كيف أخطأ المطران أوجين منا باستعمال كلمة آسورَيا (ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---) السريانية المُخترعة سنة 1897م

موفق نيسكو
2016 / 1 / 13

كيف أخطأ المطران أوجين منا باستعمال كلمة آسورَيا (ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---) السريانية المُخترعة سنة 1897م

إن الآشوريين المسيحيين الحاليين هم السريان الشرقيون أو النساطرة، ولا علاقة لهم بالآشوريين القدماء، وأن الانكليز سَمَّاهم آشوريين نتيجة اكتشاف الآثار الآشورية في شمال العراق منذ سنة 1849م حيث راج الاسم الآشوري في انكلترا، وفي سنة 1870م وجَّه رئيس أساقفة كارنتربري Campbell Tait كامبل تايت )1868-1882م( نداءً تبشيرياً إلى (مسيحيي آشور الذين يُطلق عليهم النساطرة).
Appeal on behalf of the Christians of Assyria, commonly called the Nestorians

والملاحظ هنا أنه استعمل اسم آشور بشكل واضح لدلالة جغرافية بحتة، وابتداءً من سنة 1870م شرعت الكنيسة الانكليكانية باستخدام مفردة الآشوريين بدل السريان أو النساطرة، لأن كلمة النساطرة مرتبطة تاريخياً بنسطور المحروم سنة 431م من الكنيسة التي تعتبر أن النسطورية هي بدعة، وفي سنة 1876م أرسل تايت بعثة إلى السريان النساطرة سَمَّاها: ( Mission of Archbishop Canterbury to the Assyrian، بعثة رئيس أساقفة كانتربري إلى الآشوريين)، وهي أول بعثة في التاريخ من كنيسة إلى السريان النساطرة بهذا الاسم، ثم انتظمت البعثة وأخذت لها مقراً واستقرت سنة1881م في مناطق السريان النساطرة، ولم تنجح البعثة في تغير العقيدة النسطورية، لكنها نجحت بتغير اسم السريان النساطرة إلى آشوريين (للمزيد راجع مقالاتنا كيف سَمَّى الانكليز السريان النساطرة بالآشوريين ج1-ج7).

بعد أن تَلقَّف السريان الشرقيين (النساطرة) الاسم الآشوري سرعان ما بدأ الاسم يأخذ منحىً سياسياً، وحدثت مشاكل كثيرة بين أعضاء البعثة، فأصرَّ هرمز رسام (1826–1910م) وهو من عائلة عراقية كلدانية موالية للانكليز كان يعمل مع منقب الآثار الآشورية الانكليزي هنري لايارد، وهرمز مُتهم ببيع الآثار الآشورية القديمة للانكليز، وهو الشقيق الأصغر لعيسى رسام (1808–1872م) زوج ماتيلدا أخت القس الانكليزي جورج بادجر (1815–1888م) خبير المطابع واللغات الشرقية، وكان عيسى قد عمل سابقاً مترجماً برفقة الطبيب الانكليزي وليم آنسورث (1896–1807م) والقس بادجر في زيارتهما لمناطق السريان النساطرة).

أصرَّ هرمز رسام على استخدام الاسم الآشوري بدل السرياني مستنداً إلى رئيس أساقفة كارنتربري تايت وخلفه إدورد بينسون Edward Benson (1883-1896م) الذي بدوره شجع الاسم الآشوري أيضا مع ثلاثة من أعضاء البعثة الذين اقتصر استعمالهم للاسم الآشوري، وهم، بادجر، ريلي وويكرام، أمَّا البقية فكانوا يسمونهم السريان.

