الصمت المريب إسلامياً

ميشيل نجيب
2015 / 12 / 6

تابعنا على مدار السنوات الماضية نشأة الجماعات الإسلامية وأسماها بعض الخبراء والمتابعين لتلك الظواهر فى المجتمعات الإسلامية بأنها جماعات إصلاحية، هدفها إصلاح الدولة والمجتمع والمؤمنين بتكفيرهم أولاً بحجة أنهم تركوا إسلامهم ولا يسيرون عليه، ويجب على الجميع الخضوع لما يصدرونه من أوامر وتعليمات والإنضواء تحت لواء تلك الجماعات التى اعطت لنفسها الحق فى الحديث بأسم الله وبأسم الرسول وبأسم الإسلام، ومن يرفض الإذعان لهم تم تكفيره وأستحلال دمه ومنذ الستينات وحتى الآن تم تنفيذ ذلك أى أن ما يقولونه يطبقونه فوراً، وكما هى العادة عند الشعوب العربية إصدار بيانات الإدانة الدينية ضد أعمال تلك الجماعات الإسلامية، يعقبها الصمت والسكوت المريب وتعود الحياة اليومية إلى طبيعتها إلى أن يستيقظ الجميع على أصوات إنفجارات جديدة وقتلى جدد أبرياء.

وأشتدت ظاهرة تلك الجماعات التى تسمى إسلامية فى السنوات الأخيرة وأرتفع معها معدلات التدمير والخراب وأرتفعت نسبة القتلى من بضعة قتلى إلى مئات وآلاف القتلى، والعجيب أننا رأينا كيف أن شيوخ ودعاة الإسلام فى السعودية ومصر كانوا على رأس الدول التى أستجابت للولايات المتحدة الأمريكية بدعوة الشباب فى المساجد لتلبية نداء الجهاد لتحرير أفغانستان من الشيوعيين، وكان معروفاً أن الأنظمة السياسية فى كل من السعودية ومصر كانوا على دراية تامة بأهداف ما يفعلونه وما يقدمونه من خدمات للنظام الأمريكى للتخلص من السوفيت وطردهم من أفغانستان وفى الوقت نفسه بدأت جماعة الجهاديين الإسلاميين فى أتخاذ أسم القاعدة لتجمع المجاهدين السعوديين والمصريين والتونسيين والمغاربة وغيرهم ويبدأون مرحلة جديدة فى عملياتهم التى تحولت إلى إرهابية بتغير الهدف الأولى لتلك الجماعات.

ومنذ بدأت العائلة الحاكمة لقبيلة قطر فى تأسيس قناة الجزيرة الفضائية وتقديم دعمها المادى والإعلامى لجماعة القاعدة، بدأت تظهر العمليات الإرهابية والصور الحية للقتلى والدماء والتكفير فى أشرطة الفيديو التى تسمح القاعدة لمصورى الجزيرة بنقلها وبثها على قناتها حصرياً، وهكذا أصبح البث التلفزيونى مقصوراً على قناة الجزيرة مما أعطاها شهرة عالمية بل ونقلت عنها وكالات الأنباء الشهيرة مثل السى إن إن والبى بى سى، وفى الوقت نفسه وصل أسم القاعدة ورئيسها بن لادن إلى كل بيت عربى إسلامى بأعتباره المجاهد ضد الشيطان الأكبر أمريكا، وكلما يظهر فيديو على شاشة الجزيرة يذبح فيه أجنبياً يهلل المشاهدين الجالسين أمام تلفزيوناتهم فى منازلهم قائلين الله أكبر، وهنا كان السكوت والصمت المريب علامة رضى غير معلنة من شيوخ المسلمين العرب على ما يقوم به تنظيم القاعدة.

