الحاكميون الإلهيون والشعب: الديمقراطية شرك!

ياسين الحاج صالح
2015 / 12 / 20

تعممت في مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف شهر كانون الأول الجاري صورة لافتة معدنية سوداء كتب عليها بخط أبيض: "الديمقراطية شرك"، وتحتها توقيع: "أحرار الشام". ويبدو أن اللافتة منصوبة على طريق عام، غير بعيد عن مدينة سراقب، إحدى أبرز بؤر الثورة السورية.
بمضمونها التقريري المقتضب والقاطع تشكل اللافتة استئنافا لتقاليد الدولة الأسدية في توسل الفضاء العام لتعميم خطابها ورموزها الخاصين، مع اقتران ذلك بمنع النقاش العام الذي قد يظهر وجهات وتوجهات مغايرة. ومثلما كان غير متصور في الزمن الأسدي أن نرى إلى جانب أقول وصور حافظ أو بشار الأسد لافتات تحمل أقوالا وصورا معارضة، من غير المتصور أن نرى لافتات تقول إن السلطة للشعب، أو إن الاستبداد باسم الدين جريمة، أو أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأقل سوءا من غيره، في مناطق ولاية "أحرار الشام" أو "جيش الإسلام"، أو، من باب أولى، "جبهة النصرة" و"داعش".
في كل الحالات التبليغ باللافتات ليس تسجيلا لرأي أو تعبيرا عن هوية، وإنما هو فعل حضور ورقابة وضبط، إعلان عن سلطة لا تقبل التعايش مع غيرها.
لكن هذا الجانب المهم من تملك الفضاء العام والحكم بالتبليغات القطعية غير القابلة للنقاش، هو أيضا إشهار لمضمون بعينه، يرفض الديمقراطية في بلد واقع تحت طغيان حزبي، ثم فردي وأسري، منذ نحو نصف قرن. لماذا؟ على الأرجح لأن لفكرة الديمقراطية، أي الحكم الشعبي، صدى بين معارضي النظام الأقدم وموجات الثورة الأولى، قبل وجود "أحرار الشام" وأخواتها، ولأن قطاعا من ناشطي الثورة لا يزال يحيل إليها كتصور للمستقبل السوري المرغوب. وإسناد الرفض إلى الدين، وعقيدة التوحيد تحديدا، هو بمثابة نقل التحفظ على "حكم الشعب" من نطاق النسبي والمصلحي إلى نطاق المطلق والقطعي، بما يسهل مصادرة الثورة وجمهورها كليا لمصلحة الإسلاميين.
ولتحريم الديمقراطية أساس نظري هو عقيدة الحاكمية الإلهية التي هي حجر الأساس فيما أسميه الباراديغم السلفي الجهادي، المهيمن اليوم في صفوف الإسلاميين، بمن فيهم غير السلفيين. وهذا لأن الحاكمية نظرية واضحة وبسيطة ولا يصعب فهمها من جهة، ولأنها تناسب جدا المطامح السياسية للإسلاميين من جهة ثانية. تعود أصول نظرية الحاكمية الإلهية إلى أبو الأعلى المودودي، المفكر الإسلامي الباكستاني الذي كان متأثرا بنموج الدولة الشمولية الحديثة في روسيا وألمانيا، وهي تقول إن الله وحده مختص بالتشريع، مسـتأثر به ومحتكر له، وأن من شأن تشريع البشر لأنفسهم، وهو ما تقضيه الديمقراطية فعلا، أن يكون إقرارا بحاكمية بشرية إلى جانب حاكمية الله أو ضدها، وهو تاليا شرك. والشرك أكبر كبائر الذنوب في الإسلام. تصدر عقيدة الحاكمية التي تعممت بفضل سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"، وتعممت على يد الطلائع الإسلامية المحاربة (مفهوم "الطليعة" مفهوم قطبي بدوره، مستعار من المعجم الشيوعي الذي كان له حضور مهيمن بين خمسينات القرن العشرين وسبعيناته)، قبل أن تصبح ركيزة النظرية السياسية للسلفية الجهادية، وللإسلاميين بعامة.
قد ترتضي أو لا ترتضي حركة "أحرار الشام" أن توصف بالسلفية الجهادية، لكنها واقعة ضمن حقل جاذبية نظرية الحاكمية الإلهية، والباراديغم السلفي الجهادي بعمومه. ومن أهم عناصر الباراديغم، فضلا عن الحاكمية ذاتها، نظرة مانوية إلى العالم تراه معاديا على نحو تمييزي للإسلام ومتآمر على المسلمين، ومنه العلم السلفي القائم على أولوية النقل على اعقل، والجهاد كتطبيق عملي لهذا العلم، ومنه أخيرا التطلع إلى دولة إسلامية.
والافتراض الضمني في عقيدة الحاكمية الإلهية هو الصراع بين الله والإنسان، مقابل التوافق أو التأييد. فلا يمكن لتأكيد حرية الإنسان وجدارته بالاستقلال وحكم نفسه إلا أن يكون اغتصابا لحقوق الله وتعديا عليه. ولا يمكن بالمقابل التأكيد على سيادة الله وسلطانه إلا بتجريد الإنسان من الحرية والعقل الشخصي، ورده إلى إنسان آلي مطواع، منزوع الحرية والكرامة جذريا. ليس متصورا في هذا العالم أن يجري تأكيد الإنسان والله معا، بحيث تكون حرية الإنسان وإبداعيته وكرامته وفنونه وتضامنه مع غيره وحبه لغيره، براهين على عزة الله وقدرته، ويكون الدفاع عن الإنسان الحر المحب هو الدفاع عن الله، ونفي الإنسان واسترخاص حياته هو نفي لله ذاته.
