وداعاً مليكة اليهودية .. وإلى اللقاء.

ليندا كبرييل
2016 / 1 / 12

قبل عام وأربعة شهور بدأتُ بكتابة مادة قصصية تحت عنوان مؤقّت (مليكة اليهودية). لا أدري ما الذي غيّبني عنه، إلى أن وعَى العقل على الذكرى، فأمْسكَ ببداية الفكرة وقلبَها من منطقة الظلام إلى النور، ومن الفراغ إلى الوجود، ومن الموت إلى البعث.
انطلقتُ في البداية انطلاقة باردة، سرعان ما ساهمتْ تمرينات الإحماء من إضافة وحذف وتجديد في دفع الدماء الحارة إلى أوصال الحدث، حتى استحوذت القصة على اهتمامي كلياً.

من رتابةٍ في حركة الحياة، إلى حركةٍ تكتظّ بحماس وحيوية لم يصيباني بهذه الشدّة من قبل . واكتسبْتُ عاداتٍ جديدةً فرضتْها أحداث القصة التي امتصّتْ أوقاتي، أتاحَها لي موقع بيتي العالي، حيث يشرف على غابات أشجار جوز الهند المتزاحِمة في سهل منبسط، وجبل منتصب بخضرته المذهِلة، وأفق يُتحفني كل يوم بلوحة رائعة مع كل حجّ إلى الفجْر والشفق . فتكشّفتْ لي متعة مثيرة وأنا أتأمل هذا الجمال مع فنجان القهوة، والموسيقى الكلاسيكية . مشهد منَّ علي بأفكار سأظلّ أذكره بكل خير أبداً . فدأبْتُ على تأملٍ تلوّنَ بمشاعر الفتنة بالطبيعة، وهيامِ الفؤاد عشقاً بمشاهد لم أكنْ أعطيها من قبل اهتماماً لولا أحداث قصتي، التي صرفتْني لأول مرة في حياتي عن متابعة برامج رياضيّة، ما كان حتى لحضور الملِك بذاته أن يصرفني عنها ! مباريات رياضية كانت تمنحني متعة من نوع آخر، وكنتُ أستعدّ لها بطقوس تثير الابتسام عند البعض، والتصعُّب بالشفاه وهزّ الرؤوس عند البعض الآخر !

كان هذا الكون البديع، بحكْم الكماليات الملحَقة بموقع البيت، فلم يتوقّف في ذاكرتي جبل أو شجر أو سماء ساحرة . لكنه اليوم، أصبح محْوراً تدور حوله أحداث القصة، ومنه أستلهم الأفكار . وفطنتُ خلال تأملاتي إلى منْ شاركوني أحداث الحياة، ثم دخلوا مع الزمن في طيّ النسيان.
هكذا هي الحياة .. تمتصّنا حتى نصبح جزءاً منها . فإذا تنبّهْنا إلى الزمن، سارِق أعمارنا، وجدْناه يسْتأنِس أيامنا الجميلة، ثم يغازلها من وراء ظهورنا، إلى أن ينقضّ عليها ويلتهم كل الألوان الزاهية فيها !
آه من الزمن .. هذا المجرم الأكبر، سأغافلُه وأنتزع أنا أيضاً عمري من أنيابه، وأعيش حَيَوات كل يوم، لا حياة واحدة لعمرٍ واحدٍ تكرّم بها عليّ باستعلاء !

مقتضيات الحياة شرسة، نهِمة، لا تعرف التحضّر، ولا يمكن مجادلتها في حقّنا بالراحة والاطمئنان . ومع ضغوط الحياة هذه، فقد وهبْتُ أوقاتي لأحداث (مليكة اليهودية) التي ملكتْني تماماً.
أبدو نائمة وأنا لستُ كذلك ؛ أصيغ الأفكار وأنا مغمضة العينين، استلهمْتُها من حصيلة اليوم، من التماهي بالشروق والغروب، ومن التحديق بالقمر.
القمر ! هذا المراهق الذي يعْتاش على أحلام البشر .. كيف أمنحه عمري مجاناً ؟ ألا يتمرّى بنظري أنا ؟ أنا منْ يعطيه معنى الحسن والجمال ، فإذن .. لا بدّ أن أستردّ كتابةً ما دفعتُه له من وقت هو من عمري.
وهكذا .. كنتُ في هدْأة الليل أعمل على تقليب الأفكار وسَبْرها . وغالباً ما تنبّهتُ من أحلام اليقظة هذه، فأضيء مصباحاً صغيراً لأكتب ما جال في ذهني، خشية أن يأتي النهار فيمْحو كلام الليل.
أستيقظ صباحاً ودفتر المسودة أمامي، وعقلي يموج بتطوّر أحداث القصة . فإذا قبضْتُ على فكرة جديدة، تركتُ طعامي وشرابي لأسجّلها قبل أن تفرّ أمام عيني . كيفما تحركتُ كانت مليكة اليهودية معي.

