التنظيمات الدينية أخطر تهديد للهوية المغربية.

سعيد الكحل
2016 / 1 / 26

عرف المغرب ، منذ سبعينيات القرن العشرين ، موجات تقودها الحركات الدينية ، أو ما يعرف بتنظيمات الإسلام السياسي . هكذا ظهرت موجة الأسلمة/الأخونة التي فرخت عددا من التنظيمات الإسلامية التي تسعى ، منذ تشكيلها ،إلى "أسلمة الدولة والمجتمع" كمقدمة لقيام نظام إسلامي يحكم بالشرع ويقطع مع النظم والقوانين "العلمانية". ثم تلتها موجات أخرى ساهمت الدولة في استنبات بعضها لمواجهة حركات سياسية واجتماعية يسارية وقومية . من هنا جاءت موجة "السلْفنة" ، أي دعم التيار السلفي الوهابي وتمكينه من المساجد ودور القرآن لمواجهة تيارات فكرية ، سياسية ودينية ، برز اسمها مع أحداث 1984 . ومن رحم التيارات السلفية خرجت الطلبنة ، نسبة إلى حركة طالبان التي حكمت أفغانستان إلى أن قضى عليها التحالف الدولي بقيادة أمريكا عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 . والطلبنة هي رمز للتشدد الديني عقيدة وسلوكا يعادي كل المكتسبات المدنية والحضارية ويمارس أبشع وأفظع الجرائم ضد حقوق الإنسان ، وخاصة النساء .ويتمسك أتباع هذا التيار باللباس /المظهر الأفغاني . وكان آخر تيار ظهر عقب ثورات 2011 أو ما بات يعرف "بالربيع العربي" ، هو تيار الدعوشة نسبة إلى التنظيم الإرهابي "داعش" . كل هذه التنظيمات تنشد إقامة "دولة الخلافة" وبناء مجتمع يخضع لأحكام الشريعة في كل مناحي الحياة . وتشكل هذه التنظيمات الدينية خطرا حقيقيا وتهديدا مباشرا للهوية المغربية المتميزة بالتعدد والمنفتحة على قيم العصر وثقافات شعوب الأرض . ومكمن خطورتها هو قيامها على العقائد الدينية ، أي استغلالها للدين في تنميط سلوك المواطنين وتفكيرهم ودفعهم إلى مناهضة كل ما يخالف عقائد هذه التنظيمات الدينية المتشددة . أما الحركات الفكرية والسياسية التي عرفها المغرب منذ ستينيات القرن العشرين ، أي الحركات اليسارية والقومية ، فلم تكن تهدد الهوية المغربية في ثوابتها ، لأنها كانت حركات سياسية تدعو إلى تحييد الدين في إدارة الشأن العام وتحذر من استغلاله (=الدين) في السياسة . وللتذكير فكثير من مناضلي الحركات اليسارية كانوا متدينين يمارسون شعائرهم الدينية ولا يزالون . بل إن رموز الحركة اليسارية كانوا أكثر تشبثا بمقومات الهوية المغربية حتى في اللباس التقليدي (كان اليسار يفتخر بارتداء المهدي بنبركة الجلباب المغربي حتى داخل الفصول الدراسية ). من هنا تشكل الموجات الدينية تهديدا مباشرا وخطيرا للهوية المغربية في أسسها ومقوماتها كالتالي :
1 ـ الأسس الدينية: ترتكز عقائد هذه الحركات الدينية على تكفير الدولة والقوانين والمواطنين والتحريض على قتلهم بعد الإفتاء "بردتهم" . وتواترت فتاوى التكفير والتحريض على القتل في السنوات الأخيرة ، خاصة مع تنامي التيار التكفيري الذي أفرز التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وفروعها وداعش وفروعه . ومما ساعد على نشر فتاوى التكفير والتحريض على القتل :
ـ المساجد التي اعتلى منابرها دعاة وشيوخ التطرف ، إما بمباركة من الدولة أو بتواطؤ معها أو بقوة الواقع الذي كان يشهد تفريخ المساجد في الكاراجات ودور الصفيح .
ـ المؤسسات التعليمية حيث استغلت الحركات الدينية ، أول الأمر ، كثيرا من أساتذة مادة التربية الإسلامية وخريجي شعبة الدراسات الإسلامية ، للترويج لعقائدها في ظل غياب المراقبة الصارمة من طرف الوزارة الوصية وكذا الدولة نفسها التي كانت تسمح بأنشطة تلك التنظيمات وتوريد آلاف الأطنان من كتب الغلو والتطرف.اليوم نجد أعدادا مهمة من أساتذة باقي المواد الدراسية يتحولون إلى شيوخ ودعاة متطرفين داخل الأقسام الدراسية .
