الثروةُ الحيوانية: مُحَاكَمَة (حَتْمية) جديدة ..!

فيصل عوض حسن
2015 / 12 / 24

الثروةُ الحيوانية: مُحَاكَمَة (حَتْمية) جديدة ..!

د. فيصل عوض حسن

من الواضح جداً أنَّ جرائم المُتأسلمين لن تتوقَّف وأنَّ معينهم الـ(خبيث) لم ولن ينْضَب، فها هي ذي جريمة جديدة ضد الثروة الحيوانية والشعب السوداني واقتصاده الوطني، حيث حَمَلَتْ أنباء (اتَّفقت) في أعداد الماشية المُزْمَع تصديرها لمصر خلال ثلاث سنوات (نحو 800 ألف رأس)، واختلفت في (قيمة) تلك الماشية! ففي الوقت الذي أكَّدت فيه وسائل الإعلام المصرية بجانب (صحيفة الجريدة السودانية)، أنَّ قيمة هذه الماشية تبلغ (1.3) مليار جُنيه مصري (نحو 166 مليون دولار)، نجد بأنَّ هذه القيمة (ارتفعت) في إفادات وزير التجارة السوداني إلى (مليار دولار) كما أَوْرَدَتْها اليوم التالي يوم 17 ديسمبر 2015!
هذا يعني احتمالين لا ثالث لهما، إمَّا أن يكون وزير التموين المصري وإعلامه (صادقون) في أرقامهم، عن أعداد الماشية البالغة (800) ألف رأس بمبلغ (1.3) مليار جنيه مصري تُعادل نحو (166) مليون دولار، وهنا جريمة المُتأسلمين ضد أهل السودان (مُركَّبة)، بدءاً بحرمان المُستهلك المحلي من ثروته الحيوانية وإتاحتها للغير، وانتهاءً بالعوائد غير المُجزية (عائد الرأس الواحد 207.5 دولار)! بخلاف (ثبوت) تضليل وزير التجارة السوداني للرأي العام الداخلي، وتقديم أرقام غير صحيحة (عَمْداً) لأسبابٍ يعلمها. والاحتمال الثاني أنَّ ما ذكره وزير التجارة السوداني (مليار دولار) صحيح، وهنا يتوجَّب عليه (تكذيب) الإعلام المصري بما في ذلك تصريحات وزير التموين، ثم (إظهار) العوائد الحقيقية لا سيما عقب استلام مصر الدفعة الأولى لتلك الماشية، ثم أين ذهب الجُزء المُسْتَلَم من هذه العوائد! وسواء كان هذا أو ذاك، (صَدَقَ) وزير التجارة السوداني أو (كذبه)، فإنَّ هذه الصفقة غير مُجزية للسودان وشعبه، لتقاطُعها مع مبادئ رئيسية معروفة ومُتَّبعة في التجارة الخارجية الدولية.
فالصفقة تتقاطع مع أهمَّ القواعد الاقتصادية، وهي التركيز على (قيمة) الصادرات وليس (كميتها)، وعدم (إشباع) المُستهلك الخارجي ليظل بحاجة دائمة، خاصَّة إذا كانت السلعة (مُتميِّزة) وهو ما يتوفَّر لثروتنا الحيوانية، سواء كانت ماشية أو مُجترَّات صغيرة (أغنام/ماعز) أو إبل! كما تتقاطع هذه الصفقة مع القاعدة الاقتصادية الأبرز المعروفة بالعرض والطلب، والتي تقول بأنَّ السعر والطلب يرتفعان بانخفاض (كمية) المعروض من السلعة المعنية والعكس صحيح. ويُمكن مُلاحظة تطبيقات هذه القاعدة العلمية في مُمارسات دول الأوبك، التي كثيراً ما تلجأ لتقليل كمية صادراتها النفطية ليرتفع الطلب عليها وبالتالي أسعارها، بما يحقق لها ذات العوائد التي كانت تحققها سابقاً (إنْ لم يكن أكثر) مع تصدير كميات أقل، وفي ذات الوقت تُحافظ على (توازُن) أسعارها بالسوق المحلية وإشباع حاجة المُواطن (المالك الحقيقي للسلعة)، وهذا ما لم يُطَبَّق بهذه الصفقة!
وتتقاطع الصفقة الموصوفة بالـ(تاريخية) أيضاً، مع أهمَّ وأسمى هدف اقتصادي تسعى لتحقيقه الدول وهو (الاكتفاء الذاتي)، أي القدرة على تغطية الاحتياجات المحلية وإشباعها بالموارد الذاتية، سواء للفرد أو الجماعة أو الدولة. وقد يكون هذا الاكتفاء كاملاً (الدولة المُنعزلة) بتصدير المُنتجات وعدم الاستيراد، أي استهلاك ما يُنْتَج داخلياً فقط كحالة اليابان وألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية. وقد يكون الاكتفاءُ الذاتي (جُزئياً)، بتقليل الدول التصدير للخارج لتغطية حاجاتها المحلية بالكامل، حتَّى ولو كان هذا على حساب عوائد تصدير الـ(سلعة) المعنية، باعتبار أنَّ تغطية الحاجة المحلية وتحقيق الإشباع الداخلي منها، يُعدُّ (في ذاته) هدفاً وكسباً اقتصادياً. وتنْبُعْ أهمية الاكتفاء الذاتي من دوره (المحوري) في تحرير الدول وتعزيز استقلالها، وعدم تصدير سلعها بأثمانٍ بَخْسَة، وبالتالي تلافي الخسارة الـ(مُركَّبة) مُمَثَّلة بالعَجْز عن تلبية الحاجة المحلية من السلعة الـ(مُصدَّرة)، والفشل في تحقيق العوائد المُجزية من عملية التصدير!
فالناظر لجرائم المُتأسلمين المُتتابعة بقطاع الثروة الحيوانية، يجدها لم تقتصر فقط على إشعال أسعار اللحوم الداخلية وعدم إشباع الحاجة المحلية، بل فعلوا ما هو أخطر حين قَلَّلوا استفادة السودان مزاياه النسبية (عَمْداً)، بتصدير (أُناث) الثروة الحيوانية وهي جريمة (قومية) تُضاف لجرائمهم بحق الوطن وأهله! والآن يتواصل إجرامهم بتصدير هذه الكميات المهولة من الماشية بعوائد مشكوكٌ في دقَّتها، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم بالداخل، وعَجْزْ الكثيرين عن تناوُلها واستعاضة البعض بلحوم (الحمير)! والأدهى أنَّ هذه الكميات ذاهبة لـ(مصر)، التي حاول المُتأسلمين وإعلامهم المأجور افتعال حَمْلَة (إلهائية) قبل أقلَّ من شهر، بحجة رفض إهاناتها وتجاوُزات إعلامها على السودان وأهله! وهي مصر، التي ما زالت تحتل أجزاءً واسعة من السودان كمُثلَّث حلايب وثلاثة أرباع عُموديات وادي حلفا، حتَّى شَارَفَتْ حدود شمال دارفور، بل بَلَغَ تجاوُز بعض (أعلامها) لعدم الاعتراف بالسودان كدولةٍ مُستقلَّة من أساسه!
إنَّها جريمة بل خيانة وطنية تستوجب المُحاسبة والعقاب وفق القانون الجنائي وغيره من القوانين الوضعية، حالها كحال الجريمة التي تناولناها في مقالنا السابق عن محصول القطن وكيفية تدميره، بدايةً بإيقاف زراعته بمشروع الجزيرة مطلع التسعينات واستبداله بالقمح، ففشلوا في القمح الذي (يصعُب) إنتاجه بالـ(مُواصفات) الـ(قياسية) الـ(مطلوبة) عالمياً لعدم مُلاءمة مناخ السودان لإنتاج الأنواع المرغوبة، وفي ذات الوقت فقدنا أسواق القطن الذي كنا نبيعه فيها، وكان عائده يُغطي جانباً كبيراً من حاجاتنا الاستيراداية، عقب توفُّر العملات الصعبة من عائد التصدير! ثم توالت الخيانة الإسلاموية للبلد ومُقدراتها بجريمة القطن المُحوَّر وراثياً، التي طالبنا بمُحاكمة كل من شارك فيها بدءاً بالبشير والمُتعافي ومن عَاوَنَهُم.
الآن علينا التحرُّك السريع لإيقاف هذه الخيانة الوطنية الجديدة، ولنبدأ بمعرفة الشروط التفصيلية لهذه الصفقة من أساسه، وعوائدها الحقيقية وكيفية استلامها وما تم استلامه منها فعلياً وأين ذهب، مع تحريك دعاوي قضائية (مُباشرة) وعاجلة ضد كل من يثبُت تورُّطه، سواء في هذه الصفقة أو في الجرائم السابقة بحق الثروة الحيوانية، أياً كانوا برلمانيين أو وزراء أو هيئات وغيرها ومُتابعة هذه الدعاوي (داخلياً وخارجياً).
علينا كسودانيين بصفةٍ عامَّة وقانونيين بنحوٍ خاص، التكاتف والجدية في هذا الأمر، و(تعطيل) ما يُمكن من تدهور وجرائم إضافية وهذه إحداها، كأحد (أهمَّ) صور وأشكال التغيير المنشود. والدعوة للإعلاميين الـشرفاء (وما أندرهم) لتناوُل هذا الموضوع والمُساهمة بتوعية وحشد طاقات السودانيين بالداخل والخارج. إذ لا يجوز والسودان يتمتَّع بكل هذه الثروة الحيوانية، ويُحرَم شعبه منها، أو يستبدلوها بلحوم الحمير. إنَّنا فقط يا أهلي السودانيين معنيون بهذا، إما الوقوف بقوة ضد هذا الإجرام الإسلاموي أو الزوال.