حوار لفائدة صحيفة-حقائق مغربية-

سعيد الكحل
2015 / 12 / 23

• بعد تمكنه من تفجير منطقة الشرق الأوسط، بدأ اهتمام تنظيم "داعش" الإرهابي ينصب على منطقة شمال إفريقيا وخصوصا المغرب. حيث بث مؤخرا تسجيلا صوتيا لزعيمه أبا بكر البغدادي، دعا فيه من أسماهم "ليوث التوحيد" في بلاد المغرب العربي وليبيا إلى عدم تسليم البلاد إلى من وصفهم "بأبناء علمان". هل ثمة فعلا خطرا حقيقيا يتهدد المغرب من هذا التنظيم؟
داعش ليس له منطقة جغرافية محددة هي التي يسعى لتأسيس فروعه فيها وتشكيل خلايا تابعة له ، بل إستراتيجيته تقوم على التمدد في كل الدول ، خاصة التي تعيش مشاكل أمنية داخلية أو تعرضت لهزات ما بات يعرف بالربيع العربي . من هنا شكل داعش فروعه في تونس والجزائر وليبيا وسيناء واليمن وباكستان وأفغانستان فضلا عن سوريا والعراق ،يحاول جاهدا تشكيل فرع له بالمغرب . وقد تم تفكيك خلايا مرتبطة مباشرة بداعش في المغرب خلال الشهور الأخيرة . فالمغرب يواجه خطر الإرهاب منذ 1994 ، تاريخ الهجوم الإرهابي على فندق أطلس إسني بمراكش . وقد تزايد خطر الإرهاب منذ تفجيرات 16 ماي 2003 . ولعلمكم بمدى خطورة هذه التهديدات وحجمها وأبعادها ، يمكن التذكير بما سبق وكشف عنه السيد ياسين المنصوري أمام اللجنة الأممية المكلفة بمحاربة الإرهاب . ومما كشف عنه : تفكيك المصالح الأمنية، لـ126 بنية إرهابية ، اعتقال 2676 إرهابيا. إضافة إلى إحباط 276 مشروعا إرهابيا، عبارة عن 119 مشروع تفجير باستعمال المتفجرات، تستهدف مقرات المصالح الأمنية، والمواقع السياحية، والتمثيليات الدبلوماسية، وأماكن العبادة المسيحية واليهودية، و109 مخطط اغتيال يستهدف عناصر مصالح الأمنية، والرعايا المغاربة اليهود، والشخصيات السياسية الوطنية والأجنبية والسياح، بالإضافة إلى 7 مشاريع اختطاف رهائن، و41 مخطط سرقة وسطو باستعمال الأسلحة. وبالمناسبة لا يمكن إلا توجيه تحية تقدير عالية لمختلف الأجهزة الأمنية المغربية التي نجحت في التصدي لخطر الإرهابي وحماية أمن الوطن والمواطنين .

• هناك تقديرات تشير إلى أن أعداد المغاربة المجندين في صفوف تنظيم "داعش" يتراوح ما بين 1500 إلى 2000 مقاتل، من ضمنهم مغاربة قدموا من دول أوروبية للالتحاق بمعسكرات هذه الجماعة. ما تعليقكم على هذه الأرقام؟

تقديرات غير دقيقة ، لأن هناك تقديرات أمريكية ترفع العدد إلى 8 آلاف مغربي التحقوا بمناطق القتال في سوريا والعراق . وأيا كان العدد ، فالمغاربة في صفوف داعش وبقية التنظيمات المتطرفة هو عدد مرتفع يضع بلادنا في المرتبة الثالثة ضمن الدول المصدّرة للإرهابيين . وقد حذرت عدة تقارير أمنية وصحفية من كون الشمال المغربي تحول إلى قواعد خلفية لداعش ، حيث انطلقت من مدنه مئات العناصر المتطرفة نحو سوريا والعراق . فإذا كانت كل الدول الغربية شهدت وتشهد التحاق العشرات من مواطنيها بداعش ، رغم الاختلاف في الثقافة والمرجعية الفكيرة والإيديولوجية والبيئة الاجتماعية والسياسية ، فكيف سيكون عليه الأمر بالنسبة للدول التي تغزوها ثقافة الغلو والكراهية وتذيعها منابر الجمعة كل أسبوع وتدعو بالنصر إلى "المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها "؟ أكيد ستكون أعداد دواعشنا أضعافا مضاعفة بالمقارنة مع دواعش أوربا .
• مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات ياسين المنصوري، أكد في وقت سابق أن من بين الأعداد الغفيرة للمقاتلين المغاربة بسوريا هناك على الأقل 218 معتقلا سابقا في السجون المغربية بشأن قضايا الإرهاب. والمعلوم أن أولئك المعتقلين السابقين كانوا ينتمون إلى جماعات السلفية الجهادية، مما يجعل السؤال حول مسؤولية تلك الجماعات وشيوخها في تنامي السرطان الداعشي بالمغرب أمرا مشروعا في نظر البعض. ما رأيكم في ذلك؟
كل جهادي يحمل عقيدة متطرفة ، وكل إرهابي أقنعته فتاوى وحببت له قتل الأبرياء وتفجير السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة . فلا إرهاب بدون عقيدة ،ولا فعل إرهابي بدون فتاوى فقهية تشرعنه وتحرض عليه . ولولا الشيوخ ما وُجد متطرفون وإرهابيون . من هنا ، فالمسئولية المباشرة على تزايد أعداد الإرهابيين والمتطرفين يتحملها الشيوخ ومنظرو التنظيمات المتطرفة . ولا شك أن مفعول الفتوى والعقائد الضالة اشد خطرا على المجتمعات من القنابل الناسفة . قد ننجح في تعطيل القنابل المفخخة لكننا لا نستطيع تعطيل مفعول فتاوى القتل والتحريض على الكراهية والتفجير . القنابل مفعولها محدد في الزمن والمكان ، لكن مفعول فتاوى القتل يتجاوز المكان والزمان ويمتد عبرهما . قد نقتل أو نعتقل الإرهابيين لكن لا يمكن اعتقال أفكارهم وعقائدهم التي تشبعوا بها وكان الشيوخ هم مصدرها . لهذا نجد عددا كثيرا من حالات العود لأن مفعول العقائد يظل مستمر في التأثير على نفسية الضحية .
• سبق لكم وأن أكدتم أن تراثنا الفقهي وفكرنا الديني هو منبع التطرف والهمجية الذي أنتج لنا اليوم تنظيم داعش، كيف ذلك؟
كل الفتاوى التي نشرها ويروج لها شيوخ التطرف والإرهاب مأخوذة من تراثنا الفقهي ، يكفي فقط فتح أي كتاب تراثي لتجد فيها ما يشرعن قتل المخالف وتكفيره . ثقافتنا الفقهية مليئة بعقائد الكراهية والتحريض على قتل الآخر الذي يخالفنا ، ليس فقط في العقيدة ، بل في المذهب وفي جزئيات الدين والتعبد . وكل الجرائم البشعة التي ارتكبها تنظيم القاعدة وبعده تنظم داعش ضد الأبرياء تجد لها في كتب التراث الفقهي وفتاوى الأئمة وفقهاء السلف ما يشرعنها ويحرض عليها . وقد تتبعنا وتتبعا العالم أجمع الحادث الوحشي الذي ارتكبه داعش بإحراق الطيار الأردني الكساسبة ، وكيف استند إلى فتوى ابن تيمية تجيز استعمال أسلوب الحرق في حق الأعداء . مشكلتنا تكمن في تراثنا ، ولن نستطيع حلها إلا بإصلاح ديني جريء وحقيقي يمتد لعقود حتى نبطل مفعول عقائد التطرف والكراهية والقتل . وجرائم سبي الإيزيديات واغتصابهن وبيعهن في أسواق النخاسة يوجد في تراثنا الفقهي ما يشرعنها ويحرض عليها . بل حتى قتل الأطفال والأجنة تشرعنه فتاوى مبثوثة في كتب التراث الفقهي . من هنا فكل الجرائم التي يرتكبها الإرهابيون تجد لها سندا شرعيا في كتب هذا التراث . طبعا ليس كل التراث الفقهي يحرض على القتل والإرهاب ، لكن جزء هام منه بحاجة إلى إحراقه قبل أن يحرقنا . فالذين يذبحون الأبرياء يستندون إلى أحاديث موضوعة مثل "جئتكم بالذبح" ، والذين يسبون النساء لهم ما يكفي من عقائد السبي ، والذين يحرقون الأبرياء لا تعوزهم فتاوى الإحراق ومنها فتوى ابن تيمية التي استشهد بها إرهابيو داعش في إحراق الطيار الأردني كالتالي "فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع" .
