عبثية الترحم على عهد صدام!

عبدالخالق حسين
2016 / 2 / 1

بعث لي أحد الأخوة القراء مقالاً للكاتب والصحفي الفلسطيني السيد عبدالباري عطوان، يتشمت فيه بما يواجه العراق الجديد من مشاكل أمنية ومالية وغيرها، مبرراً لصدام حسين بناء قصوره الباهظة التكاليف خلال سنوات الحصار الاقتصادي، مدعياً أن هذه القصور خدمت العراق الجديد الذي يعاني الآن من العجز المالي، وأن "الحكومة العراقية يمكنها الحصول على 150 مليار دولار من بيع هذه العقارات والقصور". وفي رأييه أن تشييد هذه القصور في زمن الحصار كان مبرراً وخدم العراق.(1)
وراح عطوان إلى أبعد من ذلك، حيث شبَّه قصور صدام بالأهرامات المصرية التي بناها الفراعنة كقبور لهم، ولكن الآن المستفيد منها هو الشعب المصري حيث تجلب له ملايين السياح سنوياً لدعم الاقتصادي المصري.
نحن لا نعارض عبدالباري عطوان على كل ما يكتبه، فموقفنا منه يعتمد على موقفه من مختلف القضايا، قد نتفق معه في قضايا ونعارضه في غيرها. نتفق معه مثلاً في مواقفه من الأنظمة الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وقجر وتركيا، التي تدعم الإرهاب وتنشر الخراب في البلدان العربية مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها، ولكننا نعارضه على موقفه من حكم البعث الصدامي حيث كان مؤيداً له ومازال مدافعاً عنه، غير مبال بما جلب هذا النظام الدموي من كوارث على الشعب العراقي، وشعوب المنطقة، بما فيها الشعب الفلسطيني. فحكم البعث الصدامي هو حكم فاشي جائر معادي للإنسانية، قضى على كل ما بنته الأجيال العراقية منذ نهضته الحديثة أوائل القرن الماضي وحتى الآن، وبدد كل ثروات البلاد على حروبه العبثية وسياساته الطائشة، وشرد نحو خمسة ملايين من شعبه، ولولا سقوطه عام 2003 لكان أعداد المشردين في الشتات مضاعفاً. لذلك، فمن يترحم على صدام ونظامه بسبب المشاكل التي يواجهها العراق الجديد هو إما جاهل و ساذج، أو متعمد في التضليل، لأنه كان من المستفيدين من النظام الجائر.

فالصحفي عبد الباري عطوان يقوم بدور وعاظ السلاطين الذين كانوا يجمِّلون للطغاة جورهم وطغيانهم، ويوجدون التبريرات لمظالمهم، تماماً كما كان رجال الدين في العهد العثماني الذين كانوا يبررون للسلطان قتل أخوته، مبررين ذلك بتجنب الفتنة في الصراع على السلطة، يدعمون فتاواهم بآيات من الكتاب المقدس والسنة النبوية. فعطوان يبرر بناء 60 قصر لصدام حسين في زمن الحصار بأنه كان لغرض إيجاد فرص العمل للعاطلين. والسؤال هنا، ما قيمة فرص العمل حينذاك حين كان راتب الأستاذ الجامعي يعادل نحو 3 دولارات في الشهر، فكيف براتب العامل والمهندس؟ وقد أضطر الناس إلى بيع أثاثهم وحتى أبواب وشبابيك بيوتهم لتوفير لقمة العيش لأطفالهم.