أصبح الخلاف قوياً بين هرمز رسام وجون ماكلين عضو البعثة الانكليكانية في قوجانس سنة 1889م حول اسم السريان عندما أعلن ماكلين أنه ضد مصطلح الآشوريين قائلاً: نفهم أن الذي يعيش بالقرب من أنقاض نينوى سوف يتحمَّس لأسم آشور القديم، لكنَّ هذا الحماس سيُلقي جانباً لأن الاسم الذي يُستخدم من قِبل الناس أنفسهم وهو (suraye) سورايي، (السريان) نتيجةً لابتكار اسماً آخر لهم مشكوك فيه جداً، فلماذا ينبغي لنا أن نخترع لهم اسماً جديداً ونحن لدينا في يدنا اسماً مريحاً جداً ومفهوماً ومستخدم لعدة قرون.

بحلول أواخر القرن التاسع عشر بدء عدد قليل من المتعلمين والسياسيين من السريان النساطرة وخاصة أولئك الذين هاجروا إلى أمريكا، باستخدام كلمة (Aturaye، الآثوريين) على أنفسهم بدل السريان، وقبل الحرب العالمية الأولى أعطت البعثة الأنكليكانية المعروفة باسم (بعثة رئيس أساقفة كانتربري إلى الآشوريين) زخماً جديداً بتسمية النساطرة بالآشوريين. (the modern Assyrians of the middle east j. josef,، جون جوزيف، الآشوريين الجدد في الشرق الأوسط ص17-20، وجون جوزيف هو برفسور سرياني شرقي (نسطوري) عاش في أمريكا).

استمر الخلاف حول الاسم الآشوري، فكتب ماكلين إلى سكرتير البعثة الانكليكانية بلاكستون Blakiston قائلاً: إن اسمهم هو السريان، وهم لم يُسَّموا أنفسهم أبداً آشوريين، فالاسم الآشوري هو اختراع، وليس هناك أي دليل على أنهم ينحدرون من الآشوريين القدماء، وكانت كلمات ماكلين مُقنعة لبلاكستون فقال: إذن لنبدل اسم البعثة، لكن رئيس الأساقفة بينسون رفض قائلاً: إن ذلك سيؤدي إلى الارتباك.

عند وفاة بينسون وجَّه بلاكستون سكرتير البعثة رسالة إلى رئيس أساقفة كارنتربري الجديد فريدريرك تامبيل Frederick Temple في 9 ابريل 1897م قائلاً له: إن رئيس الأساقفة الراحل بينسون دعاهم الآشوريين، وهي سابقة لم يفعلها غيره، وهذه بدعة ((fad من سيادته.
J.E. Coakly, the church of the east and the church of England ,A history of the archbishop of Canterbury s assyrian mission)
كوكلي، كنيسة المشرق وكنيسة انكلترا، تاريخ بعثة رئيس أساقفة كارنتربري إلى الآشوريين 1992م. ص147–148). وكوكلي هو أستاذ الدراسات الدينية في جامعة لانجستر).

ولما كانت حروف كلمتي ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- سريان و ܐ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- أو ܐ-;---;-----;---ܫ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- أثوري أو آشوري، مختلفتان جداً في اللغة السريانية ومن المستحيل التلاعب بها وتبديل اسم سرياني في اللغة السريانية إلى أثوري أو آشوري، فقد لجاء هرمز رسام وغيره من السياسيين الآشوريين في أمريكا في بداية الأمر إلى الاستعانة باللغة الانكليزية التي تتقارب فيها صيغة الكلمتين وبذلوا جهوداً مضنية في هذا الأمر معللين ذلك باشتقاقات وتأويلات شتى كلها مبتكرة حديثاً من كُتَّاب غربيين، منها القول إن كلمة syrian سرياني، هي مختصر assyrian أي آشوري، وأن حرفي as قد سقطا من الكلمة الأولى، أو أنهما موجودان ولكنهما لا يُنطقان كالانكليزية (سايلنت) وغيرها، ناسين كما يقول كاهن كنيسة المشرق الأب عمانوئيل يوخنا: إن الأصل في تسمية أي شعب هو ما يُسمِّي نفسه في لغته، وشعبنا لم يُطلق على نفسه يوما بلغته تسمية آشوري، مضيفاً أن الاسم الآشوري هو بدعة قائلاً: أعطوني كتاباً واحداً، مصدراً واحداً، مخطوط واحد، وريقة واحدة، بل جملة واحدة تُسمِّي هذا الشعب آشوري، أعطوني قاموساً واحداً أو كتاباً قواعدياً واحداً يتضمن هذا التنسيب الذي تبدعونه، أعطوني إنساناً واحداً عبر آلاف السنيين لقب نفسه بآشوري (القس المهندس عمانؤيل بيتو يوخنا، حربنا الأهلية حرب التسميات ص18).

