المغرب الذي نريد ولا يريدون .

سعيد الكحل
2016 / 1 / 15

إلى أين يقودون المغرب ؟ وماذا يريدون به ؟ وهل من مكان للحياد ؟ أسئلة وأخرى باتت تؤرق عموم المواطنين دون نُخبهم المسيَّسة أو المثقفة ، وهم يرون ويعيشون ويعانون تكالب الانتهازيين والناهبين والمهربين والمتطرفين والإرهابيين على "قصعة" الوطن ورأسماله المادي والبشري والرمزي . مر المغرب من مرحلة اتسمت بالصراع الحاد على السلطة كانت كلفته باهضة على الوطن والشعب ، وتأخر عقودا عن الانطلاقة السليمة في سبيل بناء دولة الحق والقانون تحفظ لجميع المواطنين كرامتهم وتضمن لهم كافة حقوقهم . دفع المغاربة من أرواحهم ودمائهم وقوتِهم الثمن الغالي ليكون الوطن للشعب وتكون الدولة في خدمة الوطن والشعب معا . وطن يحضن جميع أبنائه ويوفر لهم أسباب العيش الكريم ويمنحهم كل الفرص للإبداع والترقي والارتقاء به على مدارج التطور والنماء . كان الأمل أعظم والانتظارات أوسع مع انطلاق الإنصاف والمصالحة التي أعادت للسياسة جاذبيتها وللأمل في التغيير جذوته . لكن سرعان ما خاب أمل الشعب وضاقت به "قاعات الانتظار" وطالت مسالك "الانتقال الديمقراطي" والْتَوَتْ مَمَرّاته . فلم يعد المغرب يعيش صراعا حول السلطة ، بل دخل مرحلة أشد خطورة ، وهي مرحلة التكالب على الثروة ونهبها . وإذا كانت من ميزة للصراع على السلطة فإنه أنتج أجيالا وطنية كلها استعداد للتضحية من أجل الشعب والوطن ، وأشاع الوعي بأن الوطن للجميع وأن المواطنين حماته وبناته حتى إن النظام كان يتخذ من نفي المناضلين عقابا وترهيبا؛ كانت للنظام هيبة وسطوة يوازيها صمود النضال وصدقه وشرفه . صفة "مناضل" كانت وسام شرف واعتزاز كل المناضلين الشرفاء . أما ما بعد مرحلة الصراع فقد تآلفت القلوب على نهب ثروات الوطن وأوجدوا للنهب آلاف الوسائل والطرق حتى بات للناهبين حماة وقوانين تشرعن لهم النهب . ولعل أخطر أشكال النهب تلك التي يجعلها التشريع قانونية على خلاف أشكال النهب اللاقانونية التي لا تسقط بالتقادم ولا يكون الفاعلون في مأمن متى تشكلت حكومة تجعل محاربة الفساد والنهب أولى أولوياتها . إن الوضعية التي يعيشها المغرب اليوم تجعله وطنا لغير المواطنين وأرضا للناهبين كما لو أنهم محتلون في سباق ضد الزمن قبل رحيلهم . وطن غالبية مواطنين يرغبون في الهجرة منه ، وتلك أم المآسي حين يفقد الوطن حماته فتضيع ثرواته بين النهب والتهريب .
فالمغرب تتكالب عليه ثلاث قوى لكل منها أسلوبه التخريبي وهدفه التدميري .