• وفقا لتصوركم هذا، هل لنظامنا التعليمي، خصوصا منه الديني التقليدي (المدارس العتيقة) دورا ما في هذا الاختراق الداعشي للمغرب؟ وهل تشكل منطقة سوس المعروفة وطنيا بهذه المدارس بؤرة سوداء في تغذية هذا التنظيم؟
نظام مدارسنا العتيقة لم يكن مصدرا للتطرف ولا محرضا على الإرهاب ، لأن الظروف التاريخية التي عاشها المغرب مختلفة عن تلك التي عاشها المشرق العربي في مواجهة التتار والمغول . غزو المغول كان له تأثير مباشر على إصدار فتاوى موغلة في التطرف بسبب الوضع الذي أحدثه المغول وبشاعة جرائم التتار. وكذلك الفتاوى التي أفرزتها الحروب الصليبية . المغرب لم يعش غزو المغول والتتار وهمجيتهم الدموية . لهذا ظل المغرب بعيدا عن تلك الفتاوى المحرضة على القتل ،وحتى الصراعات المذهبية لم يكن لها انعكاس ولا تأثير على تراثنا الفقهي وعلى نفسية المغاربة . لهذا ظلت مدارسنا العتيقة تنتج فقهاء مغاربة في ثقافتهم ومعاملاتهم . المشكلة في المغرب لم تبدأ إلا مع الترخيص للمدارس القرآنية التي هي فروع للمذاهب المشرقية المتطرفة . مثل هذه المدارس هي التي تشكل خطورة على وحدة النسيج المجتمعي وتماسك الشعب المغربي ،وقد تتبعنا فتاوى صادرة عن شيوخ هذه المدارس وما تنشره من كراهية وتكفير للأحزاب وللديمقراطية وللمؤسسات الدستورية . وكانت الدولة محقة في إغلاق تلك المدارس التي تفرخ المتطرفين والمتشددين في لباسهم ومعاملاتهم وتفكيرهم ونظرتهم إلى المجتمع المغربي وتقاليده وثقافته .
من هنا يمكن القول ، إن داعش وكل التنظيمات المتطرفة والإرهابية تتغذى على ثقافة الغلو والانغلاق والتشدد . وكلما انتشرت هذه الثقافة إلا وتوفرت قاعدة عريضة من الضحايا تتغذى عليها وتستقطبها وتجندها ضد أوطانها وشعوبها . فليست منطقة سوس وحدها التي التحق بعض أبنائها بداعش ، بل معظم مناطق المغرب عرفت استقطابات ، لكن مدن الشمال كانت في المقدمة . فداعش لم يعد يعتمد فقط على الطرق التقليدية للاستقطاب ، بل صارت شبكة الأنترنت والمواقع الاجتماعية توفر له من الإمكانات ما لم توفرها له الطرق التقليدية ، لدرجة أن شبابا من أوربا وكل دول العالم التحقوا بداعش ولم يدرسوا في المدارس القرآنية ولا تلقوا تعليمهم بالمؤسسات التعليمية التقليدية .
• الحديث عن منطقة سوس، يجرنا إلى تفكيك الخلية الإرهابية التي أعلنت بيعتها لزعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي. واللافت أن هذه الخلية اتخذت من مدينة أكادير مركزا لها، على اعتبار اختيارها كمخبئ للأسلحة أولا، وانتماء زعيمها والعديد من عناصرها إلى منطقة سوس ثانيا. هل في الأمر رؤية إستراتيجية ما لهذا التنظيم؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محض صدفة؟
كما قلت لك ، لا توجد منطقة يركز عليها داعش دون غيرها ، بل توجد عناصر هي على استعداد للالتحاق به والانخراط في مخططاتها التخريبية . وداعش ، كما التنظيمات المتطرفة لم أساليب دقيقة في اصطياد الضحايا المفضلين الذين يمرون من وضعيات اجتماعية هشة أو نفسياتهم مهتزة أو عاشوا الانحراف والإجرام ، فضلا عن الإغراءات المالية والجنسية . وتعج مواقع المتطرفين الدواعش بشتى أشكال الإغراءات الجنسية لتحريض الشباب على الالتحاق بالتنظيم والاستعداد لتنفيذ العمليات الإرهابية .