إن النساطرة قد دعوا أنفسهم دائماً سريان، وحتى بالانكليزية فجميع الرحالة الاجانب الذين زاروهم ذكروا اسمهم بالانكليزية كما سمعوه بالضبط من أفواه السريان النساطرة أنفسهم الذين يستعملونه منذ 2000 سنة وهو: سرياني syrianee، Siriany أو سورييا suriaie، Suriayi أو اختصاراً سورَيا sooraya، Surayea، وهذه الكلمات ليست قريبة من كلمة assyria،كما أن هناك فرق لغوي بين كلمة الآشوريين والأثوريين، فالآشوريين هي صيغة عبرية يهودية، بينما الأثوريين هي صيغة سريانية وعربية، واسم كنيسة المشرق السريانية منذ أن سمَّت نفسها رسمياً لأول مرة في التاريخ بالآشورية في17 تشرين الأول سنة 1976م لا زال إلى اليوم بالصيغة السريانية (ܐ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---، الأثورية)، لكن الكنيسة ومثقفيها يتعمدون كتابتها بالعربية الآشورية لربط الاسم بالآشوريين القدماء لشهرة الاسم تاريخياً بهذه الصيغة، ليكون للاسم الآشوري قوة أكير في محاولة للقول أنهم فعلاً سليلي الآشوريين القدماء. (للمزيد، راجع مقالنا كلمة آشور صيغة عبرية، لا سريانية ولا عربية).

استمر الاضطراب بين السريان النساطرة في قبول الاسم الآشوري بدل الاسم السرياني لأغراض سياسية، وعندما قامت زميلة الجمعية الجغرافية الملكية الانكليزية وابنة القس الانكليكاني Isabella Lucy Bird Bishop إيزابيلا لوسي بيرد بيشوب (1831-1904) بزيارة مناطق السريان النساطرة سنة 1889م التي تُسميها فارس وكردستان، لاحظت بوضوح هذا الاضطراب بين الاسم السرياني الحقيقي للنساطرة والاسم الآشوري المُخترع حديثاً، فقالت إيزابيلا: إن اسمهم الحقيقي هو السريان، وألَّفت كتابها بالانكليزية في جزأين طبع في لندن سنة 1991م بعنوان:
journeys in persia and kurdistan including a summer in the upper karun region and a visit to the nestorian rayahs
(الرحلات إلى فارس وكردستان والصيف في منطقة أعالي الكارون وزيارة النساطرة في مناطق الرايات)
مع ملاحظة أن كلمة الرايات تُستعمل على السريان النساطرة عموماً عندما لا تُستعمل التسمية القبلية أو العشائرية، وأن إيزابيلا تشرح كلمة الرايات في مقدمة ج1ص14 أن المقصود بالرايات هم السريان، وتقول إيزابيلا في الجزء الأول وهو عام أنها في رحلاتها وجدت أقوماً: الفرس، السريان، الصابئة، اليهود، الوهابيين، الهندوس، الإغريق، الفرنسيين، البريطانيين، الايطاليين والأفارقة. (ج1ص9).