أما تشبيه قصور صدام بالإهرامات ، فهو الآخر مضلل، فلو تقرأ كتب التاريخ، تجد أن هذه الإهرامات وأمثالها من الصروح التاريخية العظيمة التي شيدها الطغاة من الفراعنة وأباطرة الرومان، والتي تشير إلى أمجادهم، فهي في الحقيقة رموز للعبودية والظلم والجور، إذ كان الطغاة يستعبدون الناس وخاصة أسرى الحروب، يرغمونهم على العمل المجاني (سخرة slave labour)، يلهبون ظهورهم بالسياط حد الموت في حالة التقصير في العمل، إذ كانوا يعتبرون العبيد كمكائن حية (Living machines) لخدمتهم. وصدام كان يعامل الشعب العراقي كعبيد، متمادياً في إذلالهم، يطبق عليهم مقولة أحد الأعراب: (جوِّع كلبك يركض وراك). إذ لم يكن قصد صدام من بناء قصوره إيجاد أعمال للعاطلين، كما يدعي عطوان، ولا أن تكون قصوره للشعب ليستفيد منها خصومه فيما بعد، كما لم يكن قصد الفراعنة من بناء الإهرامات خدمة الشعب المصري في المستقبل لتجذب لهم السياح ، بل بنوها كمقابر لهم، ويدفنون معهم حتى خدمهم وحشمهم وهم أحياء ليقوموا بخدمتهم بعد مماتهم!!. أما الاستفادة من هذه الصروح فيما بعد، فهي (نتائج غير مقصودة) في التاريخ، ولا يمكن أن تكون مبرراً للظلم.

فمن مقتنيات صدام في زمن الحصار والمجاعة، أنه اشترى يختاً خاصاً له كلف خزينة الدولة نحو 150 مليون دولار. وشاءت الأقدار أن لا يرى صدام هذا اليخت، وبعد إعدامه بقي اليخت يتنقل من جهة إلى أخرى كل يدعي ملكيته، ودفع العراق نحو مليون دولار كلفة الإجراءات القضائية والمحامين في أوربا إلى أن فاز بملكية اليخت، والذي حولته الحكومة الحالية لأغراض المسح والبحوث العلمية البحرية. فهل علينا أن نشكر صدام على شرائه لهذا اليخت باهظ التكاليف في زمن المجاعة وتشرد العراقيين الذين صار عدد كبيراً منهم طعاماً للأسماك؟

خلاصة القول، إن كل ما حصل ويحصل في العراق من مشاكل وأزمات مالية وأمنية وإرهابية وفساد وفوضى... الخ، هي من نتائج حكم صدام وحزبه الفاشي. وما يمر به العراق أو أي بلد آخر من مشاكل مدمرة بعد التخلص من الاستبداد، هو شر لا بد منه كالقدر المكتوب، والتاريخ حافل بالأمثلة، إلا في حالات نادرة عندما يتم التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية على يد الحاكم المستبد نفسه و تدريجياً، وهذا شبه مستحيل في حالة صدام حسين، وربما ستكون بورما مثالاً في التحول السلمي حيث قام الحكام العسكر بعملية التحول السلمي التدريجي، وعلينا أن ننتظر.
فالعرب هم الوحيدون في العالم، الذين أدمنوا على العبودية ويمجدون الاستبداد ويبجلون طغاتهم، وسخروا الإسلام لهذا الغرض، إذ دائماً يبررون ويزوِّقون للطغاة مظالمهم وجرائمهم بأحاديث نبوية مزورة مثل قولهم: (أطع ولي أمرك حتى ولو ألهب ظهرك).
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
___________
روابط ذات علاقة
1- عبد الباري عطوان: يوم “عايروني” بقصور صدام حسين على الهواء مباشرة بهدف احراجي.. وها هم يلجأون اليها لانقاذ حكومتهم من الافلاس.. واليكم القصة كاملة دون اي رتوش
http://www.raialyoum.com/?p=381382

2- Saddam Hussein s Yacht Is Sailing Again With a New Mission
http://news.nationalgeographic.com/2016/01/160104-saddam-hussein-boat-research-iraq/

3- Anarchy vs Stability: Dictatorships and Chaos Go Hand in Hand
http://www.spiegel.de/international/world/stable-dictatorships-are-not-the-lesser-evil-a-996278.html