باعة الوهم!

شاكر الناصري
2016 / 1 / 7

خلال لقائه بوفد القطاع الخاص للمنظمات الاقتصادية للإستثمار والإعمار، هذا اليوم الخميس السابع من كانون الثاني الجاري، قال رئيس الوزراء العراقيّ، حيدرالعبادي: "انهيار اسعار النفط سيكون قوة لنا وذا فائدة للتحفيز الايجابي والذي بدأنا به من خلال تشجيع الصناعة وضغط النفقات الحكومية وتسريع خطوات الاصلاح".!!!!!

إن من حق الإنسان البسيط الذي أصبحت حياته ومعيشته في مهب الريح، أن يسأل، كيف، وما هي الحلول العملية والواقعية لمواجهة إنخفاض أسعار النفط، ومخاطر إفلاس الدولة، وأن يشكك في حلول باعة الوهم والإدعاءات الكاذبة والمفضوحة التي يجترونها؟؟

كيف يصبح انهيار أسعار النفط قوة، والعراق ومنذ أن أسقط النظام السابق وحتّى هذه اللحظة يغرق في متاهات الدولة الريعية التي لاتعني سوى تحول ريوع النفط إلى أداة بيد السلطة وقواها الحاكمة لشراء الذمم وتوزيع الرِشا على مؤيديها ومريديها وأتباعها، وأداة لكسب الولاءات وادارة دفة الصراعات السياسية ضدّ الخصوم حتّى لو كانوا من نفس التحالف الحاكم؟؟؟.

فهذه القوى وجدت في عوائد الدولة وثرواتها النفطية ما يمكنها من فرض وجودها وتأسيس جيوشها ومليشياتها وبالتالي فرض سطوتها على العراقيّين!. دون مراعاة للمستقبل، ولا للأزمات الاقتصادية المحتملة المتمثلة بإنخفاض أسعار النفط إلى مستويات متدنية، كما يحدث الان، على سبيل المثال!!، بلّ إن هذه القوى لم تكلف نفسها عناء التكفير بما يحدث للعراقيّين وكيف يعيشون، بماذا يفكرون، كيف ينظرون للغد والمستقبل...الخ؟؟

لم تكن هذه القوى معنية، لامنشغلة بحياة ومصالح وهموم العراقيّين، قدر إنشغالها بامكانية تحويلهم إلى وقود في حروبها وصراعاتها الطائفية وتسخير كلّ الامكانيات اللازمة لزيادة التطرف الدينيّ والطائفيّ، والقومي وتحويله إلى ظاهرة مخيفة، وأنّه السبيل الوحيد للحماية من المخاطر التي تتربص بأتباع هذه الطائفة أو تلك القومية!!!

كيف سيكون تشجيع الصناعة في بلد يعيش أزمات متواصلة وخانقة، ويفتقد إلى مقومات الصناعة بعد تدمير ما كان فيه من مصانع ومعامل، تنتج، وتنافس، وتشغل الآلاف من العراقيّين، فيما يعاني ما تبقى منها من الإهمال والتآكل وخروج معظم خطوطها من الخدمة، وفساد الادارات والترهل والبطالة المقنعة؟؟

يبدو أنّ باعة الوهم في العراق الجديد، قد استهوتهم هذه اللعبة السمجة التي تدلل على تخبطهم وفشلهم وعجزهم عن مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعراقيّين، وتجعلهم أمام مصير مجهول، بعد أن تمكنت القوى الحاكمة من جعل الدولة مصدر الدخل الوحيد والرئيسي، للعامل، الموظف، الجندي، الشرطي، الرئيس، الوزير، النائب في البرلمان، السجين السياسي، المتقاعد، ملايين الشهداء والجرحى وضحايا النظام السابق، شيخ العشيرة ورجل الدين، فالكلّ ينتظر مخصصاته وامتيازاته من ميزانية الدولة التي تهالكت وتساقطت حتّى أن الحديث عن عجزها عن توفير مرتبات أتباعها، لم يعد من الأسرار التي لايجب البوح بها وكشف خباياها!

من الواضح أنّ حكاية الاصلاح والاصلاحات وتسريع خطواتها قد أستهوت السيد العباديّ، الذي بات يكررها كلّ يوم، وكأنه يتحدث إلى قوم يقطنون المريخ، وليس في العراق الذي يحكمه!. ما الذي تحقق حتّى الان من الاصلاحات والحزم الاصلاحية التي أطلقها العباديّ؟؟. عملياً، لم يتحقق شيء يذكر، فكلّ ما قيل انه اصلاح تم التراجع عنه وتحول إلى قرارات وقوانين، تحمل أعباء الدولة ونفقاتها، على كاهل المواطن العراقيّ، تخفيض الرواتب، زيادة نسبة الضرائب، خفض الإنفاق العام، تقليل الدعم عن السلع والمواد الضرورية والوقود، فرض رسوم على المعاملات الرسمية التي يحتاجها المواطن العراقيّ...الخ !!

عملياً، سبق لنا كعراقيّين، وفي مناسبات ووقائع كثيرة، أن جربنا باعة الوهم وحلولهم، التي تحولت إلى كوارث مؤلمة وقاسية لم ننجو من آثارها ونتائجها!

ما يحدث الآن إن العراق يمر بواحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية التي ستكون لها آثار كبيرة وخطيرة على حياة ومعيشة وأمن وإستقرار العراقيّين، ولن تنفع حلول باعة الوهم، حول "التحفيز الإيجابي" و الأسف على " تراجع زراعة النخيل" في مواجهتها أو تسويفها والتباكي على آثارها!، بلّ إنّها بحاجة لحلول جدية وعميقة مرهونة بقدرة العراقيّين على التصدي لكلّ محاولات السلطة الفاسدة الموجودة الآن لتحميلهم تبعات هذه الأزمة والتنصل عن مسؤولياتها!