وفي الجزء الثاني تتحدث بالتفصيل عن الاسم السرياني للنساطرة، وفي ص235 كتبت فصلاً عن مدينة أورميا وتُسميها المدينة السريانية (city Syrians)، ونتيجة لاضطراب الاسم كَتبتْ ص237 عنواناً مثيراً للانتباه هو: (the syrians´-or-assyrians السريان أو الآشوريين)، وتقول:
أنا أكتب عن مسيحيي أورميا ومنطقتهم بأنهم سريان (Syrians)، وهذا هو الاسم الذي يطلقونه على أنفسهم، ونحن نعرفهم في المنزل أنهم نساطرة، وهو الاسم الذي يطلقه عليهم الغرباء، ولا أعرف لماذا يجب علينا استخدام تسمية فيها وصمة عار تدل على بدعة قديمة لإطلاقه على أمة، أنهم أحياناً يُطلق عليهم اسم الكلدان، وهو يطلق عادة في الموصل على المتحدين منهم مع روما، والرئيس الحالي لأساقفة كارنتربري جاء بمصطلح الآشوريين لإطلاقه عليهم، وهذا المصطلح لا يُستعمل أبداً من قبلهم لإطلاقه على أنفسهم، كما لا يُستعمل من قبل الشرقيين عند الحديث عنهم، فالمسلمون يسمونهم نصارى، وهو الاسم الذي يُطلق عادة على المسيحيين السريان، وأن المسيحيين في سهول فارس ومدينة أورميا هم من السريان، وكنيسة أورميا هي سريانية، وهم يستعملون الإنجيل باللغة السريانية وهي الآرامية القديمة التي تكلم بها السيد المسيح والتي تذكرهم بمجد كنيستهم، وأفضل الحرفين في المدينة كالنجارين والمصورين والخياطين هم من السريان، وعادتهم وأسلوبهم وزيهم هو سرياني. (ج2 ص235-237، 242-245).

طُبع كتاب إزابيلا في لندن ووصل نسخ منه إلى أورميا التي تعتبر أكثر مدن السريان النساطرة فيها مثقفين، فتلقَّفَ العنوان المثير للانتباه (the syrians´-or-assyrians، السريان أو الآشوريين) الكاتب السرياني النسطوري ميرزا مصروف خان كرم (1862-1943م) الذي كان موظفاً كبيراً ومثقفاً جداً، فكتب في 15 آذار سنة 1897م عدد 48 ص35 مقالاً باللغة السريانية في مجلة زهريرا دبهرا السريانية التي كانت تصدر في أورميا وعنوانه: (ܡ-;---;-----;---ܠ-;---;-----;---ܟ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- ܕ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- ܝ-;---;-----;---ܢ-;---;-----;--- ܕ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- ملكوتا داتوريا يان دآسورَيا، (الترجمة الحرفية: مملكة الأثوريين أو الآسوريين)، وطبعاً ميرزا مصروف يقصد (مملكة الآشوريين أو السريان)، أي أنه استعمل كلمة سورَيا ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- التي تعني السريان، وعلى نهج إضافة as بالانكليزية، أضاف ميرزا حرف الألف لكلمة سورَيا لتصبح آسورَيا، وبعد قلب السين إلى شين تصبح آشوريا لتعني الآشوريين، وهذه أول مرة في التاريخ كتابةً أو نُطقاً يظهر هذا التوصيف وكلمة آسورَيا بالسريانية على الإطلاق لتدل على الآشوريين، أي أنه اختراع جديد.

