ضاحية الفكر

ابراهيم زورو
2015 / 12 / 26



دائماً الفكر يعمل ضمن ساحته ويتطور بأدواته الخاصة التي هي جدال ونقاش بشكل حضاري وديمقراطي، من حيث أن العقل ينبذ العنف ويتجول في مناطقه الهادئة، وبهذا المعنى هو لا يملك ذاتاً مسيجة على مدار الوقت، وليس دكتاتوراً يعيش بدون قواعد واسس وضوابط، ليصبح سجين سلطته. وكأن الفكر حبل صرة يغذي الحركة الداخليه ويمنحها شرعية الوجود، أو قل أنه تاج وجوده كونه ينسج لها أي للحركة علاقاتها الخارجية ويبرر وجودها ويبين اسباب ظهورها ويعمل على رفع التناقض بين الشكل والمضمون، وبذلك يصبح مدافعا عنها وينسج لها فلسفة من حيث لا يدحض حتى بلوغ هدفها.
نحن نتكلم عن الفكر بمعناه العام ولكننا سنمضي في سياق ذاته، ونقول أن الفكر الذي نحن بصدده هو فكر الإصالة/التمدن، وهو عكس فكر الضاحية الذي يبقى في إطار وفضاء مغلقين ويحيا بدون هوية، لذلك سرعان ما يعود إلى حظيرته بخفي الحنين، وهنا يفتح طريقاً له للاستفراد بذاته لأنه يخشى من الفكر المدني الذي يحيا بين مفكري المدن الممزوجين بثقافة برجوازية وضمن اطار المجتمع المدني، فالضاحية من المدن هي خارج سورها، كحالة لغوية، وهنا يشد انتباهنا إلى أن الفكر الذي يرعى خارج إطار المدن يبقى أسير ذاته ويتقوقع على نفسه وقد يكون علاجه صعباً في هذا المنحى، فالفكر المدني هو فكر انساني بامتياز بارع على عكس فكر الضواحي الذي هو فكر موحى من فكر اقطاعي يريد ان يشد المجتمع نحو فكر قروي الذي يأخذ منحاه من فكر القطيع، وكأننا هنا قريبون من فكر ماوتسي تونغ والفكر اللينيني اللذين تناولا موضوع ذاته واختلفا في النتيجة، ولكل منهما براهينه ودلائله ليثبت وجهة نظره، فالاول يدور حول اعتماده للفلاحين الذين يقع على عاتقهم الفكر الثوري، عكس الثاني الذي اتخذ من العمال عمود لنظريته.
وقد نذهب إلى القول ونؤكد على أن الفكر الديني هو نفسه فكر ضاحية نما وترعرع –اغلب الأنبياء كانوا رعاة- في الصحراء وبعيدة عن التجمعات السكانية بادىء الأمر، إنه فكر قائم على التشبث بلغة عاطفية عمادها الإنسان الفرد، وقيمته تكمن في ماض سحيق، أي كلما تقدم به السنوات والقرون كان وجوده واداؤه أفضل في سياقه الماضوي، وبهذه الحالة لا اعتقد أنه يستطيع أن يقدم أي مادة فكرية أو انتاج ذاته ضمن الفكر المدني على أنه فكر يريد أن يصارع وينافس على أحقية الحياة للبشر ذاتهم، وأيضاً يساهم في تغذية فكر القطيع قولاً وممارسة. والأنكى من ذلك أنه يعزز ذاته بقوة إلهية واغلب مريديه يؤمنون بأن الموت والشهادة طريق إلى حياة افضل.
وحيث أن ضاحية الفكر ليست لها انتماء محدد فهي بعيدة كل البعد عن الفكر القروي الفلاحي ولا يبغي أو يريد الانتماء له ويعتبر ذلك مشيناً ومتخلفاً، كما أنها لا تستطيع أن ينتمي إلى الفكر المدني- علماً كل همها أن تنتمي إلى الفكر المدني- وتهرول بين منطقتين اصليتين، ربما الضاحية بحاجة إلى ترتيب ذاتها لتحتل مكانا لها بين منطقتين، وذلك أن الجغرافية لها دوراً بارزاً ومؤثراً على الفكر، وقد اثبتت دراسات العلم الجنائي بأن لكل منطقة لها جرائم محددة ونمط تفكيرها الخاص بها، من هنا أن ضاحية الفكر ما كانت ظاهرة بالنسبة إلى المدينة أو هي خارج سور مدينة فتريد دائما أن تكون ضمن السور وليست خارجه وذلك بمعناه اللغوي. وتأكيداً لذلك علينا أن نفهم لماذا كل ضاحية دمشق قامت بالثورة وبقيت دمشق كمركز خارج عن سياقها، وكذلك الامر بالنسبة إلى حلب وريفها، فالثورة لم تدخل حلب عندما كانت السلمية بل فجروها عنوة بقوة السلاح عبر اقتتال مابين عناصر خارج عن المدينة مع الامن وهكذا دخلت حلب مكرهاً، وكذلك القرى الواقعة حوالي دير الزور دليل على ذلك. والثورات التي نجحت كان أغلبها مسلحة بفكر وثقافة وبعيدة كل البعد عن الفكر الغوغائي الضاحيوي، واغلبها خرجت من المدن الكبيرة. ولهذا نرى أن جذور المعارضة السورية تنتمي إلى تلك الضواحي المقيتة. وأيضاً من مميزات الفكر الضاحي انه ليس له علاقة مع الفكر العلمي وانما يملك فقط كلام شارعي لا معنى له.