1 ـ قوى النهب خارج القانون : تشكل هذه القوى أخطر تهديد لاستقرار المغرب من حيث كونها تعيش على نهب الثروات وتجفيف منابعها دون المساهمة في إعادة إنتاجها أو تنميتها ؛ الأمر الذي يحرم الوطن من ثرواته ويلقي بالملايين من المواطنين في براثين الفقر والتهميش والبطالة . وتخريب الثروات المادية والبشرية وحرمان الوطن من الاستفادة منها في دعم الاستثمار وخلق فرص الشغل والتنمية. هي فئة مستعمِرة لأنها لا يربطها بالمغرب سوى النهب والتخريب . فقد كشفت دراسة أجرتها الشركة الاستشارية عن الثروات المالية العالمية خلال سنة 2012 ، ونشرتها مؤسسة بوسطن الاستشارية الأمريكية ، أن أكثر من 30 في المائة من الثروات التي تمتلكها الأسر الغنية في المغرب توجد أساسا في حسابات خاصة في بنوك سويسرا وبريطانيا ، ليحتل المغرب بذلك الرتبة الثانية في شمال إفريقيا بعد تونس في ما يخص تهجير الثروات ( تقدر الأموال المهربة والمنهوبة بـ 41 مليار دولار لم تنجح إغراءات الحكومة إلا في استرجاع ستة مليارات درهم (671.8 مليون دولار)حسب المدير العام لمكتب الصرف التابع لوزارة الاقتصاد والمالية المغربي . كما كشف المجلس الأعلى للحسابات، عن حجم النهب والتهريب الذي تتعرض لهما الأموال العامة من طرف شركات دولية عاملة في المغرب «هربت إلى الخارج مبالغ بقيمة 32 مليار درهم (أربعة ملايير دولار) بين الأعوام 2005 و2009».
2 ـ قوى النهب باسم القانون ، وهذه لا يخلو مجال أو قطاع إلا وتوغلت فيه هذه الفئة وعششت وتجدرت ، وليس تعويضات ومعاشات البرلمانيين والوزراء سوى قمة الجبل الجليدي رغم أن عدد الوزراء المعنيين بالتقاعد هو 113، ويصل مجموع تقاعدهم 24 مليون درهم في السنة؛وهذا مبلغ مهم إذا قيس بالعجز الذي تعاني منه الميزانية العامة للدولة وحاجيات المواطنين في الشغل والتعليم والتطبيب والبنيات التحتية . فالحكومة مطالبة بالقطع مع الريع بكل إشكاله وأساليبه ومراجعة ، ليس فقط الأجور والتعويضات ، بل المراقبة الصارمة لكل أوجه صرف المال العام ومحاسبة كل الناهبين بدءا من المجالس المحلية التي ينخرها الفساد والتبذير والنهب وانتهاء بالمتهربين من أداء الضرائب .فالوضعية المالية للمغرب وانتظارات المغاربة لم تعد تسمح بمواصلة النهب والتبذير ولا بشرعنتهما ( موارد المغرب بقيمة 364 مليار درهم بينما مصاريفه بقيمة 388 مليار درهم.).
هاتان الفئتان تلتقي مصالحهما في نهب ثروات الوطن وتهريبها وحرمانه من أسباب التقدم والنماء . إنهما تريدان وطنا منخورا ومنهكا لا يوفر لغالبية مواطنين شروط العيش الكريم ، بل تدفعان الشباب إلى الهلاك غرقا أو حرقا أو تفجيرا .
3 ـ قوى التطرف والإرهاب ، هي قوى دخيلة تتغذى على ظروف الجهل والفقر ونشر ثقافة الكراهية والموت التي تتولاها المساجد والمقررات الدراسية ووسائل الإعلام . إن قوى الإرهاب تتغذى على تخريب العقول وسفك الدماء وتقطيع الأشلاء وسبي النساء ؛ لهذا تسعى لتجعل المغرب مقبرة للمغاربة ، لا يعيش فيه إلا الإرهاب والخراب .
رغم تباين المنطلقات بين القوى الثلاثة ، فهي تلتقي في الأهداف : تدمير الوطن ومقدراته المادية والبشرية وضرب أسس التنمية والارتقاء الفكري والحضاري .
هذا هو المغرب الذي يريدون :مغرب الإجرام والتهميش أو مغرب الإرهاب والسبي . أما المغرب الذي نريد فهو مغرب الكرامة والحرية والمواطنة . والمصير الذي يواجهه الوطن لا يترك مكانا للحياد ، فإما العمل على تصحيح الأوضاع والارتقاء بالإنسان ، وإما الخراب والإرهاب ، ساعتها سيتساوى الأمير والوزير والغفير والأجير . اللهم اشهد أني قد بلّغت.