انهيار -الإسلام السياسي- وصعود السلفيين الجهاديين

ياسين الحاج صالح
2016 / 1 / 20

السلفية الجهادية الصاعدة اليوم ليست إسلاما سياسيا، إنها إسلام عسكري محارب بالأحرى. تنويعات الإسلام الإخواني وحدها يمكن وصفها بالإسلام السياسي. وليس هذا مجرد تمييز اصطلاحي شكلي، فهو يحيل أيضا إلى الملابسات التاريخية لظهور التيارين. ظهر الإسلام الإخواني في إطار الدولة الوطنية الحديثة (مصر، سورية، تونس... ويفترضها إطارا أول للعمل السياسي)، فيما ظهرت صيغة الإسلام السلفي الذي تنحدر منه تشكيلات اليوم العسكرية في إطار مملكة سلالية غير متوافقة مع فكرة وبنى الدولة الوطنية، السعودية، أو في إطار معترض على الدول الوطنية في بلداننا (القاعدة وتفريعاتها). يحيل من جانب آخر إلى أن في الإسلامتلسياسي سياسة من نوع ما، فيما لا سياسة إطلاقا في الإسلام السلفي الجهادي، حرب فقط.
الإسلام الإخواني يمكن أن يمارس العنف في مواجهة الدول، وقد حصل ذلك غير مرة في سورية ومصر، لكن ملابسات ظهوره تسهل التعايش مع الدولة الوطنية (أو الدولة- الأمة)، وهي ذاتها حديثة النشوء في مجالنا الاجتماعي الثقافي، وحصل فعلا أن شارك إسلاميون في حياتها السياسية. وضمن هذا الإطار ثمة أحزاب سياسية أخرى، وتيارات إيديولوجية حديثة، ناشئة محليا أو وافدة، وفيه قدر من نقاش سياسي وإيديولوجي. ليس الإخوان عنصرا متكيفا تماما التكيف في هذه الدولة، لكن لا يبدو أن التكيف الإخواني أضعف من التكيف البعثي في سورية والعراق، وهو تكيف غلب فيه في النهاية منطق الدولة على منطق العقيدة القومية العربية. أما السلفية الجهادية فهي إسلام ناف لغيره جوهريا، وللعالم ككل.
مع انقلاب السيسي في مصر وصمود دولة السلالة الأسدية في سورية بلغ الإسلام السياسي فشله الأخير. فلا جهوده السياسية أثمرت، ولا هو الأقدر على المواجهة العسكرية اليوم. وأخذ يصعد بدلا منه الإسلام العسكري الذي يبدو مؤهلا أكثر للتكيف مع شروط التغول الفائق، بعد موجة تغول أولى للدول، في ثمانينات القرن العشرين.
الإسلام العسكري الصاعد طرفي وريفي أكثر: في قواعده البشرية يستقطب جمهورا كان خارج الدولة الوطنية اجتماعيا واقتصاديا، رغم أن قياداته من الطبقة الوسطى المتعلمة (أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، أبو بكر البغدادي...). وهو طرفي أيضا في تكوينه الفكري النافي لدولة وطنية كانت تجنح هي ذاتها لأن تنفي أكثرية سكانها. هذه نقطة تحول حاسمة. فإذا كان الإسلام العسكري المحارب يبدو مؤهلا أكثر من غيره للعيش في شروط الإملاق السياسي، فإن هذه الشروط لم تكن وضعا استثنائيا عابرا، لا من حيث النسبة العالية جدا لمن تستبعدهم سياسيا من السكان، ولا من حيث دوامها الزمني الذي بلغ جيلين في سوريا، وما يقاربهما في معظم الدول التي عرفت ثورات. والمراد أنه ليس لاستحالة التعايش بين الدولة الوطنية والسلفية الجهادية أن تخفي أن السلفية الجهادية هي الأقدر على التكيف مع هذه الدول في انحطاطها السلطاني. العلاقة كانت حربا بينهما، لكن السلفية الجهادية لم تظهر إلا في شروط تدهور الصفة الوطنية لهذه الدولة، ونكوصها إلى "دولة" بالمعنى السلطاني القديم: نوبة لسلالة في الحكم تدوم أجيالا، لكن لها عمر محتوم، يؤول بها وبمحكوميها إلى "خراب العمران"، حسب المصطلحية الخلدونية.
وعلى كل حال تبدو هذه الدولة، في صيغتها المركزية على الأقل، في حالة انهيار عام أوسع من أن يكون عارضا. ففي ليبيا وفي مصر، وفي سورية وفي لبنان وفي العراق وفي اليمن، وفي فلسطين دوما، تبدو هذه الدولة في أزمة وجودية لا مخرج منها، تتشاطرها كل الأدوار والتيارات السياسية والفكرية التي اقترنت بها: الإيديولوجيات القومية واليسارية التقليدية، الأحزاب السياسية كلها، وكذلك المثقفون السائرون في ركاب الدولة كوكلاء حداثة. الإخوان المسلمون جزء من هذه التركيبة المتداعية. يمكن أن يتسلف الإخوان حسب تحليل للمرحوم حسام تمام بخصوص الإخوان المصريين سبق الثورة، لكن هذا ذاته مؤشر على أن الأمر يتعلق بتحول زلزالي كبير، يعزز من يتسلف فرصه في البقاء أكثر ممن لا يفعل. والمهم في الأمر أن الصيغة التوفيقية التي مثلها الإسلام السياسي، متجسدا بالإخوان أكثر من غيرهم، تتفكك إلى إسلام لا سياسي يعرض وجها مكفهرا وعدوانيا، يتفوق في تجسيده السلفيون، وإلى سياسة غير مؤثرة، أقرب إلى باب الخروج من السياسة منها إلى ميدان الحرب التي هي السياسة المتاحة.
وإنما بفعل انهيار الدولة الوطنية وعالمها السياسي ككل، فإن ما يبدو صاعدا اليوم هو تشكيلات متوحشة مثل الدولة الأسدية والسيسية، ومثل داعش والسلفية الجهادية في عمومها.
سورية وهي البلد المختبر الذي كان يعرض نزع وطنية الدولة عبر التحول السلطاني، وهذا قبل تفجر الدولة والمجتمع، تعرض أيضا صورة قاسية عن مصير حداثتنا السياسية ككل. انهيار المعارضة التقليدية ككل على ما تتمثل في الائتلاف وهيئة التنسيق الذين لا يبقيان على قيد الحياة إلا بفعل حاجة قوى متنوعة لهما، منها في حالة هيئة التنسيق السلطنة الأسدية ذاتها. الإيديولوجيات السياسية، وبخاصة تنويعات القومية العربية والقومية السورية والشيوعية، لا تستمر في الحياة اليوم إلا بفعل كونها أقنعة على وجوه قوى طائفية مثل السلطنة الأسدية نفسها، ومثل إيران وحزب الله. ويدور حول مثل هذه القوى "مثقفون" يدورون مع الدولة كيفما دارت، وهم اليوم مثقفون سلطانيون مع دوران الدولة السلطاني.
القصد أننا فيما يبدو في حقبة انتهاء عالم، وولوج عالم جديد لا نعرف من ملامحه غير أنه عالم ما بعد الدولة الوطنية المركزية، لكنه يلوح عالما مثيرا.
انهيار الإسلام السياسي وصعود الإسلام العسكري هو أحد وجوه هذه العملية التحولية التي تطوي حقبة بكاملها.