بمناسبة اليوم العالمي للمتطوع نحو احيار قيمة العمل الطوعي

محسن ابو رمضان
2015 / 12 / 7

"بمناسبة اليوم العالمي للمتطوع ، نحو احياء
قيمة العمل التطوعي "
بقلم/ محسن ابو رمضان

في 12/5 من كل عام تحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للتطوع وذلك بعد اقراره من الجمعية الهامة عام 85 ذلك تقديراً لهذه القيم الانسانية الرفيعة وتوجيه التحية لدور الملايين من المتطوعين الذين يعطوا جهدهم وطاقاتهم في سبيل خدمة الخير العام
ونحن في فلسطين نتثمن دور الانسانية ممثلة بالأمم المتحدة في إحياء هذا اليوم ، حيث أن لدينا واقع خاص في حالتنا ، من حيث اهمية هذا الجهد في تحقيق العديد من المنجزات والتصدي للعديد من المؤامرات التي حاولت خلق حالة من الاحباط بين صفوف شعبنا .
يوجد تاريخ للعمل الطوعي في فلسطين ، منذ ثلاثينيات القرن الماضي ، وقيام الفلاحين كمساندة بعضهم البعض في موسم قطف الزيتون او عند الاحتياج في تقديم العون للجيران عند الزواج او البناء ، وكان النمط السائد يتجسد في عملية قطف الثمار والحصاد بوصفه أبرز اشكال التضامن الاجتماعي والذي عرف حينها بمصطلح ( العونة ).
وفي مواجهة التواجد الاستيطاني الصهيوني والدعم البريطاني له ، تعرض العديد من الشبان الىالاعتقال والاستشهاد ، وخاصة إبان الانتفاضات والتي كان أبرزها اضراب 36- 39 والذي تم تنظيمه في فلسطين رفضا لهجمات عصابات المستوطنين والتواطئي البريطاني معهم ، حيث قامت تلك العصابات بالاعتداء المتكرر على الفلسطينيين وحرق محاصيلهم وممتلكاتهم وصولا الى القيام بالمجازر الجماعية والتي كان أبرزها ديرياسين بهدف إجبار الفلسطينيين على الهجرة التي تم تنفيذها في ابشع عملية تطهير عرقي في القرن العشرين وذلك في عام 48 والذي اقيم على انقاض الشعب والأرض دولة اسرائيل كدولة استعمارية استيطانية وتوسعية ، تتميز به بالطابع العنصري في مواجهة الفلسطينيين والعرب.
وعليه فلم يقتصر العمل الطوعي على البعد الاجتماعي بل تعداه ليشمل البعد الوطني عبر الانخراط في المجموعات السياسية والكفاحية بهدف مقاومة العصابات الصهيونية و تعزيز الوجود الفلسطيني على الارض بما يشمل حماية الممتلكات والاراضي و الموارد من عمليات الاعتداء و النهب و الاستيلاء.
استمر الفلسطيني في جهدهم باتجاه العمل الطوعي في الخمسينات و الستينات عبر الانخراط في النقابات و الاندية الرياضية و المراكز الثقافية بهدف تعزيز الهوية الوطنية و منعها من الطمس و التفتيت و التبديد و خاصة بعد هجرة الفلسطينيين القسرية وتوزيع الشعب الفلسطيني على ثلاثة تجمعات رئيسية في قطاع غزة تحت الادارة المصرية و في الضفة الغربية التي اصبحت جزء من المملكة الاردنية الهاشمية و في المناطق التي تم احتلالها عام 48 و التي اصبحت تسمى "اسرائيل"
استمر الفلسطينيين وخاصة الشباب منهم بالجهد الطوعي سواء بالمجال الاجتماعي النقابي او في المجال الوطني والثقافي عبر الانخراط بالأحزاب السياسية والتي عادت كانت تستند الى القناعة والطوعية وتعتمد على اشتراكات الاعضاء وبصورة شبه رئيسية .
تجدد دور الشباب بالعمل الطوعي والاجتماعي بعد احتلال عام 67 وقد تجسدت تجليات ذلك في تشكيل لجان العمل الطوعي في الضفة والقطاع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي .
لعبت لجان العمل الطوعي دوراً هاماً في بلورة وتعزيز الهوية الوطنية وفي ترسيخ التمسك بالأرض التي كانت وما زالت تتعرض للاستيطان والنهب المستمر من قبل الاحتلال ، كما ساندت المزارعين في أرضهم وخاصة في موسم قطف الزيتون تعزيزا للصمود الى جانب دورها في مجال الخدمات الصحية والطبية .
