هل النظام الديمقراطي هو الأفضل دائما؟

محمود يوسف بكير
2016 / 2 / 11

عندما قام الرئيس بوش الابن باحتلال العراق برر هذا في البداية بأن الغزو الأمريكي يهدف الى تدمير أسلحة الدمار الشامل التي يخفيها نظام صدام حسين وحماية دول الخليج وإسرائيل من خطرها.
ولكن عندما تبين عدم وجود أي أسلحة للدمار الشامل غير بوش استراتيجيته بسرعة وبدأ يتكلم عن أن الغزو كان من أجل إحلال الديمقراطية في العراق وتخليصها من نظام صدام حسين الاستبدادي.

ومن بعدها وكنوع من حفظ ماء الوجه وتخفيف الانتقادات التي تعرض لها، بدأ بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس في الضغط على كل الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي لإدخال بعض الإصلاحات الديمقراطية.
ولازلت اعتقد أن بوش كان جاداَ في هذا المسعى حيث تصور أن خططه في العراق ستكلل بالنجاح وأنه سيكون بمقدوره معالجة خطأ استعجال الغزو العسكري من خلال فرض النظام الديمقراطي الغربي على العراق ثم تعميمه على باقي أنحاء المنطقة العربية. وبوش بهذا كان سيدخل التاريخ باعتباره مخلص العالم العربي من آفة الاستبداد المتأصل في أوصاله منذ الأذل.

ولكن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها حاكمه في العراق وقتها بول بريمر وعدم وجود أي مؤسسات مركزية قوية في العراق جعل من الديمقراطية أداة لتحقيق مكاسب طائفية على حساب وحدة العراق أدت في النهاية الى تفكيكه واشتعال الصراع والفوضى والخراب في جميع أنحائه.

والدرس المستفاد أن الديمقراطية يمكن أن تتحول إلى معول هدم عندما تفرض عنوة على مجتمع غير مؤهل لتحمل تبعاتها.

وبالرغم من كل هذا فإن هناك شبه إجماع في كل الدراسات التي تجرى في الغرب على أن كل الدول الديمقراطية تقريباَ أكثر استقراراَ وغنىَ وتقدماً من الدول التي تحكمها نظم استبدادية ويستوي في هذا الاستبداد الديني والعسكري والمدني والملكي .... الخ .
كما أن الدول الديمقراطية ليست عرضة للحروب الأهلية والصراعات العرقية والمذهبية وتقل فيها معدلات الفساد وإساءة استخدام الموارد الطبيعية والبشرية وذلك مقارنة بالدول الاستبدادية.

وكل ما سبق صحيح بالطبع ولكن السؤال هل يعني هذا أن النظام الديمقراطي يصلح لكل الدول والأنظمة أيا كانت تركيبتها السكانية وإرثها الثقافي ودرجة نموها الاقتصادي ونضجها السياسي؟

التاريخ يقول وهذا ما اثبتته تجربة العراق مع الديمقراطية وكذلك كل تجارب دول الربيع العربي الذي أندلع في العام 2011 أن خلع الأنظمة الاستبدادية أسهل من انشاء نظام ديمقراطي حقيقي ومستقر إذ أنها عملية بطيئة بطبيعتها وتحتاج الى أجيال وقيادات ذات إرادة مخلصة لقيادة شعوبها نحو الديمقراطية الحقيقية التي لا تنتهي أو تقف عند حدود إجراء انتخابات حرة كما هو حاصل في مصر إذ أن الانتخابات وحدها لا تعني تحقق الديمقراطية التي يلزمها أيضا وضع ضوابط تمنع رأس الدولة من الانفراد باتخاذ القرارات المصيرية في غياب أي مساءلة أو رقابة حقيقية من الناخبين وممثليهم ودون وجود ضوابط دستورية تمنع تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات خاصة التشريعية والقضائية .

أضف الى هذا أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في غياب مؤسسات قوية ومستقلة ومحصنة دستورياً وقادرة على انجاز دورها في رعاية مصالح الناس وتنويرهم بالحقائق وحماية حقوقهم. ومن ضمن هذه المؤسسات الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدينية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية والمهنية والبنك المركزي.
والأخير هو المسئول عن السياسة النقدية للدولة وهو يعمل في الدول الديمقراطية بشكل شبه مستقل عن كل السلطات الأخرى ولا يتلقى أي توجيهات من قبل السلطة التنفيذية كما هو الحال في الدول الاستبدادية.

وكما نعلم جميعاً فإن الحكومات المختلفة ترغب في البقاء في الحكم لأطول فترة ممكنة ولتحقيق هذه الغاية فإن أداءها الاقتصادي لابد أن يكون جيداَ ومرضياً للناخبين. وعادة ما تحاول الحكومات التأثير على قرارات البنك المركزي لمساندتها في أوقات النمو الاقتصادي المنخفض وارتفاع نسبة البطالة وذلك من خلال ما نسميه بالإفراط في سياسات التمويل بالعجز وطباعة النقود والاستدانة من الجهاز المصرفي ومن الخارج مما يؤدي الى ارتفاع معدلات الدين العام وتحميل أجيال المستقبل بأعباء هذه الديون التي تؤثر على أوجه الأنفاق الأخرى في قطاعات خدمية هامة مثل التعليم والصحة. بمعنى أن الحكومات تقترض من الداخل والخارج من أجل تحقيق أهداف قصيرة الأمد وهي البقاء في الحكم وإسعاد الناخبين على حساب الأهداف التنموية طويلة الأمد من خلال الاستثمار في البنية التحتية والفوقية.