ــ المواقع الإلكترونية التي هي في تزايد ولا تخضع للمراقبة (45 ألف موقع جهادي أداره داعش سنة 2014)
ــ المواقع الاجتماعية التي أثبتت التقارير الأمنية أنها باتت تحتل المرتبة الأولى في استقطاب الجهاديين وإرسالهم إلى مناطق التوتر .
وقد أدى هذا الاختراق للمؤسسات الرسمية إلى تغيير ملموس في سلوك الناس ومعتقداتهم ضمن إستراتيجية محددة الأهداف والوسائل ، وهي إستراتيجية التحكم في المجتمع عبر أسلمته/سلفنته/طلبنته/دعوشته . وكل هذه المظاهر نجد له امتدادات واضحة في الشارع وداخل المجتمع المغربي . بل إن الهجوم على التعابير الدينية (الزوايا ، التصوف ، المواسم الدينية ..) باتت قاعدة توحد تيار الإسلام السياسي والسلفي والطالباني والداعشي ؛ علما أن التصوف يشكل ثابتا من ثوابت الهوية الدينية للمغاربة .
2 ـ الأسس السياسية : إذ تلتقي كل فصائل التيار الديني الدخيل عند عقيدة الولاء والبراء التي تضرب الولاء للوطن وتكفّره حتى لا يصير الوطن هو الجامع بين المواطنين مهما اختلفت أعراقهم ومعتقداتهم ولهجاتهم . فعقيدة الولاء والبراء تقوم أساسا على ثقافة الكراهية والبغض ضد فئة من المواطنين الذين لا يقاسمون هذا التيار عقائده . إنه ضرب لقيم المواطنة ولدولة القانون بأن جعل هذا التيار الوطن حكرا على الأتباع بينما باقي المواطنين لا حق لهم في العيش على أرضه وفي أحضانه . فالوطن ، حسب ذات التيار، ليس لكل المواطنين . وتلعب عقائد التكفير وأحكام الردة المنبع الذي تتغذى عليه ثقافة الكراهية . وهذه الثقافة المقيتة تجد تجلياتها في كثير من الممارسات الشاذة التي ، للأسف، تغزو المجتمع من مستويات عدة ، بدءا بتنفيذ العمليات الانتحارية ( التفجيرات الإرهابية في الدار البيضاء ، مكناس ومراكش) ثم قتل أشخاص بعد تكفيرهم في عدد من المدن المغربية وتهديد آخرين بمواجهة نفس المصير ، وانتهاء برفض تقديم الخدمات بكل أنواعها ، إلى فئات بعينها ( سائق طاكسي بتطوان رفض نقل زبونة إلى وجهتها لأنها "متبرجة" ، صاحب محلبة بسلا يمنع النساء من الجلوس على المقاعد ، مدرس بمراكش يطرد تلميذة لرفضها ارتداء الحجاب .. لكن الأخطر هو رفض طبيب بوازان تقديم الإسعافات الضرورية لشابة مصابة في حادثة سير حتى ماتت لأنه شم فيها رائحة الخمر ) .كل هذه الممارسات تجد تفسيرها في عقائد التكفير والكراهية التي تكفّر الدولة المدنية ومؤسساتها الدستورية كما تكفر المواطنين الذين ينخرطون في بناء الدولة المدنية ويقبلون التعامل بقوانينها والعيش في ظل نظامها المدني( بعض فصائل التيار المتطرف يرفضون التعامل بالوثائق الإدارية والعمل في قطاعات الدولة ..) .
