دواعشهم ودواعشنا:

فلورنس غزلان
2015 / 12 / 12

عُرِف دواعشنا ببربريتهم المفرطة والشنيعة ...من خلال جز الرؤوس بالسواطير والسكاكين دون رهبة أو رفة جفن...كما عرفوا بأساليب إبداعاتهم الخارقة لكل عُرفِ إنساني في قتل الأحياء حرقاً دون رادع من ضمير أو حس بشري...كما عرفوا أيضا بقدرتهم على سلب إنسانية الطفولة والزج بها في أتون حربهم وغسل أدمغة المضطربين اجتماعياً والمعاقين فكرياً باعتبارهم النقاط الأضعف في المجتمع والبؤر الصالحة لبث أفكارهم الجهنمية مُرَطبةً ببعض المال والمغريات الدنيوية و(الخالدة)! في عالم آخر...وحياة أخرى أكثر إشراقاً! لمن أضاع دربه وقدرته على شق طريقه مواجهاً صعوبات الحياة باعتبار ذخيرته من الفكر والعلم ــ غالباً ــ لاتؤهله لمثل هذه المواجهة..فيسقط بين يدي أتباع التفسيرات السلفية الجهادية لأمثال البغدادي التي تأخذ من الإسلام آيات وأحاديث انتهى مفعولها الزمني وسياقها التاريخي...وأبطل العمل بها ضمن تطور الحياة وتسارع التقدم العلمي والفكري والحقوقي للإنسان ...خير المخلوقات وصورة الله على الأرض...وهنا لابد من الإشارة أن حربنا مع داعش وكل فكر يلتقي معها ويختلف بدرجات متفاوتة في عمليات إقصاء المختلف مذهبياً فتلغيه، أو تعمل على إخضاعه بالقوة، هي حرب فكرية وقد سبق وأشرت لهذا مراراً ــ ولمحاربتها يجب البحث جدياً في هذا المنحى وتقع المسؤولية الأولى على الحكومات التي تعتبر نفسها ..إسلامية أو تدين بالإسلام وتستمد منه تشريعاتها، ثم مسؤولية علماء ورجال الدين الإسلامي ، من خلال :ــ
ــ توحيد المرجعية الدينية وهذا ضرورة ملحة.
ــ إعادة النظر بكل المناهج العلمية والتربوية المتعلقة بالإسلام ، وتغييرها بشكل منتقى ونظيف بعيد عن التطرف وكيل التهم للمذاهب والأديان الأخرى وتكفيرها...
ــ إبطال العمل بكل الكتب التي ألفها علماء مسلمون سابقون تدعو وتحض على التطرف والعنف ، وتكفير المختلف ، لأن زمنها انتهى وعهدها ولى ولا مجال هنا لتعايش المسلم مع غيره ومثل هذه الكتب سيف مسلط على الرقاب ومرجعية خاطئة لأولادنا ومستقبلهم ، وما هؤلاء العلماء إلا بشر قابلين للخطأ مثلنا تماما...وليسوا منزهين أبداً ولا قدسية لهم تمنع من كف يدهم وكف كتبهم وأذاها، التي طال أمد تخريبها للأجيال من أمثال ابن تيمية على سبيل المثال لا الحصر.
ــ العمل الجاد في كل منظمات المجتمع المدني والتنسيق فيما بينها على مستوى العالم الإسلامي أولا والعالم الحر ككل لترتيب وتنظيم البيت المسلم وتوحيد كلمته والتأثير على الحكومات التي تعتمد الإسلام وتعمل على تخريج أئمة جهلة ، يتصدرون منابر المساجد ويعيثون خراباً وإفساداً في عقول النشيء والشباب المسلم خاصة في دول الاغتراب والهجرة.
بالطبع لاأستثني القاعدة ولا توابعها من طالبان والنصرة ومن ينحدر قليلا بدرجة أو درجتين عنها فكله مصدر خراب وتخريب للمجتمع ولمستقبل بلداننا.