• بناء على خبرتكم في رصد ودراسة السلوك العدواني والإرهابي للجماعات المتطرفة بالمغرب، واستنادا إلى التقارير الرسمية بهذا الشأن، ما هي الآليات التي ترتكز عليها "داعش" في نسختها المغربية في الاستقطاب؟ وما هي مخططاتها وأهدافها والآليات التي تنتهجها في التنفيذ؟
داعش يزاوج بين الطرق التقليدية للاستقطاب التي تعتمد الاتصال الشخصي وتلك التي تستغل الشبكة العنكبوتية . إلا أن معطيات كثيرة تفيد بأن الطرق التقليدية هي الغالبة في الاستقطاب اعتبارا لنوعية المستهدفين ومستواهم التعليمي . فكثير من ضحايا التجنيد التحقوا بداعش لأهداف مادية اعتبارا للإغراءات المالية التي يوفرها داعش لهم . أشخاص عديدون لم تكن لم أي ميول متطرفة ، لكنهم فاجأوا أهلهم وذويهم بالقتال في صفوف داعش . ويوظف داعش التقنيات الإعلامية الحديثة للتأثير على الشباب وإغرائهم بالنساء والمال والسلاح والفلل الفارهة .
• بناء على ما سبق وتأسيسا على تجربة بلادنا مع الخلايا الإرهابية، فقد بات في عداد المؤكد أن تهديد تنظيم "داعش" للمغرب أمر وارد. لذا ما هو تصوركم للحد من هذه التهديدات الإرهابية؟
كأي بلد ، المغرب مهدد بالإرهاب ، ويزداد خطر التهديد بسبب عوامل عديدة أبرزها :
1 ـ عودة الجهاديين المغاربة من سوريا والعراق وليبيا لمواصلة المشروع التخريبي الذي بدؤوه هناك ، فيكررون تجربة الأفغان المغاربة ، ولكن بشكل أخطر .
2 ـ تسلل الجهاديين من دول الجوار (الجزائر ، إسبانيا ، موريتانيا ) .
3 ـ دخول الجهاديين المغاربة المقيمين في أوربا بهدف تنفيذ إستراتيجية تنظيم داعش الرامية إلى عولمة الإرهاب .
من هنا ، على المغرب أن يظل حذرا والأجهزة الأمنية في يقظة دائمة ، مع تكثيف الحملات الأمنية وتحسيس المواطنين بأن الأمن ليس مسئولة الدولة وحدها ولا مسئولية الأجهزة الأمنية ، بل مسئولية الدولة والمجتمع والمواطنين . كما يقتضي الأمر إصلاح المنظومة التعليمية لتأهيل المواطن المغربي وتقوية حسه النقدي ومنعته الفكرية . فكما قلت من قبل ، يمكن اعتقال الأفراد ومحاصرة أنشطتهم لكن يستحيل اعتقال الأفكار وحصر تأثيرها على العقول والنفوس . فالأفكار تواجه بعقول متنورة وأدوات فكرية فعالة وأذهان متبصر . وتلك مسئولية التعليم والإعلام . إذ رغم أهمية القوانين في مواجهة العناصر الإرهابية ، تبقى فاعليتها محدودة في الزمان لأنها تركز على النتائج وليس على الأسباب . فالقوانين تعاقب من تحول إلى إرهابي وصار خطرا على المجتمع والدولة ، لكن العقائد المنحرفة تظل نشطة ، لهذا وجب مواجهة تلك العقائد بتقوية الأدوات الفكرية وتشجيع الفكر النقدي الذي يرفض الوصاية والتقليد .