كما أن الحكومة يمكنها أن تتلاعب في سعر العملة المحلية أمام العملات الأخرى عن طريق البنك المركزي للسيطرة على عجز الميزان التجاري للدولة الناتج عن ضعف الجهاز الإنتاجي. وفي هذا فإننا نقول دائماً أن أسرع طريق لإفقار الطبقة المتوسطة في أي مجتمع هي تخفيض قيمة العملة المحلية بشكل عشوائي ومستدام وهذا موضوع آخر وطويل ولكن ما نود ان نركز عليه هنا هو أن استقلال السلطات المختلفة عن بعضهما البعض وخضوع الجميع للرقابة والمحاسبة هو أحد السمات الأساسية للمجتمعات الديمقراطية عكس الحال في المجتمعات الاستبدادية الأبوية التي يسيطر فيها الحاكم على كافة مفاصل الدولة ومقدرات العباد من خلال سياسة رفع الشعارات الوطنية الفارغة ودعم رجال الدين.


تحدثنا حتى الآن عن محاسن الديمقراطية ومساوئ الاستبداد ولكن الواقع يثبت ان هناك ايضاً مساوئ للديمقراطية ومحاسن للاستبداد.
فأما عن بعض مساوئ الديمقراطية فإنها تسمح بهامش كبير للحرية الاقتصادية وهو ما يؤدي الى تكرار الأزمات الاقتصادية العنيفة نتيجة استشراء الأنانية والطمع وتعاظم فجوة الدخل بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى قوت يومهم.
كما أن الديمقراطية كثيراً ما تكون سببا لاستطالة المشاكل الاقتصادية، وعلى سبيل المثال فإن معظم الدول الأوربية لم تنجح على مدار ال 25 عاماً الماضية في معالجة العجز المزمن في ميزانيتها بسبب رفض أحزاب المعارضة ومؤيدوها لأي سياسات إصلاحية تقشفية.
كما أن محاولات التطبيق المتعجل للديمقراطية في عالمنا العربي أدت الى الفوضى وعدم الاستقرار والصراعات الطائفية والحروب الأهلية كما ألمحنا سابقاً حتى أصبحت معظم الشعوب العربية تشعر بقلق وتوجس من دعوات نشر الديمقراطية في ربوعها لأن أغلبنا بالطبع يفضل حياة الاستقرار عن حياة المغامرات والمخاطر.

وأما عن محاسن الاستبداد فهناك الآن دعوات الى تبني نموذج الصين التنموي كأفضل نظام لتحقيق نهضة اقتصادية في العالم العربي حيث استطاعت الصين من خلال تطبيقها لنظام الحزب الواحد وكبت كل اصوات المعارضة وقيادة الحكومة المركزية الشيوعية لعملية التنمية الاقتصادية، استطاعت أن تضاعف مستوى المعيشة للفرد العادي مرة كل عشر سنوات مقابل مرة كل 30 سنة تقريباً للولايات المتحدة.
كما أن الحزب الشيوعي الصيني لا يغفل عن متابعة اتجاهات الرأي العام الصيني وهو حريص على تغيير قيادات الحزب مرة كل عشر سنوات تقريباَ لضخ دماء جديدة في جسده والحد من عمليات الفساد وإساءة استخدام السلطة.

ولإن الإنسان ذو غريزة أساسية تجنح الى الطمع وإيثار الذات وهو أول افتراض يقوم عليه علم الاقتصاد السياسي فإنه يفضل بشكل تلقائي النظام الديمقراطي الرأسمالي الحر عن أي نظام استبدادي. ولذلك ستظل الديمقراطية والحرية هي الغاية المنشودة لغالبية البشر الأسوياء بل وكل المخلوقات.
كما ان الاستبداد سيظل ملاذ الخائفين والضعفاء ومن ينشدون الاستقرار والاستكانة والسلامة الشخصية على الصالح العام.

والخلاصة أن الديمقراطية مشروع مؤجل في عالمنا العربي حيث لا يؤمن الحكام بها ولا يرغبون حتى في الحديث عنها لأن لدينا ما هو أفضل منها وهو نظام الشورى غير الملزم والذي يصنع من الحكام آلهة تمشي على الأرض.
أما الشعوب فإنها محاصرة بالفساد والاستبداد من كل جانب وهمها الأول هو البحث عن لقمة العيش وشيء من الاستقرار ومن ثم فإن الديمقراطية لا تمثل أولوية لها.

وبالرغم من كل هذا لازالت أحلام اليقظة تراودنا بالديمقراطية ولكن عندما نغفو لا نستيقظ إلا على الكوابيس.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري