عم فتحي

ميلاد سليمان
2016 / 1 / 6

في فترة التسعينيات، في إمبابة، قبل دخول شبكات الصرف الصحي، كانت مخلفات كل شقة في البيت/ العمارة، سواء مخلفات الحمام أو حوض الغسيل، بيتم تجميعها في حفرة عميقة أمام الباب الرئيسي في الشارع، وكان بيطلق عليها إسم "أوضة التفتيش" أو "الطرنش"، والطرنش حفرة بعمق 3 متر تقريبًا، مغطاة بهيكل غسالة صاج مُتآكل، موضوع عليه بعض الكراتين كشاهد القبر للإشارة لمكانه، حتى يعرفه المارة وراكبو السيارات فلا يخطون فوقه خوفًا من وقوعهم فيه فيتجنبونه، ولك أن تتخيل كمية الروائح البشعة الكريهة اللي بتمليء الشارع لو لم يتم تفريغه دوريًا، سواء من منزلك أو من أي منزل مجاور، ودوريًا هنا بتعني حسب امتلائه، فليس له ميعاد متفق عليه بين سكان العمارة، فلو مثلا خالتي "أم ماجد" غسلت مرتين في الأسبوع و"أم شيماء" عندها ضيوف واستخدموا مياه كثير، امتليء الطرنش في يومين فقط، وفي الصيف مع الحر والعرق واستهلاك المياه الكثير، نسبة الامتلاء بتكون اسرع بشكل ملحوظ، وفي الفترة ما بين امتلاء الطرنش وتفريغه، كان ممنوع على كافة السكان استخدام الحمام أو الحوض بأي شكل، وإلا "طفح الخرااا" في الشارع خارج حدود الصاج الموضوع على الطرنش او طفح في الشقق بأثر رجعي!! فكنا في الفترة دي – كـذكور- بنروح نستخدم الحمام في القهوة أو في الخرابة اللي ورا الجراج.. بالتالي كانت ضروري سرعة استدعاء السيارة التي تقوم بتفريغ الطرنش، ويتم تجميع مبلغ 1 جنيه عن كل شقة لتحصل السيارة على 10 جنيه مقابل التفريغ لمرّة واحدة، هذه السيارة كانت عبارة عن عربة نقل عليها خزان اسطواني الشكل به مؤشر زجاجي يشير لامتلاء السيارة بمخلفات الطرنش، وهي نفس السيارة المستخدمة الآن في المحليات لسحب مياه الأمطار من الشوارع، وكان إسمها المستخدم بين الناس المحترمة "سيارة الكسح"، وسكان الشعبيات يطلقون عليها إسم "الشَفَاطة/ النزّاحة"، أما نحن كأبناء العشوائيات فكنا نطلق عليها إسمها الحقيقي وهو "عربية الخرااااا". والعربية كان شغال عليها شخصيّن، السواق وهو برنس في نفسه قاعد مكانه على الكرسي ممسك بعجلة القيادة ما بيتحركش، وبجانبه واحد تاني بتكون مهمته انه ينزل يساعد السواق في توجيه السيارة اثناء رجوعها للخلف لتقف أمام الطرنش مباشرة، ثم يقوم بسحب الخرطوم العملاق ليقوم بتوصيله وتثبيته بين العربة والطرنش لتبدأ عملية الشفط، وبعدها يصعد إلى شقق العمارة ليجمع الأموال المستحقة، كان هذا الشخص بلا مهارات ولا خبرات ولا أي ثقافة أو تعليم، فهي مهنة يدوية آلية عمل بها "عم فتحي"،
عم فتحي، رجل بسيط بجلباب أزرق داكن اللون لم نره أبدًا يرتدي غيره في أي وقت، ونتيجة عمله طوال اليوم في فك وتركيب خرطوم السيارة العملاق كانت تلتصق بجلابيته رائحة القاذورات طوال الوقت، لتفوح على سلم العمارة أثناء صعوده وهبوطه لجمع الأموال!!، وكان "عم فتحي" أغلب الوقت يتعرّض لمواقف مُحرجة من بعض الجيران الذين يعاملونه باعتباره شخص وضيع في مهنة وضيعة، ويطلبون منه أن يقف أمام باب العمارة ثم يُنزِلون له "السَبَتْ" وبداخله الأموال المطلوبة حتى لا يصعد أمام شققهم، ولكن في منزلنا كان يصعد إلى الشقق ليجمع الأموال، وذات مرّة حينما طرَق بابنا ليأخذ الجنيه المطلوب، ناديت أمي في عفوية طفل لا أحسد عليها "مامااااه... هاتي جنيه لفتحي بتاع الخرااااا"، وقتها صفعتني أمي على وجهي نظرًا لوقاحتي وقلة ذوقي وقالت لي "إسمه عم فتحي بس".

مع الوقت، رُزق عم فتحي بطفلة جميلة، أطلق عليها إسم "نجلاء" تيمنًا بالفنانة الرقيقة الجميلة "نجلاء فتحي"، ولكن للآسف، كبرت الفتاة وكبر معها وظيفة والدها ورائحته، وظلّ الأطفال في المدرسة، وفي الشارع، يقومون بمناداتها بإسم "بنت بتاع الخرااا"، وحتى بعد دخول شبكات الصرف الصحي لإمبابة، واختفاء مهنة "سيارة الكسح" مازال اللقب والاحتقار يطارد عم فتحي وإبنته.
‫-;-