رؤى وبدائل مقترحة لأزمة الاقتصاد الفلسطيني

محسن ابو رمضان
2015 / 12 / 28

رؤى وبدائل مقترحة
لأزمة الاقتصاد الفلسطيني

بقلم / محسن ابو رمضان

ترتكز القاعدة الاقتصادية للاقتصاد الفلسطيني إلى ركيزتي بروتوكول باريس الاقتصادي من جهة واعتماد اقتصاد السوق والمنافسة الحرة من جهة اخرى وذلك كما هو وارد بالقانون الاساسي الفلسطيني وفق نص المادة 21 .
ساهم بروتوكول باريس الاقتصادي بتعميق التبعية والاستلاب خاصة في اطار التأكيد على الغلاف الجمركي الموحد بالوقت الذي يبلغ نصيب الفرد السنوي في دولة الاحتلال 34 ألف دولار بالمقابل فإن الفلسطيني نصيبه السنوى 1400-$-، علماً بأن الناتج القومي الاجمالي في اسرائيل يصل إلى اكثر من 280 مليار بالمقابل 7.5 مليار-$- للاقتصادي الفلسطيني ، كما ان بروتوكول باريس الاقتصادي أدى إلى تحكم دولة الاحتلال بعائدات الضرائب التي تقتطعها لصالح السلطة واصبحت تستخدمها ورقة ضغط في مواجهة السلطة عندما تفكر الاخيرة في اختيار مسار سياسي بعيداً عن اطار اوسلو والمفاوضات الثنائية .
عمقت علاقة التبعية والاستلاب حالة التخلف التنموي الذي اصبح يعتمد على التعاقد من الباطن وقد تم نمو شريحة من رجال الأعمال ذات مصالح اقتصادية مباشرة مع رجال الأعمال في دولة الاحتلال بل أكثر من ذلك فقد أصبحت هناك استثمارات فلسطينية في المستوطنات القائمة على اراضي الضفة وصلت إلى حوالي 2.4 مليار-$- .
إن المناطق الصناعية والسكنية المشتركة والأطر الاقتصادية في الصناعة والزراعة التي تعتمد على التعاقد من الباطن مع الشركات الاسرائيلية واستمرارية تحكم اسرائيل بالكود الجمركي لعملية الاستيراد بصورة كاملة، أدى إلى اخفاق عملية التنمية والنمو وعزز من حالة التبعية والتخليف والاستلاب، بحيث اصبح السوق الفلسطيني مخزن للبضائع الاسرائيلية وهو السوق الثاني لدولة الاحتلال بعد سوق اوروبا والولايات المتحدة ، حيث يصدر إلى الأراضي الفلسطينية حوالي 5 مليارً-$- سنوياً على شكل بضائع .
وإذا كان بروتوكول باريس عمق من حالة التبعية وكبح العوامل الموضوعية لتنمية الاقتصاد الفلسطيني الذي هو بحاجة إلى السيطرة على الارض والمياه والموارد والمعابر في اطار الحق في تقرير المصير الذي يؤكده الاعلان العالمي عن الحق بالتنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 86 ، فإن اعتماد السلطة على المنافسة الحرة وآليات السوق ساهم في اضعاف دور السلطة " الدولة " في اعتماد تنفيذ برامج الضمان والحماية الاجتماعية لصالح قوى السوق والقطاع الخاص والتداخل مع الحزب السياسي الحاكم ، والذي تم استخدامه أي الحزب الحاكم لاقامة العديد من الاحتكارات والامتيازات للعديد من السلع الاساسية والاستراتيجية كالبترول والاسمنت والحديد والحصمة اضافة إلى الاستثمارات في اطار موجودات السلطة من أراضي ومياه لإقامة العديد من المشاريع السكنية والسياحية ، والصناعية والزراعية ، فيما يتجاوز أيضاً فلسفة المنافسة الحرة لصالح الاحتكارات والامتيازات .
وفي اطار استعراض سريع لأزمة الاقتصاد الفلسطيني يمكن تلخيصها بالتالي :-
1. أزمة العجز بالميزان التجاري حيث هناك هوة واسعة ما بين الاستيراد والتصدير ، فالاستيراد يصل الآن إلى حوالي 6 مليار-$- والتصدير فلا يتجاوز 1 مليار على أحسن التقديرات .
2. الخلل الهيكلي بالاقتصاد حيث يحتل قطاع الخدمات النسبة الأعظم لتصل إلى 65% من حجم الاقتصاد الكلي ،والصناعة 12% والزراعة 5% علماً بأن الصناعة والزراعة هما القطاعان اللذان من الممكن ان يشكلوا قاعدة للتنمية الانتاجية والمساهمة باستيعاب العديدين من العاطلين عن العمل ، و18% لقطاع البنية التحتية والانشاءات .
3. التضخم بالجهاز الإداري الوظيفي بحيث وصل عدد الموظفين المسجلين لدى حكومة رام الله حوالي 150 ألف والمسجلين على حكومة حماس في غزة حوالي 51 ألف، الامر الذي حول السلطة إلى أكبر مشغل للعمل بما يترتب عليه من بطالة مقنعة وضعف في المشاركة بآليات الانتاج .
4. تضخم نسبة الودائع في البنوك المحلية بما يصل إلى حوالي 12 مليار-$- ، علماً بأنه لا يضخ منها بالسوق الا نسب محدودة لدعم المشاريع الانتاجية والتنموية ومبادرات المشاريع الصغيرة .
5. أزمة الاعتمادية ، حيث ان عوائد السلطة من الضرائب المحلية لا تعطى أكثر من 20% منها بينما القسم الأعظم يتم الاعتماد به على اموال المقاصة بنسبة 50% وأموال المانحين بنسبة 30% أو اكثر قليلاً .
6. أزمة المديونية ، حيث ارتفع الدين ليصل إلى حوالي 3.9 مليار-$- الأمر الذي سيؤثر على الاستدامة وعلى القرار المستقل و كذلك على مستقبل الأجيال القادمة .
7. ازمة ضعف المنتج الوطني القادر على المنافسة لطرد المنتج الاسرائيلي من الأسواق ، حيث ان الضعف من حيث الجودة والقدرة على المنافسة بالنوعية والسعر، لا يساعد على التخلص من المنتج الاسرائيلي .
8. أزمة احجام رأسمال الفلسطيني المتواجد بالخارج والشتات من الاستثمار بالاراضي الفلسطينية بسبب عدم توفر البيئة الاستثمارية المناسبة والرغبة بحماية اموالهم بالخارج في بيئة أكثر استقراراً ، وهنا تبرز مشكلة غياب الدافعية الوطنية في هذا المجال .
ما تقدم يشكل أبرز الأزمات الرئيسية التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني والتي تفرع عنها العديد من المشكلات ذات الابعاد الاجتماعية والمعيشية ومنها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والفجوة ما بين مخرجات التعليم ومدخلات التنمية ، وتهميش مشاركة المرأة بالانتاج ...إلخ.
الانقسام والمشكلات الاقتصادية :-
لعب الانقسام دوراً سلبياً على المستويات الوطنية والاجتماعية والحقوقية والاقتصادية ، حيث اصبح هناك بيئتين اقتصاديتين مختلفتين عن بعضها البعض بين غزة والضفة ، وقد تم اعتماد قرارات بفعل القانون من الرئيس محمود عباس تجاه العديد من القضايا الاقتصادية دون مصادقة المجلس التشريعي عليه ، كما قامت كتلة الاصلاح والتغيير بسن العديد من التشريعات في غزة دون مصادق الرئيس عليها .
يمكن وصف الاقتصاد الفلسطيني بالضفة بأنه يعتمد منهجية الليبرالية الجديدة ويبتعد عن القضايا الاجتماعية التي لها علاقة بمصالح الفقراء والمهمشين والضعفاء في اطار التساوق مع فكرة السلام الاقتصادي وذلك على حساب الحقوق الوطنية وخاصة الحق في تقرير المصير .
وهناك بعض الأمثلة التي تبرزها طبيعة القرارات التي اعتمدها الرئيس عباس منها قانون مؤسسات الاقراض، والأوراق المالية ، الضمان الاجتماعي، والتي تصب في صالح شريحة رجال الاعمال والقطاع الخاص، علماً بأنه تم اعتماد العديد من القوانين اثناء الانقسام وقبله ذات أبعاد اجتماعية وهي قوانين ايجابية نسبياً ،إلا أنها لم تترجم بحجة العجز بالميزانية مثل قانون العمل ، الحد الأدنى للأجور ، الخدمة المدنية ، التقاعد .
ويمكن وصف الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة بأنه اقتصاد مركزي يتداخل به المستوى الاداري" الحكومي " و المستوى السياسي للحزب السائد والذي اصبح يملك مفاتيح الاقتصاد المحلي سواءً عبر تجارة الانفاق التي ازدهرت بالفترة ما بين 2009 – منتصف 2014 أو تنفيذ المشاريع الاستثمارية ، السياحية والزراعية والسكنية في المحررات وكذلك فيما يتعلق بالقطاع المالي والنقدي ، وقطاع الانشاءات والمباني.
البدائل التنموية :-
في ظل ما تقدم من حالة انقسام وغياب جسم تشريعي موحد وحكومة موحدة لا يمكن الحديث عن البدائل التي تشترط اقامة بنية ديمقراطية تعمل في اطار منهجية التحرر الوطني الذي جزء منه التحرر الاقتصادي من ربقة التبعية للاقتصاد الاسرائيلي .