انتشر المقال أورميا في وقت كان الخلاف حول الاسم قائماً بين المثقفين النساطرة الذين يعتزون باسمهم السرياني وبين الذين تبنوا الاسم الآشوري وخاصة السياسيين الذين كانوا يعتقدون أنه بالاسم الآشوري يستطيعون تحقيق مكاسب سياسية أكثر لشهرة الدولة الآشورية القديمة، وبما أن اسمهم هو السريان وأن الأساس في تسمية القوم هو كيف يُسمَّون أنفسهم بلغتهم وليس بلغة الآخرين كالانكليزية، فها أن ميرزا مصروف قد حَلَّ الأمر باستعماله كلمة جديدة بالسريانية لتعني الآشوريين وهي مقاربة لكلمة سريان، وبذلك اعتقدوا أنهم قد حلَّوا المشكلة، بالقول إن كلمة السريان تعني الأشوريين، ناسين أن ميرزا مصروف في مقاله قد بَدَّل اسم الآشوريين القدماء بالسريان وليس العكس، فهو اعتبر أن الآشوريين القدماء هم سريان، ومقاله كله يتحدث عن الدولة الآشورية القديمة فقط، كما أنه استعمل الصيغة الشعبية المختصرة آسورَيا أو آسورايا ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- وليس كلمة آسورييا ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---، لأن كلمة السريان بالسريانية الفصحى هي ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- كما وردت في الكتاب المقدس وكل الأدب والقواميس السريانية.(نرفق نسخة مقال ميرزا مصروف من المجلة لسنة 1897م).

في هذا الوقت كان المطران والعلامة اللغوي أوجين منا الكلداني (1867-1928م) يعكف على تأليف قاموسه الشهير (دليل الراغبين في لغة الآراميين) الذي صدر سنة 1900م، وكان النزاع والخلاف المذهبي وكذلك النزاع حول الاسم الكلداني والآشوري شديداً بين النساطرة والكلدان وأيهما أقدم وأصح، ووصل الأمر لحدوث مشاجرات، وكانت الكنيسة الكلدانية تسعى لكسب السريان النساطرة بترك النسطورية ويصبحوا كاثوليك وينضمَّوا إليها، وكان الخلاف بين السريان النساطرة أنفسهم حول الاسم قائماً، وكان هؤلاء يشكِّلون أغلبية وثقلاً جماهيرياً وثقافياً وسياسياً في أورميا، وقسم منهم تبنَّى الاسم الآشوري ودخل في منافسة مع الأرمن الذين كانوا أقوى منهم ويمثلونهم في مؤسسات الدولة أحياناً، فكان السريان النساطرة يشعرون أنهم أحقُّ بذلك من الأرمن لأنهم يسكنون في أو بالقرب من ارض آشور التاريخية التقليدية.

ولتأثير المثقفين والسياسيين السريان النساطرة الذين تبنَّوا الاسم الآشوري في أورميا تأثيراً مباشراً على المطران أوجين من جهة، ورغبة الكلدان في كسبهم من جهة أخرى، قام أوجين بإدراج كلمة (ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- آسورَيا) في قاموسه ص487 لتعني مختصر (آثوري) مع مختصر كلمة سورَيا الشعبية التي تعني سرياني، آرامي، وهي أول مرة في التاريخ على الإطلاق تأتي كلمة آسورَيا في الأدب السرياني بهذا المعنى، وقد أشار المطران في قاموسه في فصل (تسمية الآراميين بالسريان وفي بلاد السريان ولغتهم الصحيحة) إلى المشاكل والاضطرابات بشكل واضح إذ قال:
إن ما حملنا إلى إفراد فصل خصوصي للمواد المذكورة حسم النزاع الواقع بين كثير من الكلدان والسريان لكون كل منهما يدعي الأصالة والأقدمية لنفسه دون استناد على دليل أو برهان علمي مكين، فبياناً لحقيقة الأمر ومنعاً للمشاجرات نقول: إن جميع قبائل المشرق بمن فيهم الكلدان والأثوريين كانوا آراميين، والجميع بعد دخولهم المسيحية دُعيوا سرياناً وتركوا اسمهم الآرامي القديم لأنه يدل على الوثنية...الخ. (ص13-17)، مع ملاحظة أن المطران أوجين يُسمِّي الآشوريين في وقته بالسريان، لأن الخلاف كان بين الكلدان والسريان النساطرة الذين سَمَّوا أنفسهم آشوريين، وليس بين الكلدان والسريان الأرثوذكس أو الكاثوليك، كما أنه ملتزم بتسمية الآشوريين القدماء بالصيغة السريانية (الأثوريين)، وليس بالصيغة العبرية (الآشوريين).

