هل تصل عواصف الحزم السعودية الأمريكية لدمشق

بدر الدين شنن
2016 / 2 / 8

لقد كان واضحاً منذ إقامة أميركا ما سمته " التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية .. داعش " في أواسط 2014 ، الذي اشتركت فيه عشرات الدول الغربية والشرق أوسطية ، دون أي قرار من الأمم المتحدة ، أن الهدف الرئيس لهذا التحالف ، هو التدخل العسكري في سوريا والعراق ، من خلال الحرب على " داعش " . وكانت الضربات الجوية لعدد محدود من مواقع " داعش " في سوريا والعراق ، دون أن يؤثر ذلك على حركته وتوسعه ، أحد الدلالات على ذلك . ما سمح لقادة التحالف ، بتسويغ التدخل العسكري البري إلى جانب الضربات الجوية ، بزعم التوصل إلى نتائج مدمرة أفضل " لداعش " . وقد بدأ هذا التدخل بالتطبيق فعلاً ، على شكل مجموعات من مئات الجنود الأمريكيين والبريطانيين ، المختصين بالمهام النوعية في كل من سوريا والعراق .
أي أنه بات للتحالف الدولي الأميركي مساحات متاحة ، مباحة ، وموطئ قدم نوعي في سوريا والعراق ، ما يوفر عند الطلب ، التحرك لتوسيع حضور وفعالية التحالف الدولي ، للسيطرة على البلدين جواً وبراً .

في 26 آذار 2015 ، أعلن العهد السعودي الجديد إقامته حلفاً ضم عشر دول في مقدمها أميركا ، باسم " عاصفة الحزم " لاستخدامه ، بداية ، في العدوان على الشعب اليمني . وقد شكل نشاط هذا الحلف جواً وبراً وبحراً ، واقعاً عسكرياً ، بقيادة أميركا والمملكة السعودية ، في منطقة باب المندب الاستراتيجية الهامة ، سوف يستخدم مع قوى التحالف الأميركي الدولي ، في إجراء تغييرات خليجية ، وفي شبه الجزيرة العربية ، وبلاد الشام . .

وفي الدلالة على ذلك ، أنه ما أن بدأ طيران وبوارج عاصفة الحزم ، يدك مدن اليمن ، ويمعن في التدمير والقتل الهمجي فيها ، حتى ارتفعت أصوات من جهات متعددة ، في السعودية وغيرها ، مطالبة بنقل " عاصفة الحزم الوحشية " إلى سوريا . وكانت أصوات من المعارضة السورية هي الأكثر إلحاحاً في هذا الطلب . ومن الجدير ذكره هنا ، أن دول " عاصفة الحزم " هي جزء من التحالف الأميركي الدولي ، وأن أميركا هي الدولة المحورية في التحالفين . ما معناه ، أن التحالفين يؤديان في آن واحد أدواراً ، مرسومة ، موزعة ،على خلفية مخطط واحد بقيادة أميركا ، وقد يشتركان معاً في أي وقت ، في عمل واحد ، في جبهة واحدة ، للوصول إلى الأهداف المنشودة المحددة .

* * *

لقد لعب الطيران الحربي الروسي ، بطلب من الحكومة السورية ، دوراً كبيراً ، في مدة قياسية قصيرة ، في إضعاف " داعش " والجماعات الإرهابية الأخرى ، وأضاف قدرات ميدانية جديدة للجيش السوري ، ساعدته على انتزاع المبادرة ، والتقدم في مختلف الجبهات . ما أثار الذعر لدى كافة الجماعات الإرهابية المسلحة ، ولدى القوى الدولية الداعمة لها . وبدأت هذه القوى تعمل على مسارين متوازيين ، مسار الحل السياسي ، بشكل مخادع ، لكسب الوقت ، ومسار إعادة تشكيل ونشر القوى الإرهابية الدولية ، للانتقال إلى نمط جديد من الحرب على سوريا .

