اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس!

عبدالخالق حسين
2016 / 2 / 7


أستميح القراء عذراً إذ أعود لهذا الموضوع مرة أخرى، فخلال السنوات العشر الماضية كتبت أكثر من عشر مقالات في مواجهة الكذب والإشاعات السامة ضد العراق الجديد. ولكني مع ذلك أرى من الضروري العودة للموضوع لملاحقة هؤلاء النصابين من صناع الأكاذيب ونشر الإشاعات على خطى أستاذهم سيئ الذكر، جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في حكومة هتلر، الذي أوصاهم: (اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، وحتى أنت تصدق نفسك).

و اليوم تفوَّق التلامذة على أستاذهم، فراحوا يطورون إمكانياتهم وفق مستجدات العصر، فيسوِّقون أكاذيبهم بمختلف الوسائل، مستفيدين مما توصلت إليه التكنولوجيا المتطورة، مسخرين لها فن التمثيل والإخراج المسرحي، يوظفون لها وقار الشيوخ، وبراءة الأطفال، حيث يدربونهم على أحسن ما يمكن من التمثيل في الإلقاء، لاستدرار عطف وتأييد المتلقي، ومن أجل تشويه صورة عراق ما بعد صدام، وكأن عهد صدام كان العصر الذهبي في تاريخ العراق.

يمكن تشبيه الكذابين والنصّابين بالجراثيم المرضية في تطوير أساليبهم في خدع الناس وتضليلهم. فالمعروف في الطب أن الجراثيم تتمكن من تطوير مقاومتها ضد المضادات الحيوية، وكلما أوجد العلماء مضادات حيوية جديدة ضد البكتريات، ظهرت أجيال جديدة ذات جينات ضد المضادات الحيوية المتوفرة، حتى حذر العلماء والأطباء أن البشرية مهددة بظهور أنواع جديدة من الجراثيم لا تؤثر فيها جميع المضادات الحيوية، وبذلك سنكون في وضع أشبه بمرحلة ما قبل المضادات الحيوية، و يصبح من الخطورة إجراء العمليات الجراحية خوفاً من تسمم الجروح وتقيحها.

وهذا بالضبط ما يحصل لنا في مواجهة وباء الأكاذيب والإشاعات المسمومة التي يواجهها العراق الجديد منذ عام 2003، فيمكن أن يصبح مصير البشرية بيد أكثر المتفننين في النصب والاحتيال والخداع. فالبعثيون وحلفاؤهم من المنظمات الإرهابية الوهابية، ومافيات الجريمة المنظمة، معروفون بقدراتهم الفائقة في التلاعب بعقول الناس واستمالتهم، وخدعهم بشتى الأساليب الملتوية، فإذا أرادوا مثلاً تسقيط سياسيين من طائفة دينية معينة تظاهروا بأنهم من تلك الطائفة، وراحوا يدبجون المقالات يذرفون فيها دموع التماسيح على فقراء تلك الطائفة، وما ألحقه بهم زعماؤهم من أضرار، بسبب فسادهم ونهبهم لأموال الشعب!!. وقد تطرقنا لهذا النوع من التسقيط في مقال لنا بعنوان:(تجيير العلم للتضليل والتسقيط السياسي)(1) رداً على مقال الدكتور قاسم حسين صالح. والجدير بالذكر أن لهذا الكاتب مقال آخر في هذا الخصوص بعنوان (سياسيو شيعة العراق..أخجلوا الشيعة)، فهمَّه الوحيد هو تسقيط قادة الشيعة دون غيرهم، وهو بالمناسبة يعيش في أربيل، بضيافة السيد بارزاني، وأتحداه لو يكتب مقالة واحدة في كشف عيوب ولي نعمته، أو أسامة النجيفي، أو صالح المطلق أو رافع العساوي أو طارق الهاشمي، وغيرهم من قيادات المكونات الأخرى.

