شركاء في العراق أم شركات في العراق العراق يفقد ألوانه الزاهية*

محمد الكحط
2015 / 12 / 26

شركاء في العراق أم شركات في العراق
العراق يفقد ألوانه الزاهية*
محمـد الكحط
العراق أو بلاد ما بين النهرين أو حسب اللغة اليونانية ميسوبوتاميا، بلد عريق وذو حضارات متعددة، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن اسم العراق هو تعريب لكلمة (أوروك)، والتي تعني المدينة أو أرض المدينة باللغة السومرية القديمة، كما كان اسم العراق (بيث نهرين بالآرامية)، والتي تعني (أرض الأنهار)، بسبب كثرة أنهاره، ويعتقد لربما أن أسم العراق هو من العرق، أي النهر، لتعدد أنهاره. ولكن الأرجح حسب رأي معظم الباحثين والمؤرخين هو أن اسم (العراق) مشتق من كلمة (عيراق) أو (إيراق) والتي تعني بالفارسية القديمة (الأراضي السفلية أو المنخفضة) كون العراق كان جزءا من الامبراطورية الفارسية التي كانت عاصمتها المدائن التي تقع بالقرب من بغداد.
وتعددت الأقوام والأديان والطوائف التي عاشت فيه، والتي من أهمها السومرية، والبابلية، والكلدانية، والآشورية، والسلوقيون، والإمبراطورية البارثية، والإمبراطورية الرومانية، والساسانيون، والمناذرة، والخلافة الراشدة، والدولة الأموية، والدولة العباسية، والمغول، والدولة الصفوية، والدولة الأفشارية، والدولة العثمانية، ثم الإنتداب البريطاني، كما تعرض العراق خلال تاريخه الى العديد من الغزوات من عدة جهات.
واذا انتقلنا إلى العراق الحديث، فبعد الخروج من الدولة العثمانية نهاية الحرب العالمية الثانية ومن ثم تحت الوصاية البريطانية، وما رافق ذلك من أحداث لم يكن لأبنائه دور مؤثر وفعال في كيفية تشكيل دولتهم، حتى بعد ثورة العشرين ومن ثم ترسيم الحدود العراقية الحديثة في سنة 1920م، من قبل عصبة الأمم، عندما تم تقسيم الإمبراطورية العثمانية بموجب معاهدة سيفر. ووضع العراق تحت الانتداب البريطاني وأنشئ نظام ملكي في عام 1921م، وحصلت المملكة العراقية على الاستقلال من المملكة المتحدة عام 1932م.
العراق قوميا يتألف من العرب والأكراد والتركمان والآشوريين والكلدان والسريان والأرمن والشركس والإيرانيين والكاولية وغيرهم.
ودينيا، وأثنيا، فهناك العرب الشيعة وتشعباتهم والعرب السنة وتشعباتهم وكذلك الكرد السنة والكرد الفيلية الشيعة والمسيحية بكافة أطيافها وتشعباتها، والشبك والأيزيديين والشركسية واليهودية والبهائية والمندائية. وهكذا فالشعب العراقي كوكتيل لطيف الطعم وزاهي الألوان.

والعراق هو بلد ميلاد النبي إبراهيم، وأرض لكثير من الأنبياء منهم، يونس وحزقيل ودانيال والعزير وناحوم وحنين وآدم ونوح وهود، وصالح، وذو الكفل، وسليمان، وأيوب، والكثير من أئمة المسلمين سنة وشيعة كالإمام علي، والإمام الحسين، وأخيه العباس، والإمامين الكاظمين، والإمامين العسكريين، والإمام المهدي، والإمام عبد القادر الكيلاني، والإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، والصحابة والتابعين. وفيه أولى وأقدم الكنائس والأديرة في الشرق الاوسط.
بالإضافة الى ذلك، تشكلت خلال القرن الأخير العديد من الفرق والمذاهب وأتباع طرق دينية وفكرية، ناهيك عن الأحزاب والتنظيمات الفكرية التي تأسست منذ عشرينيات القرن العشرين حتى اليوم.