عندما بدأت أمريكا والغرب مكافحة الإرهاب وبما أنها هى التى أسست تنظيم القاعدة فى البداية، إلا أنه أنحرف ورفض الخضوع لطاعة أمريكا لكن كما ذكرت سابقاً فى مقالاتى عن الإرهاب أن فكرته أمريكية لكن من ينفذها هم رجال الدين والشيوخ المسلمين الذين تركوا الحديث عن وصايا إلههم وعبادته والعمل بالأخلاق الحسنة، وأتجه غالبية الشيوخ فى المساجد ووسائل الإعلام إلى زرع خطاب الكراهية للآخر الذى تم وصفه بأنه عدو الإسلام والمسلمين، وتشعبت العداوة والكراهية للآخر وأستقبل الشباب تلك الدعوات للوقوف فى وجه أعداء الله والإسلام ونبيه إلى ظهور الفتن الطائفية والأصولية والتطرف الفكرى ضد أبناء الوطن الواحد على أختلاف معتقداته بل وفى نفس المعتقد، ومع إزدياد مشاعر الكراهية ورغبة الأنتقام من الكفار أنفتحت الأبواب أمام التنظيمات الإسلامية لتعلن وجودها بحرية فى كل مكان بالعالم العربى دون أدنى أعتراض من الأرض أو من السماء.

بدأ المجتمع العربى والسياسى يرى أسلوباً جديداً فى أساليب تلك الجماعات والتنظيمات الإسلامية بتحالف جماعات من العراق وسوريا، تح أسم الدولة الإسلامية فى العراق والشام أى داعش وأختلف الكثيرين فى طبيعة هذا التنظيم ومن وراءه ولماذا سمحت الحكومة العراقية فى ذلك الوقت بالإنسحاب من عدة محافظات عراقية وأهمها الموصل وتركوها ليحتلها تنظيم داعش ويؤسس فيها مجتمعه الإرهابى، الأصابع كلها تتجه إلى دول محور الشر المعروفة: أمريكا تركيا إيران قطر، ومنذ خروج جنود الإرهاب الأمريكى من العراق وتفكيك البنية السياسية والطائفية وحتى الآن، فالإرهاب الأمريكى الداعشى مستمراً لكن كلمة حق يعترف بها الغالبية وهى أن تنظيم داعش ورجاله المرتزقة الذين يستجيبون لنداء ودعوة الخلافة الإسلامية هى إسلامية المعتقد والأهداف والرجال، لأن شيخ الأزهر رجل الوسطية رفض تكفير داعش والآلاف الذين ينتمون له ويقاتلون ويذبحون وأنهم مسلمون رغماً عن الجميع لأن تلك شريعة الإسلام.

أصدر وزير الأوقاف بيان اليوم الأحد،{ أنتقد ما أسماه: بـ«الصمت المريب» من المجتمع الدولي عن التنظيم الإرهابي في ليبيا}، وكما قلت مراراً فإن هذه التنظيمات الإرهابية ومجاهديها أو مقاتليها المسلمون يعيشون على الأراضى العربية ويجاهدون لتأسيس الخلافة الإسلامية ويقتلون ويذبحون المئات والآلاف لنفس الغرض، سواء كان ذلك فى سوريا أو العراق أو أخيراً ليبيا فالمشكلة إذن ليست دولية بل عربية إسلامية والصمت المريب هو أكبر فضيحة تقوم بها الأنظمة السياسية العربية بالتستر على ذلك الإرهاب لخدمة مصالحهم فى تدمير أنظمة سياسية معينة، وفى الوقت نفسه بدلاً من إجتماع جميع الأنظمة العربية على إستئصال ومحاربة التنظيمات الإرهابية فى العراق وسوريا وليبيا، نكتشف أن السعودية عقدت تحالفاً عربياً من أصدقائها لمحاربة الحوثيين والقضاء عليهم فى اليمن، والسؤال المنطقى الذى يطرح نفسه: على كل مسلم وأولهم وزير الأوقاف المصرى: لماذا هذا الصمت المريب من الأنظمة العربية والمسلمين تجاه ما يحدث فى العراق وسوريا وليبيا، بينما أصاب الذعر تلك الأنظمة العربية مع الحوثيين؟

إن مسئولية القضاء على الإرهاب فى بلاد العرب هى مسئولية العرب أنفسهم للدفاع عن صورتهم وصورة الإسلام الذين يدينون به، وكفى العرب نفاقاً وخداعاً لشعوبهم والأكتفاء بالتفرج على مسرحية هزلية من صنعهم أسمها: "" الصمت المريب""!!!