التجربة وحْيُكَ المقدّس

محمود كرم
2016 / 1 / 14

التجربة وحْيُكَ المقدّس ، هكذا أراهنُ دائماً على الإنسان ، صانعاً حقيقيّاً لوجودهِ واختياره وحرّيته . التجربة وعيّ اللحظة ، وادراكها ، وصناعتها ، واستنطاقها ، وبلورتها . وقد تكونُ أساساً لِوعيّ يتأسّس ، وتأسيساً لِوعيّ يتجذّر . ففي التجربة الذاتيّة يذهب الإنسان بعيداً إلى استثارة ما لديهِ من أفكارٍ وتأمّلات وتراكمات معرفيّة ومشاعرَ أيضاً ، يختبرُ بها درجة علاقته وانساجمه وتفاعله واحساسه مع تجربتهِ ، ويقيسُ من خلالها وعيهُ الذاتيّ بها .
وأستطيع القول ، أنّ التجارب الإنسانية كانت ولم تزل ، اسهاماً فعليّاً في تشكيل الوعيّ الإنسانيّ . الوعيُّ الذي يتشكّل خارج المناخ المسموم بالأدلجات القامعة والأسبقيّات اليقينيّة ، وخارج الاشتراطات الدينيّة والمذهبيّة ، وخارج التحيّزات الهوياتيّة الهالكة . إنّهُ الوعيّ الإنسانيّ الذي يستخلِصُ وجوده وملامحه وفكره من عمق التجربة الذاتيّة الخالصة . فالتجربة وعيّ الذات بِحقيقة وجودها على قيد التجربة ، والذات وعيّ التجربة بِجدوى وجودها على قيد الذات . ولذلك لا يُمكن للذات أنْ تكونَ مستقلّة وحرّة وواعية وبانيّة لِفكرها واختيارها ومناخها ، إلاّ من خلال استعدادها الدائم لِتبنّي تجربتها الذاتيّة الخالصّة ، والمحافظة عليها من التشويش والتزييف والخدش والتخريب ، وحمايتها من شرور الانقياد والاستحواذ والهيمنة ، وصقلها بِالمزيد من التجربة الذاتيّة . ومن شأن ذلك أن يمنح الذات فرصةً أكبر في التعمّق بتجربتها الخاصّة ، على نحوٍ خلاّق ، يستلهمُ منها فكراً وفنّاً وإبداعاً .
وقد يكونُ سقراط محقّاً تماماً ، حينما قال ( اعرف نفسك بِنفسك ) . إنّه التركيز على الذات ، ومعرفتها واكتشافها ، واستجلاء منابع الالهام فيها ، والتحاور معها بعمقٍ وبطء وكثافة ، والوثوق بِقدرتها على التفكير والاستنتاج والمكاشفة والتساؤل . فهي الملاذ والبداية والبوابة والطريقُ إلى تبنّي التجربة ، وصقلها ، ورعايتها ، والاستلهام منها ، والتعايش الخلاّق معها ، والوقوف على عثراتها ونقاط قوتها أيضاً . فالذات في تجربتها الفكريّة والمعرفيّة ، وفي تجربتها التفكيريّة والتساؤليّة ، وفي تجربتها الاستنطاقيّة والشّكيّة ، إنما تبحثُ عن ملاذها الذي يُوفّرُ لها انصاتاً عميقاً لِتساؤلاتها ، وتأملاً هادئاً لأفكارها ، ومعرفةً أكيدةً بِتفكيرها ، ومناخاً خلاّقاً مُلهماً لِاستنطاقاتها ، وجرأةً واعية على النقد والخلَق والتّجديد ..
أين يتشكّل الوعيُّ الإنسانيّ ؟ وأين يُمارس وجودهُ وانفعالاته وتخلّقاته . إنّهُ يتشكّلُ في مخاض التجربة ، وفي سياقاتها وتعرّجاتها وفي ذاكرتها المعرفيّة ، وفي هنّاتها وتعثراتها ، وفي نجاحها وتألقها ، وفي ابتعادها عن السائد والشائع واليقيني والتلقيني ، وفي قربها من ذاتها . بل في عمق ذاتها ، وفي انصهاراتها الخلاّقة ، وفي إصرارها وتغيّراتها ، وفي جرأتها ومجازفاتها . إنّه الوعيّ الإنساني ، يَستخلصُ حقيقتهُ من تجربتهِ العارفة والواثقة والمتحرّكة والمُفكّرة . إنّهُ الوعيّ في يقين التجربة ، وإنّها التجربة في يقين الوعيّ ، وكلاهما يسير وعيّاً بِوعيّ ، وتجربةً بِتجربة في ذات الطريق . الطريق الذي أرادا له أنْ يكونَ منيراً وملهماً بِما يجمعهما ، ودافعاً خلاّقاً لهما بِما يريدان تحقيقه . إنّهما يتداخلان عميقاً فيما بينهما ، فالتجربة مخاض الوعيّ ، والوعيُّ قلب التجربة ، إنّهما يتكاملان في الفكرة والأسلوب ، وينسجمان في النظرية والتطبيق .