ومع أن المطران أوجين منا يقول في مقدمته: إنه عندما ألَّفَ قاموسه قد سهر الليالي ودقق جميع قواميس ومصنفات الآباء اللغوية حرفاً حرفاً، وهو صادق في ذلك، لكن التأثير الآشوري جعلهُ يُخطئ فأدرج كلمة مخترعة حديثاً استجابةً لأمور سياسية وطائفية، لأن كلمة آسورَيا لا توجد أصلاً في تلك المصنفات التي دققها لتدل على الآشوريين، ومن الملاحظ أن المطران أوجين كان ذكياً، فلأن كلمة آسورَيا مخترعة وليست أصلية فلم يدرجها في كلمات حرف الألف لا بصيغة آسورَيا ولا آشوريا ولا أثوريا، علماً أنه ذكر في حرف الألف ص34 كلمة مطابقة حروفها 100% لكلمة (ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;---، آسورَيا)، مع اختلاف حركة حرف الراء، وهي كلمة (ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- آسورْيا بتسكين الراء) ومعناها (ساجور، خشبة تُعلق في عنق الكلب)، بل أنه أهمل كلمتي آشور وأثور، وأشار إليها في حروف أخرى كما في ص155 حرف الجيم قائلاً: إن آثور إضافةً إلى بابل والجهة الشرقية من الجزيرة هي مناطق جغرافية في الشرق، وعندما استعمل المطران أوجين كلمة آسورَيا استعملها بصورة الاختصار الشعبية فقط مع كلمة سورَيا التي تعني سرياني، آرامي، ثم ذكر أن كلمة ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- سورييا، التي تعني سرياني، آرامي كما وردت في الترجمة البسيطة للكتاب المقدس، وهذا هو المهم، وهكذا وردت في كل تراث الأدب السرياني، والمهم أنه في كلتا الحالتين ربط اسم السريان بالآراميين، وحتى عندما ذكر أن آسورَيا مختصر أثور، ربطها مع سرياني آرامي، أي أن الأثوريين هم آراميين، وقد أكَّد ذلك في ص13-14بوضح تام لا يقبل أي تأويل، بل قال: إن هذا الأمر يَقرُّ به (مُذعناً) من له أدنى إلمام بتاريخ الكنيسة.

إن تأثير المثقفين والسياسيين من السريان النساطرة لم يكن السبب الوحيد لإدراج كلمة آسورَيا من المطران أوجين، والذي شجَّع المطران أكثر بإدخال كلمة آسورَيا المخترعة حديثاً في قاموسه هو خطأ كبير آخر وقع فيه المطران أوجين، وهو أنه قام في ص15بالاستشهاد بقول الكاتب الفرنسي ارنست رينان الذي ذكر أن اسم سوريا التي أخذ منها السريان اسمهم هي اختصاراً لكلمة آشور.

إن أوجين منا كمطران ومدقق للأمور حرفاً حرفاً وهو يكتب تاريخ كان عليه العودة إلى المصدر الأصلي لتدقيه، وهو ما يُسمَّى بمصطلح (الأصول التاريخية)، وهذا ما لم يفعله، فالمطران أوجين لم يقرأ كتاب رينان إطلاقاً، فهذا الرأي ليس لرينان، بل أدرجهُ رينان في أحد الهوامش استناداً على كاتب آخر هو كاترومير الذي بدوره أيضاً كان يناقش آراء عديدة، ولهذا فالتأثير الآشوري واضحاً على المطران، فهو في مقدمته أشار إلى عدة آراء في اشتقاق اسم سوريا كمدينة صور وخارو المصرية وسورس الملك حيث أسهب به جداً ذاكراً آراء الآباء السريان الشرقيين والغربيين، لكنه عندما أدرج كلمة ܐ-;---;-----;---ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- أخذ برأي رينان فقط لتبرير إدخال كلمة آسورَيا، علماً انه رأي وحديث وهو ليس لرينان أصلاً.

والحقيقة هي: إن المطران أوجين أخذ برأي رينان من هامش مُضاف إلى قاموس مطران أورميا للكلدان آنذاك العلامة اللغوي توما أودو ص ܛ-;---;-----;--- أي ص9، الذي كان قد صدر سنة 1897م أيضاً، علماً أن المطران توما أودو أيضاً كانت له مشاكل في أورميا عندما وضع قاموسه الشهير سرياني-سرياني الذي سمَّاهُ (ܣ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܡ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- ܕ-;---;-----;---ܠ-;---;-----;---ܫ-;---;-----;---ܢ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- ܣ-;---;-----;---ܘ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- كنز اللغة السريانية).

إن النص في هامش ص9 الذي أخذه المطران أوجين من قاموس المطران توما أودو، هو نص مُقحم (مزوَّر) وليس كلام توما أودو، والغريب العجيب أن هذا النص قد أضيف في الهامش بصورة مُتعمَّدة على قول توما أودو: إن كل الذين أمنوا بالمسيح من جنس آرام دُعيوا سرياناً، والقبيلة (الأمة) الآرامية قبل الجميع تبعت المسيح واحتضنت تعاليمه، وشيئاً فشيئاً زال عنها الاسم الآرامي، والأمة من يومها والى اليوم وبكل أسباطها وفروعها دُعيت سريانية ولسانها سرياني)، والنص المُقحم مُضاف من قبل شخص مجهول يوقِّع باسم المدقق (ܡ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܨ-;---;-----;---ܢ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- مترصنا).
واغلب الظن أن الذي قام بإقحام الهامش في ص9 هو بولس (بيراس) سيرماس (1870-1939م) لتشويه كلام توما أودو لأهداف سياسية آشورية، وعائلة سيرماس معروفة بمثقفيها وكان قسم منهم يعمل في الدولة والمؤسسات التبشيرية كالمدارس والمطابع وغيرها، وهذه العائلة كانت قد تَبنَّت الاسم الآشوري لأغراض سياسية، وبغض النظر عمن أضاف النص، فالمهم أن النص مُقحم (مزوَّر) من قبل شخص يَدَّعي أنه مدقق للعلامة توما أودو الذي ذكر في مقدمته وبصورة جليَّة أن كلمة آرامي = سرياني، والسريان هم الآراميين، والنساطرة هم سريان..الخ، ومنها متن ص9. (نرفق النص المُقحم المزوَّر ص9 وتظهر فيه كلمة المدقق (ܡ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܨ-;---;-----;---ܢ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- مترصنا) في نهاية الهامش بين قوسين).

وقاموس توما أودو قد طُبع باسم قاموس كلداني، وطُبع في شيكاغو سنة 1978م، وفي السويد سنة 1979م باسم قاموس آشوري، (وهذا تزوير واضح)، علماً أن هذا التزوير هو لعنوان القاموس وباللغات الأجنبية كالانكليزية والفرنسية وغيرها فقط، وكذلك بالعربية أحياناً عند الإشارة إليه، لأن عنوانه بالسريانية واضح، ويجب الملاحظة أن هذه الهيئات والأشخاص الذين يقومون بالتزوير ينقلون كلمة سريان من اللغة السريانية إلى اللغات الأجنبية الأخرى كالانكليزية أو العربية أحياناً، فيكتبونها كلداني أو آشوري، بينما عندما ينقلون كلمتي كلدان وآشور من أي لغة إلى لغة أخرى، يبقونها كما هي، ونتيجة لهذا التزوير قامَ المطران السرياني عيسى جيجيك سنة 1985م بإعادة طبع قاموس توما أودو باسمه الصحيح (كنز اللغة السريانية، بالسريانية والانكليزية) مع حذف النص المزوَّر المضاف في هامش ص9، والجدير بالذكر أن البطريرك السرياني زكا عيواص في أحدى محاضراته، رغم أنه أكد أن السريان هم سليلي الآراميين بوضوح تام، لكنه في إيرادهِ لبعض الآراء أخطأ هو الآخر فاستشهد بالنص المُقحم في هامش ص9 من قاموس توما أودو.(نرفق نسخ قاموس توما أودو وكيف تم تزوير اسمه).