وبالتالي فإن شرط البدائل يكمن بانهاء الانقسام وتحقيق نظام ديمقراطي موحد يستند إلى سلطة تشريعية موحدة ، وحكومة ناتجة عنها تغادر الرهان على مسار المفاوضات ، وتسير بمنهجية اقتصادية تستند إلى قاعدة التحرر الوطني .
وبالارتكاز إلى ذلك يمكن طرح بعض الملامح للبدائل التنموية وفق المقترحات الراهنة :-
1. اعتماد الاقتصاد المختلط التعاوني الذي يدمج ما بين الدولة والقطاع الخاص بدلاً من اعتماد آليات السوق فقط .
2. مغادرة الرهان على السلام الاقتصادي وبروتوكول باريس والمشاريع المشتركة مع دولة الاحتلال لصالح تعزيز المنتج الوطني والمحلي .
3. مغادرة الاعتماد على أموال المانحين المسيسة لصالح التحالف مع بلدان البيريكس " الصين وروسيا " وقوى التحرر بالعالم .
4. إعادة صياغة السلطة بحيث تصبح أداة لإدارة شؤون الناس وتنفيذ الخدمات تحت اشراف م.ت.ف .
5. العمل على تخفيض عدد المعتمدين على السلطة من خلال تشجيع المبادرات الفردية والمشاريع الريادية الصغيرة من جهة وعبر تشجيع عملية التقاعد المبكر لصالح الخريجين الجدد والجيل الصاعد .
6. تعزيز دور القطاع الخاص بالمسؤولية الاجتماعية لدعم المشاريع الريادية والصغيرة والمبادرات المجتمعية .
7. مراجعة التشريعات وخاصة الصادرة أثناء الانقسام ذات البعد التنموي واعادة صياغتها على قاعدة تضمن مصالح الفقراء والمهمشين والضعفاء لتعزيز مقومات صمودهم .
8. الاهتمام أكثر بالقطاعات الانتاجية الزراعة والصناعة بدلاً من الخدمات .
9. فتح الآفاق للخريجين الجدد للعمل الوافد ببلدان الخليج وفق نظام الإعارة وذلك لسنوات محدوده يعودوا بها إلى الوطن لخدمة ابناء شعبهم ضمن خبرة مكتسبة .
10. الاهتمام في دعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر ذات البعد التنموي والانتاجي بهدف نقل الفئات الاجتماعية من مرحلة الاغاثة إلى التنمية، وخاصة في مجال المشاريع الزراعية والحرفية والتكنولوجية والصناعية .
11. إعادة صياغة منهجية اعداد الموازنة لتزويد وزن القطاعات الاجتماعية " التعليم ، صحة، خدمات اجتماعية " وكذلك وزن القطاعات الانتاجية وخاصة الزراعة .
12. الابتعاد عن الخيارات الفردية لدى كل من غزة والضفة وذلك باتجاه تعزيز عملية التلاحم والتكامل بين اقتصاد غزة والضفة كوحدة اقتصادية واحدة ، حيث تم تجريب فكرة السلام الاقتصادي ولم تحقق التنمية المطلوبة بالضفة، كما أن مقترحات الميناء والمطار في غزة لن يحلا المشكلة دون ترابط ذلك مع الضفة " التكامل " .
13. السعي باتجاه تنفيذ بعض القوانين الايجابية ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي وتنفيذها مثل قانون تشجيع الاستثمار ، الملكية الفكرية ، العمل ، التقاعد ، الخدمة المدنية ... إلخ .
14. حصر الموارد المحلية والعمل على استثمارها بصورة رشيدة لصالح المشاريع التنموية التي تعزز من مقومات الصمود وفرص الاستمرارية .
15. تشكيل مجلس دائم للتنسيق والمشاركة وتقسيم المهمات والادوار يضم كل من الحكومة ، القطاع الخاص، المنظمات الأهلية ، الجامعات، البلديات .
16. تعزيز العلاقات التجارية مع البلدان العربية بدلاً من دولة الاحتلال .
17. الدمج بين التعليم والتنمية بصورة مهنية وزيادة التعليم والتدريب في مجال التقنيات والأجهزة التكنولوجية الحديثة .
ما تقدم يشكل ملامح لبدائل محددة لا يمكن ان تتم إلا بالاستناد إلى بعدين :-
أ‌. التحرر الوطني بدلاً من الرهان على المفاوضات والحلول الانتقالية المرحلية .
ب‌. انهاء الانقسام و تحقيق نظام فلسطيني ديمقراطي تعددي .