الذاتُ الواعية ، عادةً ما تستدعي تجربتها الخاصّة وفقاً لحرّيتها ، وتأكيداً على اختيارها ، واستنطاقاً لاحتياجاتها ، وتفعيلاً لِشغفها وحُبّها . إنّها تعرِفُ من خلال ذات التجربة ذاتها ، وفي ذات التجربة تحقيقٌ لذاتها ، ولا يُمكن للذات الواعية أنْ تبني وجودها وحرّيتها وكيانها ، من دون أنْ تعرف ما تريدُ تحقيقهُ من تجربتها الخاصّة . ومعرفة ما تريدُ تحقيقه من تجربتها ، هوَ الذي يضعها في ذات التجربة ، ويضعها قيد الشغف والتواصل العميق معها . ومعرفتها هنا هوَ أساس حرّيتها ، وصواب اختيارها ، وصلابة استمرارها ، وطريق تطورها ، وجمال ثقتها بِجرأتها واقدامها ..
والذات الواعية عادةً ما تكون مسكونة دائماً بِرغبتها الكاملة في خوض تجربتها الخاصّة . فالرّغبة في وعيها أساسُ انطلاقتها ، ومنطلق تجربتها ، ومبعثُ شغفها ، ولذّتها العليا ، وأحاسيسها التوّاقة ، وإرادتها الحرّة ، وحرّيتها الخلاّقة ، ومغامراتها المُلهمة ، وقوتها الدافعة . ومن غير الرغبةِ ، تفقدُ الذات نبضُها الدافق ، وحماسها المستهام ، وألقها البارقُ في الاستحواذ على تجربتها ، وصناعتها ، والمحافظة عليها وحمايتها ، والأخذ بها حثيثاً إلى إنجازاتها المُثمرة . والرغبة هنا لا تعكس فقط ، رغبة الذات الواعية في إيجاد أعماقها واشتهاءاتها وتخلّقاتها ومغامراتها وتدفقاتها وجنونها حتّى ، بِقدر ما تكونُ الرغبةُ هنا تعزيزاً وترسيخاً للذات في تجربتها ، وسعياً شغوفاً يدفعها إلى رؤيةٍ جديدة ، وإلى تخلّق متجدّد ، وإلى تغيير متّقد ، وإلى فهم أعمق ، وإلى اصرارٍ أجمل ..
في تجربتك الخاصّة أيّها الإنسان الواعي ، أنتَ تملكُ ذاتكَ ، تملكُ منطقكَ وأخلاقكَ وأسلوبكَ وطريقكَ وتفسيركَ ومبرراتكَ وجنونكَ أيضاً . في تجربتكَ الخلاّقة يا إنسان الوعي ، أنتَ تملكُ فشلكَ ونجاحكَ ، وتملكُ سقوطكَ وتحليقكَ ، وتملكُ لغتكَ وحروفك ، وتملكُ أهواؤكَ وشهواتكَ ورغباتك . في تجربتكَ أيها الإنسان ، أنتَ تُمارسُ ذاتكَ وأسلوبكَ ، وتمارسُ تجربتكَ بِتجربتك ، وتُمارس يقينكَ وشكّكَ ، وتُمارس تردّدكَ واقدامكَ ، وشجاعتكَ وجُبنك ، وتُمارسُ تجلّياتكَ ووحْيُكَ وأمنياتكَ وهرطاقتك . في تجربتكَ أيّها الإنسان ، أنتَ أنتَ في غضبكَ وسخطكَ ووجعك ، وفي فرحكَ وحزنك ، وأنتَ أنتَ في لعنتكَ بِوجودكَ ، وفي وجودكَ بِلعنتك ، وفي صراخكَ وانتقادكَ وتحديقكَ وتفكيرك . وفي تجربتكَ أنتَ قابضٌ على تجربتك ، قابضٌ على ألمكَ فيها وعلى جرحكَ وجنونك ، وعلى اصراركَ وانتصاركَ وانجازك ، وقابضٌ على وعيكَ بتجرتك ..