تبنت الجامعات الفلسطينية و في المقدمة منها جامعة بيرزيت فكرة العمل الطوعي والتي اصبحت احد شروط التخرج الرئيسية للطالب تتمثل في انجاز 120 ساعة عمل تطوعي ، وقد تعممت هذه الفكرة على العديد من الجامعات الاخرى فيما بعد .
نظرت دولة الاحتلال بقلق كبير للجان العمل الطوعي والاجتماعي واعتبرتهم ادوات تحريض و مواجهة وبأنها تشكل بديلا سياسيا لها وتحدياً لسلطتها وذلك من خلال انخراط الاحزاب السياسية بها ، وقد اصبح الاحتلال يلاحق ويعتقل العديد من نشطاء العمل الطوعي ، كما يقومبمحاولات لمنع تنظيم أي نشاط طوعي سواء تضامني ، زراعي ، صحي .. إلخ .
شكل زخم العمل الطوعي الرافد الرئيسي للانتفاضة الشعبية الكبرى و التي عبر هذه التجربة وربما بالاستناد لها تم تشكيل اللجان الشعبية والمساندة والمؤازرة إلى جانب اللجان العاملة بالمجال الاغاثي سواءً الصحي أو الزراعي، وبالتالي فإن العمق الديمقراطي كان أحد أبرز عناصر الانتفاضة ،واحد أبرز اسباب ديمومتها واستمراريتها في مواجهة الاحتلال ومن أجل الحرية والاستقلال .
تراجعت قيم العمل الطوعي بعد تأسيس السلطة عام 94 ، من حيث سيادة المفاهيم النفعية والنظام الزبائني، الامر الذي ادى الى تفريغ منظمات المجتمع المدني من نقابات عمالية و مهنية وأطر طلابية من مضمونها الطوعي البارز حيث انتقل العديد من نشطاء تلك المؤسسات الى الطابع المهني والوظيفي وقد أدى ذلك الى خلق حالة من تناقض المصالح بين المؤسسات التي تمثل الفئات الاجتماعية وبين الموظفين الذين يتلقوا رواتب بوصفهم موظفين بالسلطة ، بما ساهم بصورة فاعلة في تراجع الفعاليات الاجتماعية واليات الضغط والتأثير باتجاه مواجهة العديد من المظاهر السلبية مثل الفساد وهدر المال العام وغياب الفصل بين السلطات و الاحتكارات و وهدر المال العام والابتعاد عن معايير الحكم الرشيد وقمع الحريات ... إلخ ،وغيرها من المظاهر التي لو كانت منظمات المجتمع المدني مستقلة و غير مرتبطة في بنية و تركيبة السلطة الادارية و المالية لكن هناك ثقل ديمقراطي و اجتماعي نشط و ذو تأثير في تصويب المسار الاداري و السياسي وفق مبادئ الحكم الرشيد، وفي محاربة الفساد وتحقيق تحول ديمقراطي جاد بالمجتمع وبالمنظومة السياسية.
رغم محاولات الشباب في 15/3/2011 من تنظيم انفسهم بصورة طوعية وباتجاه تنظيم حراك جماهيري تحت شعار" الشعب يريد انهاء الانقسام " وعدم نجاح هذا المسعي لاسباب مختلفة ابرزها التدخلات الفصائلية وسياسة العصا والجزرة التي اتبعتها قيادة الحركتين في غزة والضفة والتي أدت إلى اجهاض هذا الجهد ، إلا أن تلك النتائج لم تحبط الشباب، حيث نلمس حراكاً طوعياً حاداً من الشباب والشابات ويظهر ذلك من خلال عشرات الحملات الشبابية الطوعية المبادرة والفاعلة بالوطن .
و تشهد الاراضي الفلسطينية حراكا شبابيا في مواجهة الاحتلال و خلال الفترة الماضية و رغم مظاهر الانقسام .فقد برزت بعض المبادرات الاجتماعية الشبابية و النسويةوالعمالية و من المزارعين الريادين ذات ابعاد مطلبية و اجتماعية و مهنية بما يعكس صورة ايجابية باتجاه تعزيز مسار العمل التطوعي الذ يجب ترسيخه في ثقافة و بنية المجتمع.
و في هذا اليوم تستذكر مسيرة العمل الطوعي و اسهماماتها بالعمل الاجتماعي و التنموي و الديمقراطي و الوطني و نستذكر رموز العمل الطوعي في المقدمة منهم د. حيدر عبد الشافي الذي امضى سنوات طويلة من حياته في مجال العمل الخيري و الطبي والاجتماعي و الوطني الى جانب العشرات من الشخصيات التي تركت بصمات مجتمعية مهمة في الوطن.