ما جعلني أعود لموضوع التسقيط هو النشاط الجنوني في تصعيد حملات التضليل وبوسائل جديدة، ومع الأسف هناك أناس أعرفهم في منتهى الطيبة والوطنية والثقافة والأكاديمية، ولكنهم مع ذلك راحوا يتأثرون بهذه الإشاعات فيصدقونها ويروجون لها، بسبب سخطهم على الفساد، وحبهم للعراق، (ومن الحب ما قتل). والسبب الآخر لتصديقهم لهذه الأكاذيب هو البلاغة التي يستعملها هؤلاء النصابون في تقديم بضاعتهم السامة المميتة بغلاف مموه ومزوق ومزخرف يجتذب إليها المتلقي، فيقدمون لهم السم الزعاف في عسل الكلام، إذ كما يقول المثل (كذب مصفط أحسن من صدق مخربط).
كذلك ما استلمه من تعليقات من بعض القراء، وما وصلني من أكاذيب تأثر بها أناس أكن لهم كل الحب والتقدير والاحترام.
وعلى سبيل المثال، يتذكر القراء الأفاضل المتابعين لكتاباتي، مقالي الموسوم:(العراق والتدمير الذاتي)(2)، أرد فيه على مقابلة مزيفة أدعى كاتبها المتخفي وراء اسم (فلاح القريشي)، أنه أجراها مع السياسي الكردي المعروف، الدكتور محمود عثمان، والتي قال فيها على لسان عثمان ضد غالبية السياسيين العراقيين ما لم يقله مالك في الخمر، الأمر الذي نفاه الدكتور عثمان، وأعلن عدم معرفته بهذا الشخص المحتال، أو أجرى معه هكذا مقابلة. وطالب بمقاضاته.(2).

وقد عاد هذا النصاب (فلاح القريشي) ثانية قبل أيام بفبركة جديدة من خياله المريض مفادها أن (المحكمة العليا في لندن رفضت منح السورية "فدوى رشيد" الجنسية البريطانية لأنها لم تكشف اسم زوجها المسؤول العراقي الكبير الذي حول لحسابها 76 مليون دولار). ويضيف: (وبعد اربع ساعات من التحقيق والأسئلة والأجوبة، إنهارت فدوى رشيد وقالت للقاضي أنها متزوجة من عراقي "بالسر" وعام 2006 أصبح مسؤولاً كبيراً بالعراق, وأرسلني الى لندن مع وفد حكومي بصفة "سكرتيرة"، ولم أعود للعراق حسب طلبه وقدمت على اللجوء وحصلت على إقامة خمس سنوات وبعدها نلت الإقامة الدائمة ومن عام 2012 أستحق الجنسية البريطانية، لكن الهوم أوفس [وزارة الداخلية البريطانية] يرفض طلبي، والآن وبعد أن هددني محامي الهوم أوفس بالطرد من أراضي المملكة في حال رفض المحكمة طلبي، سأعترف لك بكل شيء وأرجو من سيادتكم عدم طردي لأن حياتي وحياة بناتي بخطر ومصيرنا الموت سيكون في العراق أو سوريا). انتهى

قد يعترض القارئ الكريم، ولماذا ترد على هذا التافه، فالكذبة واضحة؟
وجوابي هو نعم الكذبة واضحة، ولكن مع الأسف الشديد صدق بها كثيرون، وعبرت على الصديق الطيب الذي قام بتعميمها، رغم أنه قد قرأ مقالي عن هذا النصاب في مقابلته المفبركة مع الدكتور محمود عثمان. ولكن لما عاتبته، أجابني بأن سبب تصديقه بالمقالة هو تفشي الفساد في العراق!!

نعم، هناك فساد في العراق لا يقل خطورة عن الإرهاب، والفساد متفشي في مختلف أنحاء العالم، حتى اعتقد بعض الحكماء أنه من طبيعة البشر، وأنا أميل إلى هذا الاعتقاد. وفي هذا الخصوص قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد.... ذا عفة فلعلة لا يظلم.
ويقول الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز: " الانسان ذئب لأخيه الإنسان، والعالم هو غابة من الذئاب، وإذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب! لذلك ينبغي تنظيم المجتمع بطريقة عقلانية من أجل تحجيم هذه النزعة الوحشية الموجودة في أعماق الانسان، ومن اجل التوصل إلى مجتمع مدني، متحضر".