تؤسس علاقة التنافي بين الله والإنسان لعلاقة حرب مفتوحة بين البشر، يجري توسل الله فيها كأداة إخضاع بشر لبشر. ومن هذه الأرضية يخرج، مثلا، الكلام الهاذي عن النبي الذي بعث بالسيف رحمة للعالمين. وتكمل علاقة التنافي هذه تأثير النظرة السلفية الجهادية إلى العالم بوصفع عالما شريرا متآمرا في تأسيسها لحالة الحرب المستمرة. وليس البشر المقصودين بالحرب المستمرة هم غير المسلمين، أو "الغرب" الذي يقلص العالم إليه، بل هو جميع الناس عدا "إخوة المنهج" الذي نعلم من المختبر السوري أنهم يكيدون لبعضهم ولا يثقون ببعضهم، ولا يوحدهم غير السعي إلى سلطة مطلقة على الناس ونفاذ غير مقيد إلى الموارد العامة.
وأكثر من ذلك يؤسس لتنافي بين الله والإنسان لعلاقة حرب مستمرة بين المرء ونفسه، بين إنسانيته وكونه روبوتا مبرمجا على "الشريعة"، بين عيشه في العالم والحاضر وبين شده إلى مراكز سحيقة البعد أو القدم، يدور حولها بين ميلاده وموته. وبدل الضمير الحي في قلب كل فرد، هناك سلطة المفتي الخارجي الذي لا يكف عن تأنيب الناس على ما فعلوا أو لم يفعلوا، زارعا على هذا النحو الشقاق والحرب داخل كل واحد منهم.
تقوم النظرية على أساس نظري هش في واقع الأمر. فبما أن الله لا يحكم مباشرة، وبما أن حاكمية الله تمارس عبر أمثال خليفة داعش ابراهيم البدري، وأبو محمد الجولاني وزهران علوش... وهم بشر مثلنا، ليسوا معصومين ولا مبرئين من مطامح البشر وأنانيتهم، وحبهم للسلطة والمال، فما الذي يضمن ألا يستخدموا الكلام الإلهي لأغراضهم الخاصة؟ أليس تأليها للنفس أن ينصب بشر أنفسهم ممثلين لحكم الله؟ حاكمية بشرية اعتباطية باسم الله؟ وهل من فرق بين الحاكمية الإلهية وبين كل من "دكتاتورية البروليتاريا" و"سيادة العرق الآري"، وقد كانت الدولتان المؤسستان على المبدئين في أساس النظرية التي خرج بها المودودي في أربعينات القرن العشرين؟ سيرفض الإسلاميون شرعية المقارنة من كل بد، لكن رفضهم اعتباطي ومبتذل، وقد سبق إليه كل صاحب عقيدة مؤمن بفرادتها دون استثناء.
وعلى المستوى الأخلاقي توافقت عقيدة الحاكمية والتيار السلفي الجهادي عموما مع إنتاج كميات كبيرة من الكراهية والعنف والعدوانية، وليس بحال المودة بين الناس والثقة والشراكة. وهو ما تؤسس له عقيدة "الولاء والبراء" التي تكمل المفعول الحربي لنظرية الحاكمية حين تحصر التزامات المؤمن بجماعته الضيقة، وتوجب عليه إيجابا كره من ليسوا مثله.
وتستفيد هذه العقيدة من فقر الفكر الإسلامي المعاصر عموما، وبخاصة خلوه من التأمل في الإنسان. وهو ما يتعزز برفض الإنسانيات التي هي جملة مناهج التفكير في ظاهرة الإنسان التي تولدت في الغرب وتعممت في العالم، وتعبر بمجموعها عن كرامة الإنسان وإبداعيته وقدرته على مساءلة نفسه. الإنسان آلة وليس سؤالا في التفكير الإسلامي المعاصر. وهذه الصورة البائسة للإنسان تنعكس على الله ذاته ليظهر كقوة إكراه شحيحة، تريد السلطة لنفسها ولا تتساهل بأية حرية للناس أو كرامة أو ضمير شخصي. الله المرتفع الرايات اليوم هو كافل سلطة الأقوياء، وضامن شرعية حكم الملأ المتعصب المغرور، وليس رب الضعفاء الذي يناجيه السجناء وتدعوه الأمهات ويبتهل إليه المحرومون الفقراء. شكّل الحاكميون الله على صورتهم ومثالهم: ضرب من حافظ أسد مطلق، حقود مثل الطاغية الميت.
ولا تبقى النظرية حية رغم هشاشتها العقلية والأخلاقية إلا لأنها تسوغ السلطة المطلقة التي لا يتلهف إلى غيرها إسلاميو اليوم. التسلط على رقاب الناس، وليس القيام بحقوق الله، هو ما ألهم "أحرار الشام" بأن "الديمقراطية شرك".
يبقى أن لا جديد في القصة غير الشعار. أما إرادة إنكار الأهلية السياسية على الشعب والحجر عليه فهي قديمة جدا ومبتذلة.