إنّكَ تمضي بتجربتكَ متخلّقاً بتجربةٍ أجمل ، ومتفرّداً بِوعيها الناطق ، وصانعاً للحظتها القادمة . إنّك تمضي بِتجربتكَ ، لأنّك لا تستطيع إلاّ أنْ تكونَ قادماً منها وذاهباً إليها . إنّكَ تعيشُها حاضراً ، وتترقّبها في غدِكَ حاضرةً شاخصة ، مفعمةً بجديدها وجِدّتها . إنّها حاضركَ في يومك ، وفي ذاكرتكَ الخلاّقة هيَ أمسكَ البارق ، وفي غدِكَ هي طريقُكَ الملهم . فتجربة الذات الواعية هيَ في الأصل ، ذاكرة ذات ، وذاتٌ في ذاكرةٍ متحرّكة . إنّها تستقيمُ في ذاكرةٍ تراكميّة ، وتُبعثُ شغفاً في ذاكرةٍ معرفيّة ، تستمدُّ وجودها من وجودها العميق في ذاكرة الإنسان المعرفيّة ، تلكَ الذاكرة الدافقة بالإرث الإنساني الزاخر بِكلّ جماليّات الإبداع الفكري والفلسفي والعلمي والفنّي والأدبي ..
ولا يُمكن للذاتِ الواعيّة إلاّ أنْ تخوضَ مغامرتها الكاملة في تجربتها الخاصّة . فالمغامرة في منطقها ، هيَ وعيها بِضرورة تواجدها في عمق تساؤلاتها وأفكارها واستنطاقاتها وخياراتها واختياراتها . إنّها بذلك تتعرّفُ على تجربتها من الداخل ، وتتلمّسُ وجودها في مغامرتها ، فالمغامرة هنا هيَ معركتها الحاسمة ، معركتها في أنْ تبقى تجترحُ أسئلتها وتفكيرها وفلسفتها ، وتصنعُ تالياً خيارها وطريقها وحرّيتها الداخلية . وليسَ أقسى على الذات الواعية سوى أنْ تكونَ مغامرتها الدائمة ، وتتمثّلها اشتهاءً معرفيّاً وتساؤليّاً وتفكيريّاً في تجربتها . لأنّها في هذه المغامرة هَي تُساوي تجربتها الخاصّة ، وتُساوي خيارها وتفكيرها وأسئلتها ونجاحها وفشلها ، وتُساوي ذاكرتها الحاضنة ، وذاكرتها المبتكرة ، وذاكرتها التساؤليّة . إنّها تصنعُ تجربتها بِوجودها على قيد المغامرةِ ذاتاً مُفكّرة وحُرّة . حُرّةً في أنْ تتبنّى مغامرتها بالطريقةِ التي تجعلها بارعةً في اقتناص كلّ ما يلهمها حُبّاً وشغفاً والتصاقاً بِتجربتها ..
أنْ تكونَ في عمق ذاتك وتجربتكَ ، مُجترحاً وصانعاً ومُفكّراً ومُتفلسفاً ومُحدّقاً وناقداً ، يعني أنّكَ تتعلّمُ كيف تحيا ، وربما ذلكَ يقودكَ إلى أنْ تتعلّم كيف تموت . ذلكَ أنّ مَن يجدُ في تجربتهِ حياةً له ، سيجدُ أنّ في موتهِ أيضاً احياءٌ لِتجربتهِ ، ووفاءٌ لها ولأفكارها ولِمعانيها ، وسيجدُ أنّ في موته ترجمةٌ كاملة لتجربتهِ . وأنْ تتعلّم كيف تحيا بتجربتكَ ، يعني أنّكَ تشتهي أنْ تموتَ حيّاً ومُزهوّاً بتجربتك ، ويعني أيضاً أنّكَ تمضي في حياتكَ ، مُكتشفاً معنى موتك ، ومتخلّقاً به في حياتك . وأنْ تعرف المعنى من موتكَ في تجربتك ، ذلكَ يعني أنّكَ تعرفُ أنْ تصنعَ من معنى حياتك ، تجربةً لموتك ..
وأنْ تكونَ في يقين ذاتكَ ، مُغامراً ومُلهماً وشغوفاً وواثقاً ومتسائلاً وناطقاً ومستفسراً ، ذلكَ يعني أنَكَ تتخلّقُ جليّاً في تجربة الشّك . فالشّكُ في تجربتكَ ، تجربةٌ ملهمة وخلاّقة ومبدعة ، ومن غيرهِ تتهاوى تجربتكَ في أوحال اليقين ، مُثقلةً بالجمود والتكّلس والخوف والارتعاب والتراجع . فالشّكُ تجربتكَ في يقينك الخلاّق بِذاتك ، وفي يقينكُ هذا ، تتجلّى ثقتكَ بالشّك يقيناً حارساً لتجربتك . إنّها تجربتكَ التي تتخلّق بالشّك طريقاً للمعرفة ، ومدرجاً للسؤال ، ومسلكاً للتفكير ، وفيه عصارة التغيير وجوهر التّجديد ، ودفقة الانارة وشرارة الوعيّ ..