الفوضى العربية ومخرج العقد الاجتماعي

محسن ابو رمضان
2015 / 12 / 23



ابرزت الأحداث الدامية التي ما زال يعيشها الوطن العربي من حيث العودة للصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية والجهوية ، مدى عمق الأزمة الناتجة عن عهود قضت من الاستبداد وغياب الحكم الديمقراطي والإخفاق في انجاز الدولة الديمقراطية الحديثة .
فهذا النوع من الصراعات كانت تشهده اوروبا قبل القرن السادس عشر الذي شكل قاعدة انطلاق لعصر النهضة والتنوير ، أي عصر الحداثة .
يمن تلخيص مرحلة الحداثة التي عاشتها أوروبا بمرحلة التنوير وتجاوز الصراعات على اسس طائفية أو مذهبية ، وتعزيز اسس المواطنة المتساوية ، والمتكافئة بين الناس بغض النظر عن الدين، الجنس، العرق، الأصل الاجتماعي وكذلك باعتماد الانتخابات الدورية كوسيلة لتعزيز العقد الاجتماعي بين المواطنين والسلطة ، التي من الهام ان تكون على قواعد الحكم الديمقراطي الرشيد التي تتم على قاعدة سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء إلى جانب اعتماد العقل والعلم بدلاً من النقل وتحرير المجتمع من سطوة الكنيسة التي كانت تمنع تطور العلم والمعرفة وتعزز استبداد الحكم الملكي المطلق ومصالح الطبقة الاقطاعية .
لقد ساهم في تحقيق التحول الأوروبي نحو الحداثة كل من الاصلاح الديني، النهوض الاقتصادي ، السوق الموحد بقيادة البرجوازية الصاعدة وذلك على انقاض الحكم الاقطاعي ،واعتماد العقد الاجتماعي والانتخابات كوسيلة لتنظيم بنية الحكم على اسس ديمقراطية ورشيدة .
لم ينجح العرب في العبور لمرحلة الحداثة ورغم ان الحراكات الشعبية العربية كانت تردد شعارات هامة مثل " العيش ، الحرية ،العدالة الاجتماعية " إلا أن تلك الشعارات اختفت ولم تحقق اهدافها ، حيث لعبت كل من الولايات المتحدة واسرائيل دوراً بارزاً في عرقلة هذا التحول نحو الديمقراطية، الذي إذا ما تحقق فإنه سيشكل تحدياً وتهديداً لمشاريعهم الاستعمارية والتوسعية الرامية إلى الاستمرار بالسيطرة على الوطن العربي ونهب ثرواته وموارده .
لقد وجدت القوى الخارجية المعادية للتطلعات العربية عبر سياسة الفوضى الخلاقة الفرصة المناسبة اتجاه التمزيق والتشتيت والتفتيت بوصفه الحل الأنجع بالنسبة لها لمنع عملية التحول الديمقراطي، حيث استغلت المجموعات المتطرفة الناتجة عن تنظيم القاعدة باتجاه استثمار تلك المجموعات في محاولة لتدمير الجيوش العربية التي كانت تحسب حسابتها دولة الاحتلال بالإضافة إلى التمزيق الجغرافي لبعض البلدان العربية المركزية " العراق، سوريا، اليمن ، ليبيا " وكذلك ترحيل جزء هام من شعوبها إلى بلدان اوروبا بدلاً من توظيف تلك الطاقات في عملية البناء والتنمية والتحديث التي يجب ان تمارسها البلدان العربية وتدخلها لمواكبة حركة العصر وتجاوز حالة الاستلاب والتبعية والتخلف للبدان الرأسمالية لصالح نهوضها الاقتصادي وتعزيز استقلاليتها الوطنية .
حاول رموز عصر التنوير العربي " الطهطاوي ، محمد عبدو ، الكواكبي وغيرهم " في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين احداث تحولات نوعية على الفكر العربي وتحيق عملية اصلاح منهجية على قاعدة فتح باب الاجتهاد والاستناد إلى العلم والعقل والمعرفة وتجاوز النقل واختيار نظام الحكم بصورة ديمقراطية .
لكن تلك التجربة لم تنجح لأسباب مختلفة ، رغم ما ساد من اجواء " ليبرالية" نسبية تجسدت بالفن الشعبي والمسرح والبرلمان والأحزاب المتعددة والصحافة إلى جانب النهوض الاقتصادي مثل انشاء البنوك وبعض المصانع ... الخ ،إلا أن تلك الانجازات كانت تتم في اطار النظام الملكي وتحت إدارة واشراف الانتداب .
أدت حالة الاستقلالات العربية وذلك بعد انتهاء الحرب العالية الثانية إلى السعي باتجاه مختلف يستند إلى العدالة الاجتماعية أو ما عرف باسم الديمقراطية الشعبية ، إلا أن تلك الاستقلالاتوالتي تحققت تحت حكم انظمة قومية أو وطنية صحيح أنها كانت معادية للاستعمار كما أنها حققت انجازات اقتصادية هائلة إلى أنها اعاقت عملية التحول الديمقراطي من خلال منع التعددية الحزبية والاعلامية، والنقابية الأمر الذي كرس الطابع الشمولي لتلك الأنظمة.
كان من المفترض لحالة الحراك الشعبي العربي والذي بدأ عام 2010 ، أن يربط باحكام بين عملية الديمقراطية والتنوير التي سادت في بداية القرن العشرين في اطار استمرارية الانظمة الملكية وسيطرة الاستعمار أي بدون هوية وطنية أو قومية مستقلة، مع البعد القومي والوطني الذي حققته أنظمة الاستقلال الحديثة التي تشكلت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والتي اعاقت عملية النهوض الديمقراطي وقوضت من مرتكزات التعددية السياسية والثقافية والاعلامية.
وعليه فإن الناتج كان من الضروري ان يستند إلى إقامة الدولة الديمقراطية الحديثة التي تدمجباحكام بين البعدين الوطني والديمقراطي .
من الهام الاستفادة من التجربة العربية ومن طموحات الشعوب العربية ومطالبها وكذلك من التجربة الأوروبية والانسانية، حيث ان الخروج من حالة الأزمة البنيوية الراهنة عربياً تكمن فقط بالعقد الاجتماعي الذي ينظم الحياة على أسس ضمان احترام التعددية والاختلاف بوسائل حضارية وعصرية دون اقصاء أو عنف أو تهميش .
لقد بات من الملح والضروري اجراء حوار معمق بين ممثلي التيارات الرئيسية بالبلدان العربية والمجسدة بالتيار القومي ، والتيار الاسلامي ،والتيار اليساري الليبرالي، حتى ينتح عنه عقداً اجتماعياً عربياً ممكن ان يسحب على الحالة القطرية بهدف تحديد اسس لإدارة المجتمع والاختلاف بحيث يتم من خلاله الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي وصيانة انظمة ديمقراطية حديثة .

انتهى