!"
وهو يستثني من ذلك كلَّ الذين تفيدُهم علومُ اللغة حكمةً وعلما، تنورُهم، وتُبصِّرهم، وتوسّعُ مداركهم.
والمستبدُ، لا يخاف أيضا من العلوم الصناعية، لأن أصحابَها يكونون صغارَ النفوس، مسالمين، يسعون لمصلحتهم الشخصية، ويَسهُل على المستبد شراؤهم!
أما العلومُ المرعبةُ للمستبد، فقد فصَّلها الكواكبي:
((هي علوم الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبِّرُ النفوسَ، وتوسِّعُ العقولَ، وتُعرِّفُ الإنسانَ ما هي حقوقُهُ، وكم هو مغبونٌ فيها))
ويشير أيضا إلى أبرز قضايا الاستبداد، وهي قضية، كُرْهُ المستبدِ للعلماء، "فالمستبد لا يرتاح للعلماء، لأنهم يُذكِّرونه بجهله، لذلك، فإنه يعمد إلى إذلالهم، وتقريب طائفة منهم، تتصف بالضِّعةِ والمهانة.
فهو حين يُضطر للاستعانة ببعضهم، كالمهندس، والطبيب، فإنه يختار الغبيَّ المتصاغرَ، المتملق. ويستشهد بقول ابن خلدون:
( فاز المتملقون )"
يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع