ليتنا نعيش ونموت مثله

محمود ابوحديد
2015 / 12 / 6

نحن الاشتراكيين الثوريين نعطي حياتنا لشبح الموت دون ان نجفل او نندم على مجمل افعالنا ونفهم ان املنا في عالم افضل، عالم انساني، لا تتوقف على افعال افرادنا او حتى مجموعنا بقدر ما ما هي محصلة تاريخية سنصل اليها بفعل كفاح الطبقة العاملة ككل. لكن ما يجعل الحزن مسيطرا في حال وفاة الرفيق "زيكو" هو مقتله في سن مبكرة.القدر لم يمهله تحقيق ايا مما خطط له في حياته . ومن هنا ينبع الاسف ليس على مسار حياته. بل على العكس، ستشرح السطور التالية اجزاء من حياة الرفيق يُفهم منها مدى خسارتنا نحن رفاقه .. حاولت تاجيل الكتابة عنه لحين يغيب الحزن عن قلمي فحتى الان لا اريد او اخاف ان اردد اسمه. ان فراغ فراقه لا يمكن ان يُخفى او ينسى . هو اول رفيق يفارقني وساتذكر ذلك ما حييت.

اشرع الان في الكتابة لاني فهمت ان تكريما وحيدا لائقا برفيقي هو الكتابة عنه وسرد اجزاءا من حياته. السطور التالية ستحمل حقائق ووقائع لا يمكن سوى ان يتفق القارئ معها . لا يمكن الاختلاف معها او رفضها او حتى ابداء الراي عنها . انها فقط حقائق . حقائق عن حياة ومقتل الرفيق .

لو قٌتل الرفيق "زيكو" بمدافع ورصاص الشرطة . في اشتباك مع القوات الحكومية الشرطة لكنا جميعا نتفق بانه قتل بيد الحكومة ولكانت جنازته تحمل غضبا وسخطا لا ينتهي من مودعيه . كانوا سيفضحوا باسوا واقذر العبارات قاتليه - حقراء ومسؤولين النظام .

الرفيق قتل بيد النظام ، بيد موظفين مدنيين للنظام الراسمالي ، قتل باصرار وترصد . النظام على ثقة بعبور المواطنين خط القطار من هذا المكان ولم تبذل الحكومة اي جهد لتامين عبورهم . عن قريب ، ولاشك ، سيخطف شبح الموت آخرين بنفس كيفية قتل الرفيق .. حادث قطار .. ولن يردد سوى " قضاء وقدر .. ارادة اله " ما يعني لا مسؤول ولا دية للقتيل . لكني لااشك في مقتل الرفيق بيد النظام وسافضح واطارد ممثليه ما حييت .

سيهز العديدين رؤوسهم امام هذه الحقيقة . وستظل هذه الحقيقة من اصعب ما يمكن تصديقه والدليل هو مودعي الرفيق انفسهم الذين سيطر عليهم الصمت والصدمة بدلا من الغضب وصب اللعنة على قاتلي الرفيق . اقول انه حتى اغلب مودعي الرفيق لم يفهموا تلك الحقيقة ، قاتليه يتربعوا اعلى المناصب الحكومية - ولهم الحق جزئيا في ذلك فكلنا شباب فجعنا رحيله المفاجئ.

ربما هي اسوأ الصدف على الاطلاق . اني كنت وسأظل اشرح شعار " لا حل سوى انتصار الثورة" بالكلمات التالية: لا حل لاي مشكلة على الاطلاق سوى انتصار الثورة بالحكومة والسلطة العمالية . لا حل لوقف ومنع القتلى في (حادث طريق - او انهيار عقار او موت المشردين في الشارع) سوى انتصار الثورة ووجود حكومة عمالية تخطط لمصلحة المواطنين. كنت اضرب العديد من الامثلة الاخرى لكني كنت اختار حوادث الطرق كمثال اول لشرح هذا الشعار. من يوم مقتل الرفيق وحتى مماتي ، سيرتبط هذه الشعار برفيقي زيكو . لاشك ان المسؤولين عن مقتل الرفيق هم قادة المجتمع . الوزراء والمسؤولين ، ناهبي المجتمع. تلك حقيقة لا تقبل الجدل ولا يمكن سوى للجهلة ان يهزوا اكتافهم امامها بدلا من تاييدها ضعفا عن مواجهة منطقها .. ان الاعتراف بهذه الحقيقة يعني شيئا واحدا : التخطيط للاطاحة بالنظام الجمهوري ، التخطيط لانتصار الثورة الجماهيرية .

رحل رفيقي عن عالمنا ماركسيا شيوعيا ، يزدري اي خطاب او بيان لا يهدف او يتضمن شعار "الحكومة والسلطة العمالية" . واذا كان تعريفي للعمل الثوري هو "الاشتراك في بناء خلايا وتنظيمات ثورية تهدف للاستيلاء على السلطة من النظام الجمهوري " اذا كان هذا هو تعريف العمل الثوري فقد كان الفقيد ثوريا بامتياز. عاش الرفيق مخططا وهادفا لقلب نظام الحكم . عاش ومات عضوا بتنظيما اشتراكيا ثوريا يهدف للاستيلاء على السلطة بقوة الثورة الجماهيرية .

الرفيق من طليعة الطبقات الشعبية المصرية ولاشك في ذلك . كسبنا رفاقيته وهو بعمر ال16 ربيع ، وفقدناه على اعتاب عامه العشرين . ان عينة عشوائية من اقرانه طلبة المدارس لن يعرفوا اصلا اين يقع المسجد الاقصى - راجع الرابط التالي - بينما اتخذ الرفيق موقفا ثابتا معلنا من اهم قضايا انسان القرن الحالي (فلسطين والامم المتحدة وحكومات رجال الاعمال ..الخ) اذا كانت القراءة من اصعب افعال انسان القرن الواحد والعشرين ، اذا كان 3% من سكان من سكان الارض يقرؤا الكتب و10% يتصفحوا الجرائد اليومية ، فقد واظب الرفيق في سنواته الاخيرة على القراءة بالذات في اصعب العلوم واكثرها دثرا واخفاءا على الاطلاق " علم التحرر". عرفته قارءا لماركس وانجلز ولينين وتروتسكي ومتابعا ناقدا لاذعا لوضع بلاده . الفقيد آمن باحتياج الانسان للحركة بوعي ، للتدخل في الثورة بوعي وبتخطيط مسبق . هل يفهم القارئ معنى ان تكون صبيا في السادسة عشر من عمرك ولا تحرق يومك ووقتك في لعب الفيديو ومتابعة الدوري الانجليزي والاسباني . لم اره يوما متابعا لآراب ايدول او آراب جوت تالنت او اي برنامج آخر ، لم اشهده يوما يتبع النمط السائد لمراهقي مجتمعنا . بالنسبة لي وبالنسبة لاي عاقل ، بالنسبة للحقيقة ، فقيدي كان من اوعى سكان مصر ، عرف من اين اتى ولماذا والى اين يسير وكيف . برحيله فقدت الطليعة شابا لو قُدر له العيش لعقود تالية لكان استطاع التاثير في مستقبل وطنه ولاشك في ذلك رغم انه مجرد تكهن.

حياته كفاح يومي ، وهو ابن السابعة عشر اصيب بالغضروف في فقرات ظهره ، كان ييحمل اجولة الارز لقاء اجر يومي شديد الزهد. كرهت نفسي والمجتمع لايام عديدة عندما علمت باصابته تلك . لكني عشقته وكفاحه.

اظنه بدا العمل بانتظام يومي منذ كان في الثانية عشر من عمره . افهم ان العمل يترك آثاره على جسد وشكل الانسان ، وقد توقف نمو الرفيق باكرا بسبب العمل في سن الطفولة . لن انسى اصابعه السميكة ما حييت ، كانت له يد عاملة بامتياز، مشققة وخشنة من اطرافها ومبسوطة وسميكة من راحتها . اقسم بشرفه انه كان مثالا للكفاح .. وقسما اني لا اكتب هذا لانه فارق عالمنا .

كره امتلاء العالم بالمشردين والجوعى وسعى وخطط وكافح لتغيير هذا المجتمع. ان كنت اكتب هذا المقال لهدف ، فاني اتمنى ان يسير على طريقه اصدقاء سنه الذين عرفوه واعرفهم الان . ان شيوعيته مثالا يجب ان تُحتذى . ربما تاخر عن بعض المهام لكن دوما رغم ارادته. ربما التزم الصمت في العديد من المواقف لكنه التزم الصمت دوما وهو يعبر نحو الطرف الصحيح من المتاريس والصراع . ان كل من رافقه يشهد ، بان تازم الامور وتعقدها واحتياجها للانجاز كان يعني شيئا واحدا لتنظيمنا: استدعاء زيكو. كان رجل المهام ولاشك في ذلك .

زاملته في عدة اعمال لقاء جنيهات زهيدة . ورافقته في السكن لايام قليلة . كنا طلابا وعمالا وزملاء للسكن . اظن علاقتي به كانت من اسمى العلاقات الانسانية رغم خفوتها في السنة الاخيرة بسبب سجني واضطراري للاختفاء قبله. واصلا تعد الرفاقية اعلى العلاقات الانسانية على الاطلاق . لكن .. افضل من جالستهم في حياتي ، واقسم ان هذا ليس بسبب فراقه . افضل من جالستهم في حياتي كان الثنائي (اوزو والفقيد) كان اجتماع هذا الثنائي يعني (تقليد الشخصيات) كل معارفنا .واليوم فان اوزو مسجون وزيكو رحل عن عالمنا.