أما دواعشهم والتي لايرونها ويبحثون فقط عن عدو اخترعوه ورعوه، ثم شرعوا يحاربونه، فذاكرتنا ليست قصيرة ولم ننس بعد من دَعمَ وسَلَّح ودرَّب ابن لادن وقاعدته ، ولا من ترك داعش تكبر وتنمو على حساب الثورة السورية وحين طالت يدها ووصلت لبيوتهم ...شهروا أسلحتهم وفتحوا ترساناتهم لمحاربتها...
ـــ ففي إسرائيل " الجارة " التي ابتلعت وتبتلع فلسطين وتقضمها رامية عرض الحائط بكل قرارات هيئة الأمم ومجلسه الموقر ..عشرات الدواعش بثوب يهودي متطرف لايختلف باللون الأسود ...يبدو أنه اللون الموحد للتطرف والإرهاب ...وإنما فقط بكوافير الرأس بين عمامة سوداء أو كوفية رقطاء أو قبعة مع ظفائر ...فطريقة وأسلوب وتصريحات نيتانياهو ووزير خارجيته أكثر تطرفاً وعنفاً في التعامل مع الفلسطينيين بغض النظر عن كونهم مسلمين أم مسيحيين ...هنا يحاربون الانتماء لدولة يعتبرونها ملك حصري وخاص لليهود!!، ناهيك عن الأحزاب الدينية المتطرفة، والتي تنمو كالفطر في أوساط المستوطنات التي تقام كل يوم فوق جسد الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية المعدة لإقامة دولة فلسطينية معترف بها من هيئة الأمم !.
ــ أما المرشح الجمهوري الأمريكي " ترامب" ...فحدث ولا حرج عن عنصريته الفجة الفاضحة لسياسته المريضة ، التي يزج فيها بلاده في أتون حرب نازية جديدة بثوب ترامبي ــ هتلري فيخترع عدواً اسمه المسلمين بدلا من اليهود، هذه العنصرية تنمو وتزدهر على يد مرشح لرئاسة جمهورية الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها زعيمة الكون والمدافعة عن حقوق الشعوب !!! ، فماذا لو أكمل طريقه نحو البيت الأبيض؟!, بالطبع هناك غيره لكنهم أقل شهرة وباعاً ..ويكفي أن نلقي نظرة على تعامل السلطات الأمريكية مع الأمريكي من أصل لاتيني أو من أصل إفريقي وماعانوه ويعانوه حتى اللحظة من إزدراء وتفرقة .
ــ في فرنسا كذلك لدينا حزب " الجبهة الوطنية" بزعامة مارلين لوبين...الأشد عنصرية وتمييزاً بين البشر على أساس العرق والدين ...فهي داعشية بثوب حضاري مزخرف بالكلمات والخطب الكاذبة.
وحربنا معها غداً في صناديق الاقتراع كي لاتمر ولا تنفذ إلى مراكز السلطة، لكن علينا الاعتراف أنها اكتسحت وحققت انتصارات مخيفة تنذر بالشر القادم ، وعلى المسلمين في أوربا وفرنسا أن يحاربوا الفكر الإسلامي المتطرف كي لايكون مثله حجة ومثلباُ تنفذ من خلاله مارلين لوبين أو اليمين الآخر، الذي إن اختلف عنها يختلف بدرجة أو درجتين واهيتين. فوجود البؤر المتطرفة في الضواحي تقع مسؤوليته على الجمعيات المسلمة وعلى أئمة المساجد الذين ينشرون الجهل والفكر الجهادي السلفي، ولا ننكر أن قسماً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق سياسة فرنسا الاندماجية الخاطئة ، التي جعلت من المسلم والعربي يعيش في غيتو ضمن أحزمة الفقر والبؤس والتمييز .
في هولندا وألمانيا والسويد وغيرها من الدول الأوربية كذلك من يشبه ويماثل فكر" الجبهة الوطنية الفرنسية" ، ونحن من يتوجب عليه تغيير الفكرة النمطية المأخوذة عن الإسلام، فهل هناك من يسمع ويعي ويسعى لعقلنة الإسلام وتطويره ؟.
ــ باريس 12/12/2015