هل الإلهاء (خِيَاْرْ) المُتأسلمين للهروب ..!

فيصل عوض حسن
2015 / 12 / 15


لا يخفى على ذي بصيرة ما يحياه السودان الآن من أزماتٍ مُتراكمةٍ ومُتلاحقة، شَمَلِتْ كافة مناحي الحياة، وبلغت حدوداً غير مسبوقة من التراجُع رغم توفُّر كل مُقوِّمات النجاح. فعلى الصعيد السياسي، يُعاني السودان من صراعاتٍ دمويةٍ بأكثر من إقليم، و(فَقَدَ) أجزاءً عزيزةً منه سواء بالاحتلال (أثيوبيا للفشقة وغيرها ومصر لحلايب وأجزاء من وادي حلفا)، أو فُقدان الأراضي بالبيع أو الرَهْن دون دراسة (مع التحفُّظ على بيع أراضي الدولة مهما كانت المُبررات)، أو من خلال الاستفتاء كما جرى للجنوب السوداني الذي انفصل، ويُخَطَّط المُتأسلمون لتكرار الجريمة بدارفور والمنطقتين. ويشهد الاقتصاد السوداني انهياراً شبه كامل، وتَعَطَّلت أهم قطاعاته الإنتاجية (الزراعي والصناعي)، وتضاءل الناتج المحلي واقترب من التلاشي. وعلى الصعيد الاجتماعي، يشهد السودانُ عصبية وجهوية مُخيفة، مع تراجُع المُستوى الأكاديمي رغم إدِّعاءات الثورة التعليمية وغيرها من الأزمات.
من بين أزماتنا على سبيل المثال – وليس الحصر – الأزمة الإنسانية في دارفور، نتيجة لاستمرار الاقتتال رغم أنف أكاذيب السُلطة الإقليمية التي تُصرُّ على تنفيذ استفتاء دارفور كاستحقاق في اتفاقية الدوحة، وتعْجَزُ عن إعفاء طلاب دارفور من الرسوم الدراسية رغم استحقاقه (أيضاً)، وكذلك في المنطقتين نتيجة لتعنُّت المُتأسلمين ومنعهم الإغاثة عن المُواطنين! ويحيا السودانُ أزمةً طاحنةً في العُملات الأجنبية ولا يُوجد ما يُشير لتجاُوُزها قريباً، لعدم وجود ناتج محلي وتوقُّف التصدير! هذا بالإضافة لأزمات الغاز والمُواصلات والأمان الاجتماعي والفساد المُستشري في الدولة، لا سيما المُؤسَّسات الدينية سواء على صعيد المُؤسَّسة ككل أو الأفراد. وهناك الأزمة التشريعية وما ترتَّب عليها من تجاوُزاتٍ قانونيةٍ وإنسانيةٍ صارخة، كالحصانات وحيلولتها دون المُساءلة والمُحاسبة، وتداخُل الاختصاصات كحالة جهاز الأمن وتغوُّلاته المُشَرْعَنَة على مهام الجيش والشرطة مما أفقدهما عوامل وجودهما، أو بما يحدث من تعدياتٍ على المُواطنين نتيجة للاختلالات التشريعية، و(تَرْك) تفسير و(تنفيذ) القوانين للأفراد والجماعات (دون دراية) وبصورةٍ مُطلقةٍ بعيداً عن المُساءلة والعقاب، وهي جميعاً أزمات واقعة وماثلة ولها انعكاسات زادت من تعقيد أوضاع السودان وأهله!