وحيث أن فكر الضاحية أو الضواحي لها صلة وثيقة بنظام الحكم في سوريا لأنه ورث الحكم إلى ابنه كما لو أنه من حقه، فالأحزاب السورية قاطبة أيدت بل وباركت لهذه الورثة، أي وافقت أن تكون ضمن الفكر الضواحي، ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم أن المعارضة حذت حذوت السلطة في أنها جلبت أولاد عمومتها إلى المناصب رغم عدم اهليتهم لذلك، واحيانا تبدو فكرها اسوأ من الفكر الضواحي حيث أنها تعلن في اكثر من مناسبة على محاربتها للطائفية، ونرى هي من تغذي الفكر الطائفي ونست أو تناست هذه المعارضة كيف أن الاب فتك بالمجتمع الساحلي وأرداه مشلولاً قبل أي محافظة أو مدينة سورية، فهل يمكن أن ندين النظام على أنه طائفي والنظام لا يتوانى في ارتكاب ابشع جرائم لو تعلق الامر بنظام حكمه، وأيضاً احداث قامشلو بعام 2004، كان النظام رغم جرائم القتل التي مارسها ضد أبناء شعبه، إلا أنه كان أرحم من جميع من زاروا قامشلو وقتها سواء أحزاباً أو شخصيات ووقفوا بجانب السلطة حتى لم يطالبوا بالتعويض وهو اسوأ احتمال، وهذه احدى مميزات الفكر الضواحي التي تميزت بها المعارضة.
وحيث ان المال السياسي غذت في بعض المناطق المستعدة لحمل السلاح، وهو احدى الفكر الضواحي الذي لا يستطيع ان يحل مشاكله بطريقة عقلانية مدنية، عبر حوار هادىء الذي هو كما قلنا انفا صفات الفكر المدني الذي يزجيه صوب ذاته دائماً.
علماً ان السلطة هي ذاتها مكوّنه من فكر الضاحية حتى بدا رأس النظام وكأنه هو الوحيد حامل لفكر مدني، بدليل أنه أقام مجتمعا مدنياً وذلك بغض النظر عن تقاعسهم من تطوير إدارتهم بشكل مطلوب، وفعل ذلك كي يجّمل سلطته بجميع المساحيق النسائية وأن تبعدها من حظيرة فكر الضاحية، أو قل أن جميع من استلموا مناصبهم كانوا من مجتمع الذي سوّرت سلطته كي تحفظه من أي فكر قد يطيح بها، وذلك هو إحدى ابداعات الاسد الاب، فافضل طريقة للحفاظ على سلطته أن يجعل من حوله لا جذور لهم فبالضرورة دفاعهم عن سلطته سيكون من أشرس الدفاعات، وهذا ما برز واضحاً عند استلام الأبن فجميع من حوله من فكر الضاحية عرّفوه كحافظ لوجودهم الذي لولاه لا وجود لهم اصلاً. وقد غرس في رؤوسهم فكرة وحيدة وهي عليهم أن يكونوا الدرع الواقي أو سور الأول والأخير للدفاع عن ذاتهم المتمثل في حفاظهم على رأس النظام الذي يستطيع أن يدافع عن نفسه ضدهم وضد معارضيه أيضاً، والنظام قد عزز وجوده في المجتمع لأن أقدم على تقديم الرشوة لجميع الموظفين في الحكومة والدولة كي يكونوا تحت الطلب لأن الكل سيصبح مذنباً، فكر الضاحية فكر يحتفظ بكل الروائح الزنخة وتمنع من دخول هواء نقي إلى المدن.