3 ــ الأسس الثقافية : وهي أخطر المداخل التي يتسرب منها الغلو والتطرف تدريجيا في ثنايا المجتمع ويفعل فعله في الأوساط كلها : شعبية ومثقفة ، شبابية ونسائية ، تلاميذية وطلابية ..الخ . فالمجتمع ، رغم مقاومته للأفعال الإرهابية ورفضها ونبذه للعناصر الإرهابية ،إلا أنه بات يطبّع تدريجيا مع ممارسات هي من صلب الممارسات المتطرفة التي تؤطرها عقائد وثقافة التطرف. هكذا يشهد المجتمع المغربي أخونة وسلفنة وطلبنة ودعوشة بشكل تدريجي مثلما يحدث للصدأ تحت الطلاء . وتظهر مؤشرات كثيرة عن هذا الزحف "الهادئ" مثل اللباس ، خاصة لدى أتباع التيار السلفي المتشدد، بفصيليه الحركي والتكفيري ،الذي يسهل رصده في الأماكن العامة ، مما يستفز الذوق العام بألبسة دخيلة منفصلة عن ثقافة المجتمع وأعرافه وتقاليده ، سواء فيما يتعلق بلباس النساء أو لباس الرجال وحتى الأطفال. وتشكل الألبسة الدخيلة تهديدا مباشرا للهوية الثقافية المغربية ، إذ عادة لكل شعب بصماته الحضارية والثقافية تعكسها أزياؤه التقليدية التي هي بمثابة سجل حضاري تاريخي يعكس عراقة الشعب وامتداد جذوره عبر التاريخ .والألبسة الدخيلة يسعى أصحابها لقطع هذه الجذور وفصل حاضر الشعب ومستقبله عن ماضيه الحقيقي .فاللباس الأفغاني يخص الأفغان ويعكس تراثهم وثقافتهم كما هو لباس بقية الشعوب ؛ بينما يصير نشازا حين يتخذه أتباع تيار معين لباسهم "التمييزي" عن بقية أفراد الشعب . إنه أخطر أنواع الاستلاب الذي يعانيه أتباع هذا التيار الذين يعيشون غربة حقيقية داخل وطنهم ومجتمعهم. واللباس الدخيل غير منفصل عن القيم والعقائد التي يتشبع بها أتباع هذا التيار على اختلاف فصائله . من هنا يدافع هؤلاء عن قيم هي نقيض للقيم التي تشبع بها المغاربة منذ قرون أو تلك التي يناضلون من أجلها وقد صار جزءا مهما منها يؤطره الدستور وتشرعه القوانين . فموضوع الاختلاط في الأماكن العمومية والإدارات والشواطئ ما كان يوما قضية تعرض للنقاش أو تستفز الوجدان ، لكن التيار الديني بكل فصائله يجعلها قضية محورية ضمن مطالبه وأهدافه . فهذا التيار يستنسخ مشاكل مجتمعات عجزت عن الحسم فيها ويحاول إثارة الفتن حولها داخل المجتمع المغربي الذي يتطلع إلى آفاق أرحب تضمن له إشاعة قيم التسامح وتكريس قيم المواطنة والمساواة والمناصفة . ذلك أن الشعب المغربي ليس هاجسه تحريم الاختلاط ومنع تواجد المرأة في الأماكن العمومية والمؤسسات الإدارية والإنتاجية والخدماتية ، وإنما ضمان المناصفة بين الرجال والنساء في تحمل المسئوليات على كافة الأصعدة . فالتيار الدخيل يسعى لطمس الهوية الثقافية للشعب المغربي وسد باب الانفتاح الحضاري والقيمي أمامه وذلك بتحريم تدريس عدد من المواد التعليمية مثل الأركيولوجيا ، التربية البدنية للإناث ، الموسيقى التي لا يكف فقهاء هذا التيار عن تحريمها سماعا وأداء وحتى تأليفا وصناعة . ولا يتوقف أتباع التيار إياه عند هذا الحد من ضرب الهوية الثقافية للشعب المغربي ، بل يتجاوزونه إلى تحريم الاحتفال بالأعياد الوطنية التي تؤرخ للشعب بطولاته وأمجاده وتربي في أجياله حب الوطن وقيم التضحية من أجله والإخلاص في خدمته ، وهي آلية مهمة من آليات الإدماج التي تتبعها المجتمعات لجعل الأجيال الجديدة أشد ارتباط بوطنها وشعبها . وليس أخطر على الشعب من قطع جذوره التاريخية والثقافية .
4 ــ الأسس الاجتماعية :هنا تظهر الخطورة الحقيقية لهذا التيار على النسيج المجتمعي وتماسك بنياته الأسرية . فالأسرة هي أول ضحايا هذا التيار المتشدد وقيمه المتطرفة ، بحيث يشرعن أنواعا من الزواج لا تحفظ للزوجة حقوقها ولا للأبناء (زواج المسيار ، الزواج العرفي بعبارة "زوجتك نفسي" بدون ولي ولا توثيق). وتتسع دائرة التحريم لتشمل التقاليد المغربية في إقامة الحفلات واستقبال الضيوف والتزاور ، بحيث يمنع أتباع التيار على نساء أسرهم من زيارة أهليهم أو استقبالهم خاصة الذكور ، بل منهم من يمنع على الأخوات من مجالسة إخوانهن ولو على مائدة الطعام .ونفس التحريم يطال تقاليد تشييع الجنازة بترديد عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على طول المسافة المؤدية إلى المقبرة.
كلما تباطأت الدولة في التدخل الحازم لوقف اختراق المجتمع ونشر عقائد التكفير وضرب أسس ومقومات الهوية الوطنية ، إلا وتمدد التيار الديني وتغلغل في المجتمع وبسط تأثيره المباشر وغير المباشر على عموم المواطنين .