ولقد وضح جلياً أنَّ جميع هذه الأزمات مصنوعة باحترافيةٍ عالية، ليس فقط لطبيعتها وأسبابها، ولكن (أيضاً) من تعاطي الجماعة الإسلاموية الحاكمة معها، والذي خلا من كل صور وأشكال مُعالجة الأزمات المعروفة علمياً وعملياً. فالمُتأسلمون لم يستخدموا إلا الأساليب السلبية للتعاطي مع الأزمات، كتأجيل الأزمة أو التقليل منها أو إخمادها بالقوة، وتحاشوا إدارتها بنحوٍ شاملٍ عبر التخطيط الوقائي للأزمات واحتوائها وتفريغها من مضامينها وتفتيتها، إنَّما كان التركيز على (الإلهاء) والشائعات عبر وسائل الإعلام المُختلفة، بما في ذلك الوثائق (الحقيقية والمُفبركة)، بما يُعزز القناعة من (صناعتهم) للأزمات وليس مُعالجتها. وبمعنىً آخر، فقد مَارَسَ المُتأسلمون الإدارة بالأزمات، وإشغال آلتهم وإمكانياتهم الإعلامية وتطويعها لتحويل انتباه الرأي العام، وصَرْفِهِ عن الأزمات الحقيقية وتحويله للأزمات المُفتَعَلة! وبتعدُّد الأزمات (المصنوعة) والإلهاءات، أصبحت – بمرور الوقت – أزمات حقيقية أُضِيفَتْ للسابقة، وهكذا تَرَاكَمَتْ الأزمات وأدْخَلَت البلاد وأهلها في دَوَّامة لا مُتناهيةَ وهو ما استهدفه المُتاسلمون من هذا الأُسلوب (الإداري) المعروف، الذي يرمي لاستسلام الكيان المُستهدف بالأزمات المصنوعة عقب يأسه من الحلول، أو إصابته بحالة من اللا مُبالاة! وفي هذا، تفسيرٌ لردود الأفعال الـ(مُتساهلة) تجاه بعض الأزمات التي تُهدد بقاء السودان كدولةٍ وكيان، كتعاطي غالبيتنا مع (كارثة) سدَّ النهضة وأخطاره السياسية/الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بجانب احتلال أجزاء واسعة من البلاد، أو الأراضي التي باعها المُتأسلمون أو رهنوها، والتهموا عائدها لمصالحهم الخاصة، أو المواد المُشعَّة والمُخدرات وغيرها.
إلا أنَّ أخطر إلهاء مَارَسَه المُتأسلمون على الشعب السودان تمثَّل في أمرين أوَّلهما ما وصفوه بالـ(مُفاصلة) وما تبعها من انقسامات (آنذاك) و(الآن)، واتَّضح مُؤخَّراً زيفها من خلال ردود أفعالهم وتصريحاتهم العديدة وفي أكثر من مُناسبة لا يسع المجال لذكرها، والتي تُؤكِّد تنسيقهم واتفاقهم وتوزيعهم للأدوار في ما بينهم! وثاني تلك الإلهاءات استهدافهم لوحدة السودان وسعيهم لتمزيقه، ويتجلَّى ذلك في ما عُرِفَ بـ(مُثلَّث حمدي) الذي حَصَرَ السودان في محور (دنقلا، سنَّار الأبيض)، وحينما وجد مُناهضةً عنيفةً من السودانيين، أنكره المُتأسلمون (ظاهرياً) مع الاستمرار في تنفيذه بنحوٍ مُسْتَتَرْ. فعملوا على تصعيد الصراعات بكلٍ من دارفور والمنطقتين وإزكاء نيران الفُرقة والشتات والقبلية والجهوية، وإظهار الأمر كأنَّه صراعٌ عُنصُري ليدفعوا بأبناء تلك الأقاليم للمُطالبة بالانفصال، وعزَّزوا هذا التكتيك باتفاقيات ذات بنود ظاهرها (ثوري) وباطنها (تدميري)، كاستفتاء دارفور الإداري أو الحكم الذاتي للمنطقتين! وبالنسبة لكلٍ من الشرق وأقصى شمال السودان، فقد قرَّر المُتأسلمون إهمالهما وحرمانهما من أي جهود تنموية وبيع ورهن جانب كبير منهما للغير، و(تَرْكَهُما) لُقمةً سائغة للاحتلالين المصري والأثيوبي وهو ما نراه واقعاً ماثلاً الآن!
