الضرورة الموضوعية للانتخابات العامة بعد عشرة سنوات على حدوثها

محسن ابو رمضان
2016 / 1 / 25

الضرورة الموضوعية للانتخابات العامة
بعد عشرة سنوات على حدوثها
بقلم / محسن ابو رمضان

مضى عشرة سنوات على اجراء الانتخابات النيابية الثانية التي تمت بعد عشرة سنوات ايضاً على اجراء الأولى والتي تمت عام 96 ايضاً، ومضى احدى عشرة سنة ايضاً على انتخابات الرئاسة التي تمت في يناير /2005 .
كان ينظر وطنياً للانتخابات الثانية بأنها فرصة لاعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة المشاركة ، وبهدف تعزيز التعددية في اطار النظام وفق مبدأ سيادة القانون ، وذلك بدلاً من مكوث المعارضة خارج بنية النظام كما كان الحال قبل الانتخابات ، خاصة بعد دخول احد المكونات الرئيسية لحركات الاسلام السياسي والمجسدة بحركة حماس للانتخابات وحصولها على نسبة مميزة في اطار المجلس التشريعي .
وبدلا من ان تكون الانتخابات وتشكيل مجلس تشريعي جديد يندمج به معظم المكونات السياسية من قوى وفاعليات ، مدخلاً للتعددية والشراكة في اطار الوحدة ،فقد شكلت الانتخابات مدخلاً لحالة التجاذب والاستقطاب وصولاً إلى الاقتتال الذي قاد إلى الانقسام في منتصف حزيران 2007 ، حيث أصبحنا امام نظامين سياسيين واحد في غزة بقيادة حركة حماس والثاني بالضفة الغربية بقيادة حركة فتح .
وإذا كان غياب الثقافة الديمقراطية المبنية على قبول الآخر واستيعاب عملية التحول من الاغلبية إلى الاقلية ومن السلطة إلى المعارضة شكل احد الاسباب الرئيسية وراء حالة التجاذب والانقسام فإن غياب العقد الاجتماعي المبنى على تعريف مرتكزات النظام السياسي الذي يجب ان يكون قائماً على قواعد لا يمكن تغييرها بغض النظر عن طبيعة الحزب السياسي الجديد المسيطر على السلطة ، شكل هو الآخر احد الأسباب الرئيسية أمام تعثر عملية التحول الديمقراطي .
فالدولة الديمقراطية الحديثة الراسخة في بلدان العالم تجاوزت اعتبار السلطة منصة لسيطرة الحزب الحاكم ، وتجاوزت عملية الاستبدال والاحلال في البنية الادارية والوظيفية والامنية لصالح الحزب الجديد الفائز على انقاض الحزب السابق ، وتجاوزت اعتبار السلطة منصة للثروة والامتيازات والنفوذ، وذلك بسبب الاستناد إلى معايير سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة واحترام آليات المسائلة والمحاسبة سواءً الشعبية أو الناتجة عن أدوات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية وكذلك المرجعيات القانونية للنظام ذاته أو عبر القضاء العادل والنزيه والمستقل، وبالتالي فقد اصبح الحزب الفائز بالانتخابات والحاصل جديداً على السلطة يحاول ان يقنع الجماهير بصحة رؤيته عبر ترجمة برنامجه الانتخابي بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وذلك بدلاً من محاولة تحويل مكونات السلطة " الدولة " لصالح الرؤية الايديولوجية والسياسية للحزب الفائز .
وعليه فلا يمكن لحزب يتبنى ايديولوجية ما محاولة فرض رؤيته على بنية وطبيعة النظام ولا يمكن ايضاً إزاحة البناء الإداري والوظيفي السابق واستبداله بموظفين موالين جدد .
إن غياب المرجعية الفكرية والقانونية للنظام السياسي الفلسطيني جعل منه قاعدة للحزب الحاكم سواءً لحركة فتح التي ما زالت تسيطر على بنيته وتركيبته بحيث جرت حالة من التماهي والتداخل بين الحزب الحاكم والسلطة ، حيث اصبحت السلطة هي للحزب وليس للشعب وللأشخاص الأكفاء والمناسبين ، وفق قاعدة الولاء الذاتي و الحزبي وقد تكرر هذا المشهد في غزة بعد عام 2007 عبر سيطرة حركة حماس وموظفيها على البناء الإداري الجديد الناتج عن الفراغ الذي احدثه قرار الرئيس عباس للموظفين القدامى بعدم مزاولة اعمالهم ، بحيث اصبحت النسبة الأكبر من الموظفين الجديد مواليين أو على علاقة أو اقتراب من حركة حماس التي سيطرت على مقومات الحكم " السلطة " في قطاع غزة .