ولكل من هذه القوميات والأديان والطوائف والفرق والأحزاب والنظريات الفكرية، أتباعها ومؤيديها، وتشكل لكل واحد منهم هوية شخصية يعتز بها، لكن ما يجمعهم هو وطن واحد أسمه العراق تم تحديد حدوده دوليا، وتشكلت أواصر اجتماعية ووطنية جنينية فيه، بل أنصهرت وتصاهرت فيه العديد من العوائل من هويات قومية ودينية فيه، فهنالك العديد من الزيجات بين مختلف الأديان والقوميات المؤلفة للشعب العراقي، وتوجد العديد من العوائل بل العشائر تجمع ما بين المذهبين السني والشيعي، والكردي والعربي، وبعد ثورة 14 تموز 1958 تعمقت الأواصر الوطنية، لكنها تراجعت بعد إجهاض مشروع الثورة المدني بفعل عوامل استعمارية رجعية، أعادت العراق إلى الوراء وتسلطت قوى قومية شوفينية عمقت التعصب القومي خصوصا بين العرب والكرد وهما القوميتان الرئيسيتان، ولا زالت آثار ذلك التعصب مستمرة بفعل ما عمله نظام البعث الفاشي الذي أعدم ودفن وأحرق الآلاف من الأكراد العراقيين بسبب المطالبة بحقوقهم المدنية كمواطنين في هذا الوطن.
والعراق ليس هو البلد الوحيد المتعدد الإثنيات والقوميات والأديان، بل معظم دول العالم اليوم هي متعددة الثقافات والقوميات والأديان، لكنها تعيش بسلام وأمان، وها هي الهند خير نموذج لبلد فيه 180 ديانة وعدد اللغات 347 لغة، والصين فيها 70 ديانة و67 لغة، والغريب أن كازاخستان فيها 147 قومية و40 ديانة و32 لغة، تصوروا .
إذن التعدد يفترض كونه صفة إيجابية، وتعني غنى ونضوج وزهو هذا البلد، ففيه زهور زاهية الألوان متعددة العطور مبهجة، فيه عادات وتقاليد منوعة، وأزياء مبهرة، وفيه تنافس حضاري ثقافي راقٍ يجعل الجميع يتنافس بروحية وطنية لإعلاء شأن بلده ويفتخر بهويته الفرعية، وهكذا هي الحياة، فليس فيها غير القيم الإنسانية التي تعترف بالإنسان كقيمة عليا بعيدًا عن هويته الفرعية.
اليوم العالم يتقارب بفعل تطور تكنولوجيا الاتصالات وتترسخ القيم الإنسانية بفعل الفن بأشكاله من غناء ورقص ومسرح ونحت ورسم وموسيقى، وبفعل الأدب والرياضة، وبفعل النشاطات الإنسانية المختلفة الأخرى، فتتقارب الشعوب بل لدينا اليوم مثال كبير، فها هي الدول الأوربية، فبعد قرون من التناحر والحروب والصراعات، تعود اليوم لتفكر بعقلية وواقعية مستفيدة من دروس التاريخ وعبره، فماذا جنت أوربا من حربين عالميتين غير الخراب والدمار والمعاناة والويلات، وهكذا أختفت شرطة الحدود بين دول الاتحاد الأوربي، وتم التعاون والتنسيق الاقتصادي والعلمي والاجتماعي والسياسي والثقافي، وأختفى المارك الألماني والفرنك الفرنسي، وغيرها من العملات الوطنية، ليحل اليورو رمزا لوحدة هذه البلدان، وهكذا تتطور إقتصاديات هذه الدول وتقدم العون والمساعدة للبلدان النامية، وللدول المنكوبة بالكوارث الطبيعية والحروب وغيرها.
فلماذا عراقنا يعود إلى الوراء ويتشرذم ويتفكك...؟
نعم لم نكن موحدين كشعب على طول الخط، لكن المفترض أن القيم الإنسانية قد ترسخت وتجذرت خلال قرابة قرن من الزمن وهو عمر الدولة العراقية، وخلال عقود سابقة كانت الفسيفساء العراقية الزاهية الألوان تبهر الناظر، فتطور العراق حضاريا وثقافيا، لكن للأسف لم يكن ذلك بمعزل عن تسلكات سياسية سيئة من قبل السلطات العراقية جرت وتعرضت مكونات أساسية من شعبنا إلى القمع والتنكيل والمطاردة أو الطرد، (منها مثلا مذابح سميل ضد ابناء المكون الآشوري عام ١-;-٩-;-٣-;-٣-;-). فكانت لربما البداية، لكن بعد وعد بلفور وهجرة العراقيين من الديانة اليهودية أو تهجيرهم، وكانوا من المكونات الفعالة في المجتمع العراقي، ولا زال الفن العراقي مدين لهم حتى اليوم، كون العديد منهم أرسى جذوره وكانت لهم المبادرة في تطوير الفنون في زمن كان البعض يحرمها أو يمقتها، وكان العديد منهم من العلماء والأطباء والسياسيين المناضلين من أجل حرية الشعب العراقي، فخسر الشعب العراقي لونا جميلا كان يطرز المجتمع بالبهجة والسرور، علما ان هجرتهم مرت بمراحل حتى تم إفراغ العراق من أبناء هذه الديانة بشكل كامل. والمأساة أنه لم يتم حتى الآن أي إجراء لإعادة الاعتبار والمواطنة لهؤلاء، رغم مجيء العديد من الانظمة المتعاقبة على العراق، وكأنهم يمثلون إسرائيل، مما أضطر معظمهم البقاء في اسرائيل، والعديد منهم هاجر الى بريطانيا وأمريكا وكندا ولا زالوا يحنون لموطنهم الأصلي العراق، ومات العديد منهم وعينه تصبوا للعودة.
ومن ثم جاء دور الكرد الفيلية، وكذلك تم التهجير لعدة مرات، ولكن ما فعله النظام البعثي المقبور بداية ثمانينات القرن الماضي، وما أرتكبه بحقهم من جرائم ضد الإنسانية يندى لها الجبين، وهي جرائم لا تدل إلا على إنعدام أي قيم ومشاعر إنسانية، فقد جردهم من وثائقهم وأملاكهم، والأنكى من ذلك حجز أبنائهم الشباب وقام بعد ذلك بتصفيتهم، ولا يعرف حتى اليوم مكان دفن جثامينهم، وهجرهم إلى بلد آخر لا علاقة لهم بهِ، وهناك بدأت معهم معاناة جديدة، وحتى بعد التغيير وإلى اليوم لازال معظمهم بلا وثائق وبقوا في الغربة لعدم أمكانية العودة بسهولة لوطنهم دون وثائق ولا مأوى ولا مصدر ثابت للعيش، ومنهم من غادر الحياة في الغربة والغصة في فؤاده، وهكذا خسر العراق لونا معطرا زاهيا آخر، فالكرد الفيلية كانوامن النشطاء في المجتمع العراقي ولهم تأثيرهم الثقافي والعلمي والفني والاجتماعي والتجاري، بل كانوا مساهمين نشطاء في العمل السياسي مما جعلهم عرضة للتهجير بتهمة التبعية لإيران، وهم عراقيون أقحاح، بدليل أن أيران لم تمنحهم أي وثائق مواطنة أصلية إلا القليل منهم.
ولم تتوقف هجرة العراقيين من الديانة المسيحية بكافة طوائفها طيلة القرن الماضي والحالي، بل هجرتهم مستمرة لما يلاقوه من معاملات تجعلهم يشعرون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، أو صعوبة الحصول على الفرص في وطن هو موطنهم الأصلي وموطن أجدادهم، بل وتعرض العديد منهم للمضايقات، ففضلت أعداد كبيرة الهجرة، وهم من النسيج الاجتماعي العراقي الأصيل وكانوا ولازالوا يرفدون الثقافة العراقية بكل ما هو جميل، ومنهم العلماء والأطباء والمهندسون والأساتذة الأفذاذ في كافة المجالات، وهكذا خسرنا أجمل ألواننا، رغم إصرار الآلاف منهم على البقاء، لكن لو حسبنا عدد العراقيين المسيحيين المهاجرين طيلة العقدين مع أبنائهم وأحفادهم في الغربة وقارنا ذلك بعدد من تبقى منهم، سنجد أن الأكثرية قد هاجرت.
وهذا ينطبق على أحبتنا من العراقيين الأصلاء من الديانة المندائية، فهجرتهم ومغادرتهم بلدهم الأصلي العراق كانت مستمرة وخصوصًا بعد الحصار والحروب وحتى الآن، فلم يبقَ منهم إلا القليل القليل، وتعرض العديد منهم كذلك للمضايقات والتهديد، بل وحتى القتل والسرقات، وهم قوم مسالمون جدا بطبعهم وبطبع ديانتهم التي تدعو إلى المحبة والصفاء والسلام وتنبذ العنف، ولهم تأثيرهم الثقافي والفني والسياسي والاجتماعي والعلمي بل أن العالم العراقي العبقري عبد الجبار عبد الله المعروف عالميا هو من أبناء هذه الطائفة، فهم لون أساسي وأصيل من ألوان الطيف العراقي، ورحيلهم ما هو إلا خسارة كبيرة لا تعوض.
أما الأرمن والأيزيديون والشبك والبهائيون وغيرهم من الأقليات، فكانوا على الدوام عرضة للتفرقة والتهميش، بل أن العديد من البهائيين تعرضوا إلى التصفية مما جعلهم يغادرون بلدهم.
واليوم يغادر العراق شبابه، بعد أن أضناهم التعب وتلبسهم اليأس، وفقدوا الأمل بسبب سياسة المحاصصة الطائفية المقيتة التي فسحت المجال للفساد ومن ثم الإرهاب، والخراب في بلدنا، فأخذوا يهاجرون بالجملة، فمن تبقى....؟

وهكذا سيغدو العراق رماديا قاتما، بلا لون ولا طعم، نشم فيه روائح عفنة من التفرقة والطائفية المقيتة.
فهل نحن أبناء وطن واحد وشركاء فيه، نملك جميعنا صفة المواطنة دون تمييز، أو نحن عبارة عن شركات فيه كل شركة تحاول الحصول على أكبر قدر من الأرباح دون الاهتمام للشركات الأخرى وخساراتها؟؟؟
نعم هنالك أيادٍ خفية مدفوعة تعمل ضمن شعار "فرق تسد" وهو مبدأ استعماري لكن أيضا ما واجهه شعبنا من ويلات ودمار وخراب للعقول وبسبب التخلف والجهل والأمية والانغلاق، أوصله لهذا الوضع الغريب.
أنتقد البعض قيام إقليم كردستان مؤخرا بالاحتفال بذكرى تهجير الطائفة الموسوية، ورغم الخلاف على التوقيت والشكل، إلا أنني أرى أن ذلك كان المفروض أن يتم عبر الحكومة المركزية، مع الاعتذار لليهود والكرد الفيلية والإيزيدية وجميع المكونات الأخرى التي تعرضت للملاحقة والتهميش والتصفيات، وإصدار قوانين تعبر عن روح التحولات الجديدة في دولة مدنية ديمقراطية تريد أعادة الحقوق لأصحابها وترفع الغبن الذي أصاب أبناء هذا الوطن ولتعود كل الألوان المهاجرة الجميلة وتوفير كل مستلزمات عودتها، لكن يبدو أن الظروف لا تسير بهذا الاتجاه، وإلى ذلك الحين علينا التواصل مع حراك شعبنا من أجل دولة مدنية ديمقراطية تحقق تلك الأحلام البسيطة، وللحديث صلة.

* ستكون هنالك تكملة للموضوع.