وضمن هذا السياق ، أعلن " ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان " ، في منتصف ك1 2015 ، قيام " التحالف الإسلامي ضد الإرهاب " الذي يضم 34 دولة إسلامية ، من ماليزيا إلى المغرب . ومن البديهي أن هذا التحالف ، بحكم علاقات دوله الراسخة مع أميركا ، فإن حركته وقيادته هي دون شك ، تحت القبضة الأميركية ، ولن يخرج بأي حال عن محددات السياسة الأميركية . وقد اصطف هذا التحالف المريب ـ إلى جانب التحالف الأميركي الدولي ضد "داعش " وتحالف " عاصفة الحزم السعودي الأميركي ضد اليمن . وقد أعطي هذا التحالف ، في أكثر عمليات الاحتيال على الشعوب لؤماً ، الصفة الإسلامية ، لشراء وانضمام أكبر عدد من الدول التي تسمي نفسها إسلامية إليه ، ولجذب المؤمنين المرتزقة حملة الإيمان المسطح ، في وقت معروف فيه ، أن المملكة السعودية ، هي المؤسسة والداعة ، بالتعاون مع أميركا والغرب الاستعماري ، لتنظيم القاعدة وداعش ، والمجموعات الإرهابية الدولية الضاربة الأخرى .

وهنا ينكشف اللغز " الداعشي " .. نسباً .. ومرجعية .. ودوراً . ويكشف معه بقية المنظومة الدولية الداعمة للإرهاب ، سياسة .. ومصالح .. وأهدافاً . فهل يمكن لهذه التحالفات ، التي هي أم وأب " داعش " أن تشكل تحالفات لقتله . ما يمكن قوله في هذا الصدد ، هو أنه بات لداعش في عمليات تدمير سوريا والعراق شركاء .. وأولياء أمر مباشرين ، هم الحاسمون في حال التباين معه .

إن المضمون السياسي الإمبريالي الرجعي ، للتحالفات الثلاث ، التي تتزعمها أميركا والمملكة السعودية ، يجعل منها تكتلاً د ولياً عدوانياً خطيراً ، تتجاوز خطورته التكتلات النازية والفاشية في القرن العشرين . لاسيما ، وأن الشخصية السعودية النافذة " ولي ولي العهد محمد بن سلمان " يعتبر شاباً طموحاً مغامراً ، يحاول أن يجسد دوراً إمبراطورياً في العالمين العربي والإسلامي ، ويعتبر في نظر بعض المراقبين أنه الرجل الأخطر في العالم ، وذلك بحكم سيطرته على الدولة العربية الأقوى مالياً واقتصادياً وربما عسكرياً . وله وللمملكة علاقات مالية وسياسية ، مع محيط إسلامي واسع .

وقد بدأت حركة التنسيق والعمل بين التحالفات الثلاث ضد سوريا تتبلور ، وتظهر للعلن . وذلك منذ أن بدأ الجيش السوري يحقق نجاحات ميدانية كبير ة متسارعة . وبدأت الانهيارات في صفوف الجماعات المسلحة ، وتم تدمير أحلام ، أردو غان ونتنياهو وعبد الله الثاني ، في إقامة مناطق عازلة في الأراضي السورية ، وفرض حظر جوي ، كمقدمة للسيطرة على سوريا كلها .

* * *

وقبيل وإبان وبعد " جنيف 3 " انطلقت التهديدات بالتدخل العسكري في سوريا تتوالى ، ليس لسحق " داعش " وإنما إن لم يتم التوصل إلى حل سياسي ، يرضي المعارضة السورية المسلحة وداعميها ـوذلك من قبل جهات متعددة نذكر منها :
= صرح وزير خارجية قطر لقناة " سي إن إن " الأميركية ، في أواخر الشهر العاشر 2015 ، " إن قطر بالاشتراك مع تركيا والسعودية ستتدخل في سوريا في حال فشل الحل السياسي ــ يقصد حلهم ــ .
= في 23 ك2 2016 ، صرح نائب الرئيس الأميركي " بايدن " أثناء زيارته للعراق " أنه سيتم اللجوء إلى التدخل العسكري في حال عدم التوصل إلى حل سياسي في سوريا .
بعد فشل الجولة الأولى من " جنيف 3 " توالت التصريحات النارية ، والتحركات المهددة بالتدخل العسكري في سوريا .. دون أي تنويه إلى الحل السياسي .
= صرح المتحدث العسكري السعودي أحمد العسيري ، أن المملكة مستعدة للمشاركة بقوات برية في أي عملية للتحالف بقيادة أميركا في سوريا .
= مسؤول تركي رفيع ، تركيا تحتفظ بحق اتخاذ أي تدابير لحماية أمنها .
= تركيا تقصف قرية سورية على حدودها ، والناتو يغض الطرف .
= رئيس الائتلاف السوري المعارض " خالد خوجة " يقول : إن تدخل الأصدقاء ، وخاصة العرب لدعم " المقاومة والجيش الحر " كان ضروريا ، أما بعد التدخل الروسي فقد اصبح الأمر مصيرياً .
= أعلنت البحرين عن استعدادها لإرسال قوات برية إلى سوريا .
= أعلنت الإمارات ، أنها مستعدة لإرسال قوات برية ، للقتال في إطار التحالف ضد داعش .
= مسؤول روسي: لدينا أرضية للشك في استعداد تركيا للتدخل في سوريا .
= معلومات متداولة إعلامياً وسياسياً ، عن إعداد مئة ألف جندي بإشراف وقيادة أميركية وعربية ، منها 90 ألف جندي عربي ، و10 آلاف جندي أميركي وغربي ، للتدخل في سوريا عبر تركيا والأردن .

