على هامش الثامن من شباط.. كيف تصبح مؤرخاً في خمس دقائق دون معلم

ماجد الحيدر
2016 / 2 / 9

على هامش الثامن من شباط.. كيف تصبح مؤرخاً في خمس دقائق دون معلم...
ماجد الحيدر

على عادة العراقيين في كل شيء، انقسموا في هذا اليوم أيضا بين معسكرين متطرفين ضاع بينهما العقل والدراسة التاريخية وتقييم الأشياء على وفق ظروفها التاريخية ومعطياتها الموضوعية. لقد تركوا ذكرى المجزرة الأليمة التي جرت في هذا اليوم الأسود وما رافقها من حمام دم أقامته قوى البعث والفاشية القومية المتحالفة مع الإقطاع والرجعية الدينية بمباركة من الولايات المتحدة ومشاركة مباشرة من "زعيم الأمة" جمال عبد الناصر، وبدلا من يستمدوا العبر والدروس من الأحداث التي رافقت مسيرة 14 تموز حتى نهايتها المأساوية راحوا يتراشقون الاتهامات بالغباء والجهل والخيانة الخ، ومضوا يتصارعون حول شخصيتي عبد الكريم قاسم ونوري السعيد وفضائل ومنجزات وأخطاء وجرائم النظامين الملكي والجمهوري بطريقة عاطفية خالية من التقييم الموضوعي. الغريب أن البعض ممن لم يعيشوا أحداث تلك الفترة ولم يقرأوا عنها سطراً واحداً راحوا يدلون بدلوهم فيقدسون هذا ويشتمون ذاك و "هذا تاج راسك" أو "احترم نفسك قبل أن أحظرك" كما يفعلون مع برشلونة وريال مدريد!
التاريخ وشخصياته لا يقيّمان يا أعزائي بهذه الطريقة السطحية المتعجلة. التاريخ لا يقارَب بطريقة "حِب واحكي واكره واحكي". أعرف أن الغالبية العظمى ممن شاركوا في "النقاش" هم ممن ولدوا بعد تلك الأحداث أو كانوا بعيدين عنها لكن هذا لا يمنعهم من الإدلاء بآرائهم شرط أن يقرأوا على الأقل كتابين أو ثلاثة تمثل وجهات النظر المختلفة ثم يتفضلوا علينا بمداخلاتهم.
ما كان عبد الكريم قديسا ولا وغداً وما كان عبقريا ولا مجنوناً. كان إنساناً بسيطاً محدود الذكاء لا يصلح للسياسة لكنه طيب النوايا ونزيها نظيف اليد ومحباً لوطنه وللفقراء منهم بالتحديد ولهذا أحبوه ويحبونه حتى اليوم.
ما كان نوري السعيد قديساً ولا وغدا وما كان عبقريا ولا مجنونا. كان ثعلباً سياسيا عجوزاً يلعب بكل الأوراق ويتزعم طبقة سياسية مرفهة بعيدة عن الناس وهمومهم. أدخل العراق في دوامة الأحلاف العسكرية وربط مصالحه بمصالح بريطانيا، لكنه كان يعتقد بأن هذا هو الطريق الأمثل لحكم العراق وتطوره.
كلاهما (للتذكير) كان عسكريا تحول الى السياسة فأصاب وأخطأ وتخبط
ما كان العهد الملكي عهداً ذهبيا..تلك أسطورة سمجة: الديمقراطية المدّعاة كانت كذبة سخيفة والانتخابات تزور بصورة منهجية بل ويجري إخبار "سعادة النايب" بفوزه قبل الانتخابات، وكان مجلس النواب يحل أو ينعقد بإشارة من اصبع نوري السعيد أو عبد الإله أو السفير البريطاني. كان الفلاحون يموتون في قراهم من الجوع ويتلقون سياط الإقطاعيين والسراكيل والآغوات فيما النخبة الحاكمة تقضي أصيافها في سويسرا ولبنان. جرت مجازر دموية بحق المسيحيين واليهود والكرد وأهل الجنوب وكانت السجون مكتظة بالمعتقلين السياسيين وجرد الناس من جنسياتهم على أساس سياسي وأعدمت نخب من خيرة أبناء البلاد عربا وكردا. أحد أعلامه (الحصري) كان من أوائل المؤسسين للنهج الطائفي المقيت في التربية والتعليم. جرت انقلابات عسكرية عديدة. العائلة المالكة عائلة غريبة عن العراق جاءت بهم مسز بيل من الحجاز. كان النظام مدنيا في الظاهر لكن أغلب قادة البلاد كانوا عسكريين سابقين مع بعض الحالات التي استلم فيها الوزارة عسكريون في الخدمة. كل هذا لا يمنع وجود إيجابيات ومنجزات وجوانب مضيئة.
عهد عبد الكريم قاسم لم يكن أيضا عهداً ذهبيا (ما من شيء اسمه عصر ذهبي في العراق) : عمت الفوضى وجرت مجازر ومحاكمات عشوائية وإعدامات واشتعلت الحرب في كردستان من جديد. شهدت البلاد ظاهرة عبادة الحاكم الفرد وتنزيهه وعادت السجون لتملتئ بالسجناء السياسيين. تدهورت الزراعة بسبب الهجرة المليونية للفلاحين، كما خرج الضباط من معسكراتهم ليحتلوا مناصب مدنية يجب ألا يحتلوها. لكنه على قِصَره شهد عددا من الانجازات الاجتماعية والتشريعية والاقتصادية التي لم يشهدها عهد من قبله أو بعده ولا يمكن أن ينكرها إلا حاقد أو مغالِط.


أتركونا إذن من هذا الأسلوب المتعصب في "التشجيع"
اتركوا نوري وكريم قليلاً وتأملوا في هذا اليوم وعبره. انظروا الى شلة الأوغاد والمنحرفين الذين جعلوا من الثامن من شباط أكثر الأيام سوادا في أرض السواد.. راجعوا فعال، وسيرة، الوحوش الكاسرة التي خرجت من أقبية الظلام أو نزلت من القطار الأمريكي حاملة رشاشات بورسعيد لتبث الخوف والرعب في أزقة عكد الأكراد والكاظمية وتصب الرصاص المصهور في أفواه المعتقلين وتصبغ حمامات فائق حسن باللون الأسود.. استذكروا قليلاً المئات والآلاف من خيرة مثقفي العراق وشبابه وكوادره العلمية والتربوية الذين ضاقت بهم غرف قصر النهاية والمقابر السرية وقاع نهر دجلة في هذا اليوم المشؤوم وما تلاه. تذكروا أسماء مجرمين من أمثال عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر وحردان التكريتي وصالح عماش وعلي صالح السعدي وطاهر يحيى وصبي المافيا في حينها صدام حسين وغيرهم من غربان الفاشية التي عاد الكثير منها ولكن بأسماء وعباءات وعمائم جديدة.
إقرأوا رحمة على والديكم.. و "استأنسوا" بكل الآراء ثم تكرموا علينا بـ "شذراتكم" الخالدة، فإن لم تقدروا على هذا الحمل ودوخة الرأس فاكتفوا بقراءة ما يكتبه الغير ووضع اللايكات على ما "يلوك" لكم .. وكفى الله المؤمنين...