فيلم شبابك الجنة: إبداع في تجسيد المعاناة

ضياء البوسالمي
2016 / 1 / 19

"شبابك الجنة" هو أول فيلم طويل للمخرج فارس نعناع الذي بدأ مسيرته كمساعد مخرج مع النوري بوزيد قبل أن يخرج مجموعة من الأفلام القصيرة أشهرها Casting pour un mariage، وقد حقق الفيلم نجاحًا جماهريًا لافتًا في دورة أيام قرطاج السينمائية 2015، ورغم أنه لم يفز بجوائز إلا أنه كان من أفضل الأفلام المشاركة في الدورة بشهادة الكثير من المتابعين والنقاد، هذا النجاح تأكد بعد ذلك في مهرجان دبي السينمائي الدولي أين حصل لطفي العبدلي على جائزة أفضل ممثل.

"الحياة حلم يوقظنا منه الموت" (كاتب فارسي - القرن 11م)

الفيلم يدخل بنا من البداية في صلب الموضوع، منذ الدقائق الأولى يجد المشاهد نفسه أمام مجموعة من مشاهد الحياة اليومية لزوجين وابنتهما، ومباشرة نلاحظ مجموعة من التحولات التي تطرأ على ملامح وتصرفات أفراد العائلة بسبب حادثة قلبت حياتهم رأسًا على عقب، ساعة و20 دقيقة تقريبًا سيكون محورها مأساة الزوجين وما خلفته من آثار على المستوى النفسي والجسدي.

وتجدر الإشارة إلى أن أداء الممثلين كان رائعًا، إذ إنه ينقل المشاهد إلى بواطن الشخصيات ويجعله في تعاطفٍ تام معها: لطفي العبدلي في دور الأب الذي فقد الرغبة في العيش ولم تعد للحياة أي معنى في نظره، وأنيسة داوود في دور الأم التي تعاني من لوعة الموت من جهة ومن انهيار زوجها من جهة أخرى، تحاول أن تنهض وتقاوم للخروج من الأزمة ولكن دون جدوى.

يصور الفيلم صراع الإنسان الأزلي مع نفسه ومع الموت، يظهر الأب بعد الحادثة بلحية كثيفة وملابس قديمة وملامح تعكس يأسه، وكأن المخرج أراد عن طريق الشخصية المحورية في فيلمه أن يذكرنا - و لو عن غير قصد - ببطل نجيب محفوظ في رواية "الشحاذ"، فكلا البطلين يعانيان من أزمة وجودية وكلاهما كانت له نفس التجارب تقريبًا (الخمر، الجنس …)، ولئن كانت الرصاصة التي تلقاها بطل محفوظ في ساقه هي المخلصة، فإن بطل فيلم "شبابك الجنة" يفاجئ المشاهد بعودته إلى الواقع بفضل الموت، تلك التي أخذته في رحلة ظن أنها لن تنتهي أبد.

اختيارالممثلين كان موفقًا، فرغم بساطة القصة إلا أن المخرج نجح في تسليط الضوء على الجانب النفسي للشخصيات كما نجح في تجسيد المعاناة.