إنَّ ما يُحمَدْ له إدراك قطاع واسع من الشعب السوداني لأهداف المُتأسلمين ومُناهضتهم لها، وتلافي (فخاخهم) المصنوعة باحترافية لتمزيق السودان، مما دَفَعَ المُتأسلمين لتكثيف إلهاءاتهم للتغطية على الأزمات الحقيقية التي تُهدد بقاءهم وعَجَزوا عن مُعالجتها. وسأضرب مثالين اثنين لأكبر الإلهاءات التي جَرَت مُؤخَّراً، المثال الأوَّل يتعلَّق بالتسجيل المنسوب لوزير الثقافة السابق، والذي تَدَاوَلَه العامَّة بصورةٍ كثيفة خلال الفترة الماضية، وهو يحوي رسائل إسلاموية (مقصودة) وخطيرة، تفوق بكثير ظاهرها الخاص باستبعاد صاحب التسجيل وإهماله وغيرها من القضايا الانصرافية. فالهدف من التسجيل كان إرسال إشارات للمُعارضة بملامح المرحلة المُقبلة التي تعقب تمثيليتهم الجارية منذ شهور باسم الـ(حوار)، واستمالتهم للقبول باقتسام السُلطات من جهة، والأخطر تبرئة المُتأسلمين وتحلُّلهم (كلياً) من جرائمهم وتجاوُزاتهم ونَسْبِها لقواتٍ ومليشياتٍ (وهمية) تلافياً للمُساءلة والمُحاسبة والإفلات من العقاب من جهةٍ ثانية! أمَّا المثال الإلهائي الثاني، فهو تمثيلية رفع الدعم والتي أتَتْ (غبية)، رغم استصحابها ببعض العبارات الاستفزازية والإساءات للشعب السوداني لإنجاح (الإلهاء). إذ لا يوجد دعم لأيٍ من السلع والخدمات المُشار إليها في إعلانهم، ويُمكن اكتشاف هذا بمُقارنة الأسعار الداخلية مع الخارجية، بخلاف انخفاض الأسعار العالمية للبترول واستمرار انخفاضها العام القادم عقب دخول إيران لسوق الإنتاج، وهو امرٌ أفاض في شرحه الكثيرون. ولعلَّ الإلهاءُ هنا كان (مُركَّباً)، عقب تراجُع المُتأسلمين عمَّا أعلنوه بشأن رفع الدعم لخلق نوع من الرضاء لدى الشعب من جهة، وإشغالهم عن المُطالبة بـ(تخفيض) أسعار الوقود الـ(حالية) تبعاً لانخفاض أسعاره العالمية، واستناداً لمبدأ (رفع الدعم) الذي (يتَبَنَّاه) المُتاسلمون (أنفسهم) من جهةٍ ثانية، وكَسْب المُتأسلمين للوقت لحين اكتمال تمثيلية الحوار ومُخرجاتها من جهةٍ ثالثة!
المُلاحظ في هذين المثالين الإلهائيين وغيرهما، أنَّ أياً منها شَكَّلَ إلهاءً في ذاته، وحقَّق أكثر من هدف مرحلي تهميداً لأهدافٍ وأحداثٍ تالية. ولقد استَغَلَّ المُتأسلمون طيبة وسماحة الشعب السوداني، وقابلوا هذه السماحة والطيبة بالغدر والخيانة وأمطرونا بوابلٍ من نيرانهم التدميرية، وآن الأوان للانتفاض والانعتاق والانتباه لألاعيبهم وإلهاءاتهم، وعدم إتاحة الفرصة أمامهم لصناعة الفوضى التي يعملون لإحداثها، أو الهروب من جرائمهم التي ارتكبوها في حق البلد وأهلها. حتَّى لو تراجعوا عمَّا وصفوه (زوراً) رفع الدعم، فإنَّ ما فعلوه من جرائم (أشرنا لها بداية هذا المقال) في حق السودان وأهله وتُهدد بقاءنا تدفعنا لاقتلاعهم، ومُلاحقتهم ومُساءلتهم ومُحاسبتهم على ما اقترفوه بحق البلد وأهلها.