إن اسم قاموس أوجين منا لوحده يُجيب على ما هو اسم السريان النساطرة الذين سمَّوا أنفسهم آشوريين، وما هي لغتهم، ومع أن السريان الأوائل هم سليلي الآراميين وأن اسم السريان لم يقتصر على شعوب تنحدر من ثلاث أسماء قديمة فقط (كلدان، آشوريون، آراميين)، بل سومري، أكدي، أموري، ميدي، ليدي، فارسي، عيلامي، وعشرات الأسماء الأخرى (فكل من دخل جرن معمودية كنيسة أنطاكية السريانية بغض النضر عن انتمائه آنذاك، خرج سريانياً)، ولكن بما أن المطران أوجين منا اقتصر ذكره على الكلدان والآشوريين القدماء فقط، رغم أنه عند مجي السيد المسيح لم يكن أي ذكر للآشوريين والكلدان، ولا يستطيع أحد أن يثبت أنه سليلهم بدليل أو برهان علمي مكين كما يقول المطران أوجين نفسه، فإننا نذكر ما قاله المطران أوجين بشأن الآشوريين والكلدان القدماء:
فالكلدانيون والآثوريون هم آراميون، وإلا لما كانت لغة ملوكهم الرسمية آرامية حتى بعد انتقال صولجان ملكهم إلى يد الغرباء، ناهيك عن أن بلاد بابل وأثور سُميت في جميع الأجيال حتى بعد استيلاء العرب عليها ܒ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܬ-;---;-----;--- ܐ-;---;-----;---ܪ-;---;-----;---ܡ-;---;-----;---ܝ-;---;-----;---ܐ-;---;-----;--- بيت الآراميين، وعُرفت بلاد النهرين ببلاد الآراميين، ولا حاجة لإيراد الشواهد غير المحصاة لإثبات ذلك، وهي حقيقية يَقرُّ بها (مُذعناَ) من كان له أدنى إلمام بأخبار الكنيسة الشرقية لأن كتب أجدادنا مشحونة من ذكر ذلك (ص13- 14).

ومع أن اسم السريان هو الاسم الشامل لهوية وثقافة وأدب وطقس وجغرافية لشعب مسيحي حصراً، ويبدأ من سنة 33م فقط وليس قبلها، كما يؤكد ذلك المطرانان أوجين منا وتوما أودو في قاموسيهما بوضوح، ولأن بحثنا مقتصر فقط على أن كلمة آسورَيا مخترعة حديثاً، وأن الاشتقاقات والتأويلات والآراء في التاريخ كثيرة، خاصة قبل الميلاد، ومع ذلك سنتطرق في مقال لاحق لتفنيد آراء رينان وغيره، ومن باب حب الاطلاع فقط، لأن الآراء والاشتقاقات والتأويلات لا تقدم ولا تؤخر في حقيقة وهوية وثقافة ووجود شعب منذ سنة 33م والى اليوم.

والمهم في مقالنا هذا إن كلمة آسورَيا هي اختراع جديد في اللغة السريانية تم سنة 1897م لخدمة أهداف السريان الشرقيين (النساطرة) الذين سمَّاهم الانكليز حديثاً بالآشوريين لأغراض سياسية وطائفية.

وشكراً
موفق نيسكو