عملنا سويا في تحميل ما يقرب من طنين من المفروشات لقاء 50 دولار تقريبا لكلينا !! وراهنت احد اصدقائي اني ساحمل الموقد وحدي . وبدأنا نتفق ونسخر من الرهان ، جاء زيكو يسألنا عن الضحك ، ولما اخبرناه تقدم ورفع الموقد وانزله في المكان المطلوب ، عندها قلت لصديقي " زيكو تلميذي ولا يوجد ما يمكن ان يفعله هو وانا لا استطيع فعله " وايد زيكو كلامي . لكني الان ، الان فقط بعد وفاته وبعد ان رحل عن عالمنا ، الان افهم اني كنت طبعا على خطأ. اغلب ما فعله زيكو اعجز انا عن فعله . لما كنت في الخامسة عشر من عمري كنت اتقلب في متع المراهق ! بينما كان هو في الخامسة عشر عضوا لتنظيما ثوريا يفرق بين الايدلوجيا الثورية والايدلوجيا السائدة . وهذه المقارنة بيني وبينه فقط تكفي . هو عاش ومات شيوعيا ثائرا على كل ما في العالم . اما انا فلا ادري الى اين تقودني الحياة .

لن انسى ان اذكرها . هي حتما اكثر من يفتقده .. كان حارسها وفارسها وطبعا كان لا يبارى، واذا كانت مجموعتنا قد اعتمدت على شدته وقوته في احيان كثيرة ، فلاشك انها بضعفها ورقتها قد وضعت حياتها بين يديه. لاشك ترك رحيله في نفسها اثرا وفراغا لا يمكن ان يشغله اي من سكان الكوكب . لكني اتمنى ان اكون ذا عون لها. اتمنى ان احصل على شرف تلبية جزء من مائة مما كان يقوم به رفيقي من اجلها . افهم اني ابدا لن اجاريه في اي شئ ، لكني اطمح في تكريم حياته بمحاولة خدمة من طمح وخطط زيكو للحياة معها.

انا على ثقة ان حياتي اخذت منحى مختلف تماما من يوم رحل زيكو. من يوم فراقه فهمت اني بدات مرحلة فراق المعارف ، وكدت ابكي في جنازته عندما خطر في بالي (مات صديقي ويبدو ان عديدين سيموتوا في السنوات القادمة وساعتاد ذلك لاشك) لم افكر لحظة اني ساضطر يوما ما لان اكتب نعيا او رثاءا لاي من معارفي .. لكني فهمت ذلك وانا انتظر رفاته امام المشرحة .

مشهد تشييعه علق في عقلي واضطر عقلي لاخراجه في نومي . جائني ليلة تشييعه ، رايته في كفنه الابيض وتصارعت مع نفسي في الحلم لكي اكشف كفنه وارى وجهه لكني لم افعل ، وبدلا من ذلك رايته يكلمني من الناحية الاخرى وكان يمارس سخريته ويقلدني ، ضحكت كثيرا في الحلم لكن الضحك انقطع لاخبره : انت لست حقيقيا بل هذا هو الحقيقي ، واشرت ناحية الكفن ، لكنه لم يجب واستمر في تقليدي . واستيقظت باسما . اغلب الظن ان عقلي يذكرني بخيار حياتنا : افضل طريق لتكريم حياة الرفيق هي الشيوعية . ستكون ذكراه هي الماركسية والتنظيم الثوري ، وسيكون خلوده في انتصارنا وتغييرالعالم .

فارقنا زيكو وتركنا في هذا العالم الحقير نكافح لتغييره. لم افق حتى الان من صدمة رحيله واسأل نفسي باستمرار :فعلا لن اراه مرة اخرى ؟؟ كتبت احد معارفه معزية نفسها انها فعلا تأمل الموت . هو لم ييأس ابدا ولم يطلب الموت ابدا ، عاش ثوريا مخططا لتغيير العالم ، اما انا ، وعلى عكسها تماما اقول: لاجل رفيقي الفقيد ، لاجل شهداءنا ومصابينا ومعتقلينا ، لاجل حياة افضل ، سنطارد ونفضح قاتليه ما حيينا .

هو، على الاقل مات على الطريق الصحيح ، عاش ومات رفيقا ضد رجال الاعمال وحكوماتهم ، ليتنا نعيش ونموت مثله .