خداع السلطات الحاكمة!

شاكر الناصري
2016 / 2 / 11

عندما تواجه السلطات الحاكمة، في أي بلد في العالم، أزمات سياسية، واجتماعية، واقتصادية تكشف ضعفها وعجزها عن إيجاد حلول مقنعة وجدية، فإنّها تعمل على إختراع قضايا جديدة لاتمس الواقع الذي تواجهه ولاتقترب من الأزمات التي تعجز عن حلها، بل محاولة منها لإشغال من تحكمهم ودفعهم للتفكير بما تطرحه السلطة وتناسي أزماتهم الحقيقية! ما تطرحه السلطة هو بمثابة رشوة، علنية وقانونية، تهدف لشراء صمت من تحكمهم وإمتصاص غضبهم ومطالباتهم! سيخصص جزء كبير من هذه الرشوة، لشراء ذمم الأبواق التي تجيد تحليل وتبرير سلوكيات السلطة وممارساتها وتحسين صورتها!!، لكنّها في خاتمة المطاف تريد أن تذكرهم بوجودها وبقدرتها على التحكم بخياراتهم ومصائرهم!!

في عام 1991 وفور التوقيع على اتفاقية صفوان، وإستعادة السيطرة على المدن المنتفضة سارع الدكتاتور العراقي السابق، صدام حسين، لإصدار مجموعة قرارات، لاتعني شيئاً لكنّها تهدف لإشغال العراقيّين الذين أنهكتهم الحرب واقتصت السلطة منهم جراء تمردهم المسلح والإنتفاض ضدّ طغيانها وجبروتها بعد أن عاشوا ذل الحرب وتحولت بيوتهم ومدنهم ومدارس أطفالهم...الخ إلى خرائب وأنقاض...تسريح واسع في صفوف الجيش، للجنود المكلفين والاحتياط، بغض النظرعن سنوات الخدمة أوالغياب والهروب والعقوبات، والإكتفاء بفترة زمنية قليلة جدا. اسقاط ديون الدولة التي ترتبت بذمة العراقيين نتيجة إستهلاك الماء والكهرباء والاشتراك بخدمة الهاتف، منذ بداية حرب الخليج الثانية وحتّى الأول من نيسان 1991، أي تلك الأشهر التي إنعدمت فيها الخدمات أصلاً، وتحولت الأنهار إلى مصدر أساسي للمياه، فيما تحولت الحدائق العامة والمتنزهات إلى مصادر للوقود!!

قبل عدة أيام أطلق رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قراره بتوزيع الأراضي السكنية لمستحقيها من العراقيين!!.. العبادي قبل غيره يعلم أن العراقيين يواجهون أزمات متلاحقة ومستعصية تعصف بحياتهم ووجودهم وأمنهم ومستقبلهم، يتعذر على السلطة وقواها إيجاد حلول جدية وعملية لها، أزمات تتعلق بالفساد المخيف وبعجز ميزانية الدولة والشكوك المتزايدة حول قدرتها على توفير رواتب واجور أعداد كبيرة من الموظفين والعاملين في دوائر الدولة ومؤسساتها، وكذلك رواتب المتقاعدين وعوائل الشهداء وضحايا النظام السابق!!!

وفي سياق متصل، أصدر مسعود البارزاني رئيس حكومة اقليم كردستان وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، قراراً باعادة الممتلكات العامة والاموال التي استولى عليها الحزب وتمكن من الاستفادة من عوائدها واثمانها، عقارات، شركات، بيوت، دوائر ومؤسسات الدولة..الخ!!

سارع البعض لوصف قرار البارزاني، بالقرار الشجاع، فيما تمنى البعض أن يحذو ساسة بغداد حذو شريكهم في السلطة والفساد والإستئثار بالسلطة. لكنّها ليست شجاعة ولا تتناغم مع الأمنيات الساذجة، بل شعور البارزاني وغيره من ساسة الاقليم، الذي يغلي الآن على وقع تظاهرات واعتصامات وإغلاق للمحال والدوائر والجامعات، بعد أن عصفت الأزمة الاقتصادية بالكثير من الأوهام حول البناء والتنمية والرواتب العالية، شعورهم بالعجز عن مواجهة ما يحدث وكذلك عجزهم عن إيجاد الحلول والرد على المطالبات المتزايدة من المتظاهرين والمحتجين!!

ماذا سيدخل في جيوب الموظفين والعمال، إذا ما اعاد حزب البارزاني، أو حزب الطالباني والاحزاب الاخرى، ما استولوا عليه من ثروات وممتلكات؟؟ وماذا سيدخل في جيوب الموظفين والعمال والمتقاعدين حين تشرع سلطات بغداد في بيع ممتلكات وعقارات الدولة التي تستولي الاحزاب والمليشيات والمؤسسات الدينية ورجال الدين..الخ على 70% منها؟؟

لاشيء مطلقاً، فهذه القوى تمكنت من تقاسم الدولة وثرواتها وممتلكاتها مثلما تقاسمت السلطة وحولتها إلى وسيلة لإذلال الناس والتحكم بحياتهم ومصائرهم. قد تسمح بأن تعود بعض هذه الممتلكات إلى سلطة الدولة، ولكنّها لن تسمح بأكثر من ذلك، لأنه وبكلّ بساطة يهدد سلطتها ويضعف وجودها!!