وفي مقالي هذا لا أريد أن أبرر أو أنفي الفساد في العراق، ولكني أقول لا يمكن محاربة الفساد بالكذب، لأن الترويج للأكاذيب بذريعة الفساد هو خدمة كبيرة للفاسدين الحقيقيين، وتشويه لصورة السياسيين النظيفين. فالقصد من المبالغة بالافتراءات والفبركات ضد سياسيي ما بعد 2003 هو لتدمير الثقة بين الشعب ورجال السلطة لإفشال العملية السياسية، وبالتالي إغراق العراق في فوضى عارمة يدفع ثمنها الشعب العراقي الجريح، ويستفيد منها البعثيون الدواعش ومن يناصرهم من حكومات المنطقة في تدمير العراق.

مثال آخر جعلني أعود لهذا الموضوع هو ما استلمته من "محاضرة"، مكتوبة بمهارة من قبل كاتب مجهول لم يذكر اسمه، وعلى شكل سلايدات، يتظاهر بالفهم واللوذعية و الاعتدال، بعنوان: (مخالفة الديمقراطية للإسلام)، يؤكد فيها مشروع أخوان المسلمين، الذي هو نفسه مشروع القاعدة وداعش، وبدون أن يذكر أسماء هذه التنظيمات، حول خطأ الديمقراطية في (فصل الدين عن السياسة+تحكيم الشعب)، ويستشهد بآيات قرآنية لتأكيد رأيه. ثم يذكر المحاضر قائمة طويلة من الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الغربي ضد شعوب العالم الثالث، وكل كوارث التاريخ خلال القرون الخمسة الماضية التي حصلت في العالم، من الرق والعبودية، والبغاء، وتفشي الأمراض الجنسية، والاغتصابات، والإدمان على الكحول والمخدرات، إلى حروب الإبادة في رواندا، وإبادة الهنود الحمر في أمريكا، والمجاعات في أفريقيا، وغيرها كثير، مستشهداً بأرقام أدعى أنه استلها من مصادر بحثية غربية موثقة، ليلقي تبعات كل هذه الكوارث على الديمقراطية، ومسك الختام يأتي على شكل سؤال: أليس في الإسلام ما يغنينا عن مبادئهم الفاسدة؟ ويجيب: بلي والله ليس لنا إلا الإسلام ولا نرضى عنه بديلاً.
ثم يتهي الخطاب بعلَم داعش الأسود مرفرفاً في أسفل الصفحة.

يعيب الإسلاميون وغيرهم على الغرب لأن الغربيين يكشفون عيوبهم ومشاكلهم الاجتماعية بالأرقام عن طريق الإحصائيات الدقيقة من أجل مواجهتها ومعالجتها، بينما تتبع الدول الإسلامية سياسة النعامة بدفن عيوبهم في الرمال، معتقدين خطاً، بأن مجتمعاتهم نظيفة وخالية من هذه الأمراض الاجتماعية، وهذا خطأ فضيع... وحقاً ما قاله الإمام محمد عبده: "ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين ولما عدت للشرق وجدت مسلمين و لكن لم أجد إسلاماً"

لا شك أن هذا النوع من الخطاب يؤثر بأغلب المتدينين المسلمين، وحتى من غير المتدينين من المسلمين الذين تشربوا بمعاداة الغرب وقيمها الحضارية، ولأسباب أيديولوجية، وفي نفس الوقت يستميتون في سبيل العيش في هذا الغرب الرأسمالي "المتوحش" وحضارته و"مبادئهم الفاسدة".

ولكن السؤال هنا: أي إسلام تريد أن تبني عليه الدولة الإسلامية هذه؟ الإسلام الشيعي، أم الإسلام السني بمذاهبه الأربعة، أو الإسلام الوهابي التكفيري الذي أعلن الحرب على كل من لا يتبنى الوهابية؟ ثم لماذا فشل الإسلام خلال 14 قرنا في تحقيق الجنة الطوباوية التي وعدنا بها المحاضر؟

في الحقيقة، بهذه الطريقة المخاتلة وغيرها، استطاع هؤلاء تجنيد الشباب للإرهاب وشحنهم بالعداء ليس ضد الحضارة الغربية وديمقراطيتها وقيمها الإنسانية فحسب، بل وحتى في جعل الإسلام والمسلمين في مواجهة انتحارية مع العالم كله.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: تجيير العلم للتضليل والتسقيط السياسي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=820

2- د.عبدالخالق حسين: العراق والتدمير الذاتي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=811