تجسدت أحد النتائج الضارة للانقسام في اضعاف وتهميش إن لم نقل تغييب الحالة الديمقراطية بالمؤسسة وكذلك بالمجتمع الفلسطيني ، فأصبحت السلطة التنفيذية في غزة والضفة الغربية هي التي تقرر وتنفذ في ظل قضاء مسيس وغير مستقل ، وفي ظل استثمار بعض الهيئات لصالح الحزب النافذ في هذه المنطقة او تلك ، فالرئيس محمود عباس يفعل المجلس المركزي واللجنة التنفيذية للمنظمة في العديد من المرات من اجل الحصول على مشروعية في تحركاته و توجهاته السياسية ، كما تقوم حركة حماس بتفعيل كتلة الاصلاح والتغيير بالمجلس التشريعي لسن قوانين بهدف تشريع عملها الإداري أو الحكومي .
لقد قام الرئيس محمود عباس بسن قرارات بفعل القانون وصلت إلى حوالي 120 قرار، وذلك دون نقاشها بالمجلس التشريعي واقرارها ، كما أصدرت كتلة الاصلاح والتغير اكثر من 55 قانوناً دون مصادقة الرئيس عليها ودون نقاش باقي الكتل البرلمانية لها .
إن تجميد دور المجلس التشريعي في سن القوانين والرقابة والمسائلة على السلطة التنفيذية أدى إلى الاستناد فقط إلى السلطة التنفيذية في عملية سن القوانين والقرارات الأمر الذي غيب أحد الوظائف الرئيسية للنظام الديمقراطي والمجسد بالسلطة التشريعية ، لصالح الهيكلية والآلية البيروقراطية والأبوية والشمولية .
لقد أدى تعطل البنى المؤسساتية للسلطة إلى تقهقر كبير في مجال الحريات العامة ، التي ينص عليها القانون الأساسي من خلال العديد من الاجراءات والأدوات التي ساهمت بالحد من حرية الراي والتعبير والتجمع السلمي والعمل النقابي والحزبي بما شكل نكوصاً عن الاسس التي قررت بها القوى السياسية المشاركة بالانتخابات حينها.
لقد شاركت القوى بالانتخابات عام 2006 على قاعدة القانون الأساسي الذي اعتبر الدستور المؤقت للدولة القادمة ، وللحقيقة فإن القانون الأساسي شكل مرجعية جيدة للنظام السياسي الفلسطيني خاصة إذا أدركناانه يستند إلى الشرعة الدولية لحقوق الانسان إلى جانب تشريعه للعديد من الحقوق التي كفلها ومنها الحق بالعمل الأهلي والنقابي والمعتقد والرأي والتعبير والتجمع السلمي ، رغم انه بحاجة إلى استكمال على قاعدة تضمن عدم المس بالجوهر الديمقراطي والقانوني بغض النظر عن الحزب السياسي الجديد الصاعد للسلطة عبر الانتخابات الذي يجب ان لا يتمكن عبرها من تغيير الهوية الديمقراطية للنظام بل يحافظ عليه في سياق التعددية السياسية .
وبالرغم من الجدل الموضوعي الحاصل بما يتعلق بالانتخابات وهل هي للسلطة الفلسطينية التي لم تتحول إلى دولة وبقيت في اطار سلطة الحكم الإداري والذاتي المحدود أو للمجلس التشريعي بوصفه جزءً من المجلس الوطني ل.م.ت.ف أو لبرلمان الدولة المستقلة التي جرى الاعتراف بها في 29/11/2012 كعضو مراقب بالأمم المتحدة ، إلا أننا بحاجة إلى الانتخابات بهدف تجديد شرعية النظام السياسي ، ولاعادة الحيوية له ، عبر الاستفادة من تجارب الماضي،فلم تنجح سياسة الاقصاء والإلغاء أو العنف ولا بد من اتاحة المساحة الواسعة للمشاركة في بناء النظام السياسي لأن بديل ذلك الاستمرار في تكريس سيطرة الحزب أو الفرد الواحد الأمر الذي لا يستقيم مع مبادئ القانون الاساسي ومع طموح المجتمع الفلسطيني بتحقيق مجتمع ديمقراطي تعددي بعيداً عن الشمولية أو الأبوية .
إنني ارى ان الدفع باتجاه الانتخابات يجب ان يستمر رغم أنني اميل إلى إجراء الانتخابات للمجلس التشريعي بوصفه جزءً من المجلس الوطني ،بما يساعد في إعادة بناء المبنى الجامع للشعب الفلسطيني المجسد بالمنظمة بدلاً من تكرار تشكيل مجلس تشريعي في اطار سلطة حكم ذاتي منقوص السيادة .
من المتوقع قيام دولة الاحتلال باعتراض الانتخابات وهنا يأتي أهمية فضح هذا الدور و وإبراز اسرائيل امام العالم كدولة ترفض الديمقراطية بعكس ما تدعي وبأنها تحرم شعبنا من حقه باختيار ممثليه بما سيساهم في تكريس صورتها كدولة احتلال واستيطان وتمييز عنصري، ونافية للعملية التنموية والديمقراطية في مجتمعنا بما يشمل حقنا في تقرير المصير.