اللافت في طرح هذه التصريحات والتحضيرات العدوانية ضد سوريا ، أنها تحذف من مهامها وأهدافها ، كل ما يتعلق بالتغيير الديمقراطي ، الذي كان مضمون احتجاجات المعارضة الثابت ، وكان ذريعة التدخل الأجنبي منذ بدايات الأزمة في سوريا ، وذريعة إطلاق ذئاب ووحوش الإرهاب الدولي على الشعب السوري ، وتحذف أيضاً كل ما يتعلق بمسميات الحرية والثورة للمعارضات ، التي زجت بنفسها وبمن وثق بها وراهن عليها في شراكة بشعة ، مع الإرهاب الدولي ضد وطنها ، وتحذف أيضاً وأيضاً ما يتعلق بالحل السياسي ، الذي تشتغل عليه الدبلوماسية الدولية . ويبقى فقط الهدف المحدد الواضح ، وهو استكمال تدمير سوريا .

ما مفاده باختصار ، إن كل هذا القرع بطبول الحرب والتهديد بالتدخل ، يشكل في كل حال ، إعلان حرب على الحل السياسي ، من خلال استهداف سوريا ، وحرب على سوريا من خلال الحرب على " داعش " وحرب على روسيا من خلال الحرب على سوريا .

وهذا ليس اتهاماً غير واقعي لقوى التحالف المذكورة . فالرغبة بالعدوان على سوريا قديمة لديها قبل ظهور " داعش " في سوريا ، من خلال إصرارها على الحصول من مجلس الأمن الدولي على قرار بالتدخل حسب السناريو الليبي ، ثم من خلال الحشد البحري الأميركي للتدخل بذريعة السلاح الكيميائي .
ومع ذلك يبقى هناك مجال للسؤال ، وهو : هل لهذه التصريحات والتحضيرات علاقة بالجولات القادمة " لجنيف 3 " ؟ .. أم أن التحالفات الأميركية الرجعية التي أصبحت كلها عواصف حزم ، سوف تقوم ، بعد أن فشل العدوان الإرهابي الدولي ،باسم الإسلام التكفيري ، بموافقة أميركا والغرب ، بعدوان جديد لإسقاط الدولة السورية وزعزعة وتقسيم العراق ، وإحداث تعيير إقليمي دولي ، مستهترة بالقانون الدولي وحق الشعوب بتقرير مصيرها ، دون أي اعتبار لردود الفعل الدولية الأخرى المتمسكة بالقانون الدولي وحق الشعوب بتقرير مصيرها .. وبمقاومة الشعب السوري بمساندة حلفائه وأصدقائه ؟ .. وهل يمكن لمثل هذا العدوان الفاشي الجديد أن يحدث ، وأن النظام الرأسمالي العولمي بأدوات فاشية جديدة سوف يحقق هيمنته المطلقة على العالم ؟ ..

ربما كان هذا هو فعلاً مخطط غلاة الإمبريالية الفاشيين الجدد .. لكن مصيره .. ومصير أدواته لن يكون سوى الفشل .. وبأسرع مما حدث لمن سبقهم من الفاشيين .. ومهما حصل من تداعيات ومفاجآت دراماتيكية في الشرق الأوسط ، فإن عواصف الحزم الأميركية السعودية الفاشية لن تبلغ دمشق .