إصلاح الإسلام ( 4 ) : هل توجد مساواة بين الجنسين في الإسلام ؟

ضياء البوسالمي
2016 / 2 / 2

إنّ المتمعّن في الآيات القرآنيّة عموما و كتب الموروث الإسلاميّ و التّفاسير يستنتج بسهولة أنّ الإسلام – كما هو واضح في الخطاب الدّيني – لا يضمن المساواة بين الجنسين بل إنّه – و في أكثر من موضع – يعترف بدونيّة المرأة مقارنة بما يحظى به الرّجل من تفوّق و إمتيازات.
الخطاب الدّيني لا يستهدف الوعي بقدر ما يستهدف إلى التّشويش الإيديولوجيّ.
نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الدّيني
يبدو أنّ مصير الأمّة الإسلاميّة هو المعاناة من التّخلف و الرّجعيّة إلى الأبد، فالتّمسّك بمجموعة من النّصوص و محاولة تطبيقها حرفيّا على واقع متطوّر و متغيّر هو السّبب الرّئيسي في ما نشهده من تراجع للحريّات في بعض البلدان و إنعدام الحريّات في بلدان أخرى. و كالعادة لا يتوانى المدافعون عن تقديس النّص في الخروج بإستنتاجات مضحكة و غريبة، فنرى مجموعة من الشّيوخ الأصوليّين يفتخرون بأنّ المرأة لها مكانة دونيّة في الإسلام و أنّ خروجها للعمل مثلا و إستقلالها المادّي محرّم شرعا و هو ليس من علامات التّطور و التّحضر و إنّما هي وسيلة لتقوية النّساء على الرّجال و إفساد البيوت. قد يبدو هذا الكلام مضحكا للكثيرين و لكنّه يُبَثُّ على قنوات تلفزيّة متخصّصة في بثّ هذه البرامج التي تشجّع على مثل هذا الخطاب المحقّر للمرأة.
وهي سياسة تتّبعها بعض الدّول المتخلّفة من خلال ضخّ أموال طائلة و توفير كلّ السّبل لنشر هذا الخطاب و تعميمه. و الحقيقة أنّ هذا الخطاب – كما هو الحال أيضًا مع
الخطاب الذي يحرّض على القتل و الإرهاب – يجد جذوره في القرآن و كتب الحديث و جلّ كتب الموروث الإسلاميّ عمومًا، إذ أنّ هذا الخطاب يعتمد أساسًا على التّفسير
الحرفيّ للنّصوص التي تدعو إلى إهانة المرأة و إحتقارها.
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ-;- بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ
سورة النّساء – الآية 34
من خلال هذه الآية يتّضح أنّ الرّجل يحتلّ مرتبة أعلى من المرأة و أنّ هذه الأخيرة لا يحقّ لها و لا يجوز أن يكون لها إستقلال ماديّ. ههنا تتحوّل المرأة إلى مجرّد شيئ تابع للرّجل. و عمليّة تشييء المرأة و تحويلها إلى مجرّد تابع للرّجل هو ما يسعى إليه مجموعة من الشّيوخ عبر هذا النّوع من الخطاب الذي يستند إلى هذه الآيات. و أكبر دليل على ذلك ما جاء في كتب التّفاسير (التي تُعتمد كمراجع) فقد جاء في تفسير إبن كثير أنّ هذه الآية تعني أنّ الرّجل قيّم على المرأة أي هو رئيسها و كبيرها و الحاكم عليها و مؤدّبها إذا إعوجّت. نلاحظ من خلال هذا التّفسير أنّ الزّوج له صلاحيّة مطلقة في كيفيّة التّعامل مع زوجته، يتصرّف كما يحلو له معها مع غياب تامّ لأبسط حقوقها فالرّجل هو الرّقيب و الحسيب و يجوز له تأديبها إن لزم الأمر و في ذلك إحالة على آية ضرب النّساء، و و دليل آخر على إنعدام المساواة بين الجنسين من جهة و الدّعوة إلى إهانتها من جهة أخرى.
وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
سورة النّساء – الآية 34
الرجل يحقّ له هجر زوجته في حالة الخلاف و له أيضا أن يضربها و هذا ما صرّحت به الآية كما نجد صدى لهذا الأمر أيضا في أحاديث نبويّة.
اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
صحيح مسلم – 1218
و الحقيقة أنّ العديد من الدّول مازلت تتمسّك بمثل هذه الممارسات و لا تجرّم التّعدي على المرأة. و من مجموعة الأحكام الدّينيّة الي لم تعد صالحة لزماننا لأنّها تكرّس التّمييز بين الجنسين نجد تلك المتعلّقة بالميراث أي أن ترث المرأة نصف ما يرثه الرّجل.
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ-;- لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
سورة النّساء – الآية 11
و قد جاء التّبرير في تفسير القرطبي بأنّ الله أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التّفاوت على ما علم من مصالحهم. و يُظهرالإعتماد على مثل هذه التّفسير الفهم الحرفيّ للنصّ و إهدار البعد التّاريخيّ لأنّه من المستحيل تطبيق هذا النّص في عصرنا الرّاهن لأنّه يعد ظلما للمرأة التي أصبحت ندّا للرجل في جميع المجالات لأنّها تسجّل تفوّقها عليه في بعض الأحيان و هذا ما ينفي الحجّة القائلة بأنّ الرّجل هو الذي يتكفّل بالمرأة لذلك يرث أكثر منها. نفس الإشكال نتعرّض له أيضا فيما يتعلّق بالزّواج فمن مظاهر عدم المساواة بين الجنسين نجد أنّ لرّجل يحق له الزّواج كتابيّة في حين أنّ لمرأة لا يمكن أن تتزوّج بكتابيّ و حالة السّفر فلمرأة لا تسافر إلاّ مصحوبة بمحرم على عكس الرّجل.
إنّ مجموعة الأحكام الموجودة في القرآن و السّنة و كتب الموروث الإسلاميّ هي ما يعتمده الشّيوخ لتقزيم المرأة و إهانتها مستندين إلى حجج قرآنيّة و أحاديث نبويّة. و الحلّ – كما أشرنا سابقا – يتمثل في تعطيل هذه الآيات و حذف الأحاديث و فهم النّص على ضوء متغيّرات الواقع؛ لأنّ هذا التشبّث بالموروث الإسلاميّ و محاولة فرضه و تطبيقه كان من الأسباب الرّيسيّة التي أدّت إلى إنعدام المساواة بين الجنسين و هو السّبب في تدهور وضعيّة المرأة و مكانتها في العالم العربي عموما و في دول الخليج خصوصا. و هو ما أدّى إلى تأخّر على مستوى الحريّات جعل النّقاش في المملكة السعوديّة مثلا حول قيادة المرأة للسيّارة !
تونس تمثّل الإستثناء
منذ لإستقلال، سعى الحبيب بورقيبة إلى إصدار مجلّة الأحوال الشّخصيّة التي على الرّغم من النّقائص التي توجد بها إلاّ أنّها مثّلت في تلك الفترة ثورة على جميع العادات و التّقاليد المتوارثة فقد رفعت من شأن المرأة و وضعتها في المكانة التي تستحقّها. و قد كان ذلك نتيجة مجموعة من المجهودات الإصلاحيّة منذ الثّلاثينات و نذكر بالأخصّ الطّاهر الحدّاد و كتابه ” إمرأتنا في الشريعة و المجتمع ” و قد طالب الحدّاد في هذا الكتاب بإعطاء المرأة حقوقها الكاملة و هو ما أدّى إلى تكفيره. كانت مجلّة الأحوال لشّخصية إذًا إنتصارًا للفكر التّنويريّ. و قد سعت مجموعة من الجمعيّات و المنظّمات في تونس منذ تلك الحقبة إلى المحافظة على هذه المكتسبات و تطويرها و من أهمّ هذه الجمعيّات نذكر الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات و التي دعت رئيستها المنتخبة حديثا الأستاذة منية بن جميع على مواصلة المطالبة بالمساواة في الإرث و هو مطلب مهمّ و خطوة نحو إتمام نقائص مجلّة الأحوال الشّخصيّة.