أنا ربّة بيت، أقوم بواجباته بنفسي، ولا أستشعر منها الإرهاق رغم ثقلها، ولا التعب رغم شدّتها، ولا العسْر رغم اسْتكراهها . كيف أرهق وأتعب وأسْتكرِه وأنا لا أفطن إلى كل هذا ؟ أخذتْ القصة بمجامع نفسي، فكتبتُ أحداثها من ساحة القتال والانقضاض، بروحِ عسكريٍّ مقْدِم على معركة حياة أو موت، فكنتُ أخطّط لواجبات البيت اليومية بقلب الأم، وعقلي في تكتيك المعركة.

تقدّمتُ في أحداث القصة تقدّم الظافرين في معركة نبيلة . أفتح كل يوم جهاز الكومبيوتر، وقد زيّن شاشته مربّع عنونْتُه ب (مليكة اليهودية)، فألقي نظرة متفحّصةً على النص من بدايته وقد جاوز تسعاً وثلاثين صفحة بلا ملل أو ضجر.
كمْ قرأتُه ! كم ~~ وكمْ قلّبتُه ظهراً لبطنٍ .. وبطناً لظهرٍ، وأعْلى لأسفلٍ .. وعقباً على رأس !
وبعلْمي جعلتُ النصّ إلى قراره في الأمس، فإذا تغيير لم يكن في بالي، فأدخُل في الناسِخ والمنسوخ . لم يصِبْني يأس، ولا نال مني أسف، ذلك أني أوْصيْتُ نفسي بالصبر، وتجمّلتُ بالهدوء.
إنها " مليكة اليهودية "، مما لا يصحّ معها أن أتعامل بالعصبية والضيق.

كنت أرى النصّ الوليد يكبر أمام عيني كل يوم .. لم أتهاون في تربيته لا في يقظتي ولا في حلمي .. أطْعمتُه، سقيتُه، لاعبتُه، حنوتُ عليه حتى كبر وصار شاباً جميلاً . وكنتُ أنوي بعد رأس السنة أن أقدّمه هدية متواضعة للحياة، فهو الجمال ـ بالنسبة لي ـ الذي مضى متدفّقاً ليصبح أشدّ جمالاً بوجود صانِعه : هو هِبةٌ من شعاع الشمس، وخيطٌ من نور القمر، وحجَرٌ من ذلك الجبل، وخضارٌ من ذلك الشجر.

ولكن جائزة الأمل انحرفتْ عني !!
فتحت جهاز الكومبيوتر في ذلك المساء، قبل شهر تقريباً، لألقي نظرة حنان على الشاب الجميل . يا حليوة أين أنت ؟ لم يظهر الحليوة .. يا ابني يرضى عليك، هذا ليس وقت الهِزار .. لكن الهزار اشتدَّ، واسْتحْكمَ، وعيناي تبحثان باضطراب وارتباك، ويداي ترتعشان، واعترتْني رجفة شملتْ كل أطرافي، وقلبي كاد يقفز من صدري، وما هي إلا أن انهمرتْ دموعي وندّتْ عني شهقة توجّع ولَوعة، ثم غطّيتُ وجهي بكفيّ وأخذت بالبكاء كطفل أضاع لعبته، لكن ما بين يدي ليس لعبة، إنه أملي وحلمي الذي لا يتكرر.
جاءني هاتف وأنا في شدتي هذه، فتصنّعتُ الهدوء والسكينة، وإذ بها أختي، فعاد الاضطراب يشملني وأنا أتحدث إليها بما حصل، فقالت بلا اكتراث لمصيبتي :
ــ بسيطة .. أعيدي كتابته، ألا يمكن أن يظهر الأفضل ؟
قلت لها بلوعة :
ــ أقول لكِ جهد سنة ونصف، أكلتْ شربتْ قامت قعدت معي.
ــ ولوْ !
هتفتُ بحدة :
ــ لا أنتظر رأيك ونصيحتك.
فردتْ ببرود أفْجع من برود الإنكليز :
ــ إيه شو نجيب محفوظ ؟
لم يترك الحزن الشديد أي فسحة للحوار، فبادرتُها بالغضب المستعر :
ــ نجيب محفوظ ونص.
وأغلقتُ الهاتف في وجهها وهي تضحك !
وأنا أبكي ..
وجاء على عويلي أهل البيت، وبدل أن يشفق عليّ " سيدنا " أخذ يوجّه اللوم والتقريع بلا رحمة، ألمْ أقل لكِ عشرين مرة أن تنسخي ما تكتبينه على الفلاش ميموري ؟؟ ثم ينظر إلى منْ حوله كأنه يُشهِدهم على خطئي الفظيع، ويؤكّد بسبابته المرتجفة المرفوعة في وجهي : ميّة ميّة .. ميت مرة قلت لها لا أمان للكومبيوتر . شابتْ صوتي بحّة وأنا أرجوه مستعطِفةً أن يساعدني، فهو الخبير وصاحب الأفكار الهائلة .. فرماني بنظرة استهجان وقال : أهلاً بالمصالح .. كعادتكِ عندما تقعين في مشكلة تلهفيني بقصيدة مديح .. نفضَ " سيدنا " كفّه في الهواء وقال بغضب : زيحيْ .. خلليني أعرف شغلي .. زِحتُ له ..ثم هرعتُ إلى المطبخ أحضّر له الكاتو مع الشاي وقد هدأتُ .. وكلّي ثقة أن القصة ستظهر على يديه، ولم أنسَ حصّتي مع كل قلقي . ولما جلست بجانبه حدّق في وجهي وقال بتهكم : صحتين وهنا وعافية، أنت تأكلين الكاتو وأنا مبْتلٍ بأغلاطك، كم مرة قلت لك اِنْسخي انسخي انسخي ؟ طلعَ الشَعْر على لساني وأنت لا تسمعيني !! وهو يتابع بحثه عن القصة المفقودة .. وأنا أراقب برجاء حار أن يصدر عنه ما يرطّب أملي .. لكنه ما فتئ يتابع احتجاجه : ليس أسهل على الإنسان من أن يبرّر أخطاءه بالنسيان، وإن كان النسيان يصلِح للتبرير، لكنه ليس أمراً لا حيلة لنا معه لتقويمه .. هذا إهمال، وتوكّل على جهود الآخرين !!
الحق معكَ.
كفاية .. سمعتُ هذه العبارة ستين مرة.
مسك ابني الخبيث الآلة الحاسبة وقال : ستين مرة زائد + العشرين الأولى زائد + بعدها تلات ميّة زائد + انْسخي مُكرَّرة تلات مرات = يساوي تلاتميّة وتلاتة وتمانين مرة .. ما صاروا أربع مئة ، طوّل بالك يا أبي !
فردّ الأب : قدَر يا ابني .. قدر ، ينتظرك على الطريق، فلا تضحكْ.

وانكفأتُ على نفسي أعاتب نفسي على تقصيري .. واضطرب الرجاء في صدري واهتزّ الأمل في أعماقي وأنا أرى الجهود تذهب عبثاً ..
وسهر معي ابني (الخبيث) حتى ساعة متأخرة من الليل، وهو يبحث وينقّب مع أبيه في ملفات رميتُها في سلة المهملات من ست سنوات، فظهر كل ما رميتُه.. ولم تظهر قصتي . أين ذهبت ؟ وكيف اختفت ؟ ولِمَ توارتْ الآن بعد هذه المدة ؟
رفعتُ رأسي، فحلّقتْ نظراتي في عتمة الزوال، وداهمني إحساس بالفتور والخمول .. ثم التلاشي.

وكنت قبل فقدان قصة (مليكة اليهودية)، قد مررتُ بحادثة، أفقدتْني الإيمان بعدالة الإنسان ونزاهته وحياديته، فعرفتُ أن الإنسان إذا طغى وتجبّر، فرَّقَ الكبرياء بين عقله وقلبه، وعمّق نزعات مخاصمة الحق.

أحاول منذ أسبوعين العودة إلى كتابة القصة، فلا تفلح جهودي .. صمت العقل وفرّت الأفكار، ونسيتُ تماماً كل ما كتبت.

اليوم، كعادتي، جلستُ في الهيكل، أمام الشمس والجبل والشجر، ورخامة صوت الشيخ " عبد الباسط محمد عبد الصمد " تنساب في أوصالي.
حبْلٌ ذهبي قادم من نسْج شمسٍ مبهرة.
ألا ما أسْعدك يا منْ شبَكَ صوتُه الرخيم روحَك مع الملكوت، فمسحَ على أوتار قلبك المُتعَب، لترتفع الأمنيات الصافية وتعانق السماء .. فتختلج الأفئدة بالسلام.
كأن صوته يتبع لمخلوق اسْتوَى فوق البشر .. يطالعنا من بين الغيوم كالنور.. تضفي نبراته الشجية غسولاً على أعماقنا بكثافتها الوجدانية المضيئة، فتأخذنا نشوة روحية ترفع منسوب الصفاء في القلوب، لنعيش جواً تطهيرياً.
وجدت نفسي فجأة .. أتذكر مقدمة القصة المفقودة بغير وضوح، لكني تابعت الكتابة، وما زال الشيخ يحلّق بي، وأنا أتابع .. وسكت الشيخ وأنا ما زلت أتابع ......
ومن بيت جارتي سمعت صوت الفنانة  -;- *Pink
Try Try Try
https://www.youtube.com/watch?v=fdHCec23BKE
وانبسط الأمل الذي لا يُعطي توقّدَه إلا لمنْ يُخلِص له !!