المحسنون - قصيدة لرديارد كبلنغ

ماجد الحيدر
2015 / 12 / 2

المحسنون
شعر: رديارد كبلنغ
ترجمة وتقديم: ماجد الحيدر

يعد رديارد كبلنغ Rudyard Kipling (1865–1936)واحداً من أشهر الشعراء والروائيين والقاصّين وكتاب الأطفال البريطانيين في العصر الحديث، ناهيك عن كونه واحداً من أكثرهم إثارة للجدل والتباين في التقييم حتى الوقت الحاضر؛ ففي الوقت الذي عده البعض ممثلاً للنزعة الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية و"نبياً للإمبريالية البريطانية" كما أسماه جورج أورويل (الذي لم يخف لاحقا احترامه البالغ لكبلينغ ولأعماله) وضعه نقاد وكتاب آخرون في طليعة أبناء جيله، فوصفه هنري جيمس (على سبيل المثال) بأنه "واحد من أكثر العبقريات كمالاً".
ولد عام 1865 في بومباي في الهند التي كانت حينها مستعمرة بريطانية، حيث كان والده المصمم والنحات ليكوود كبلينغ يعمل أستاذا للنحت المعماري ومديراً لمدرسة الفنون فيها. وعندما بلغ الخامسة، وكما جرت الأعراف في ذلك العصر، أرسله والداه (اللذان كانا بالمناسبة قد سمياه بهذا الاسم تيمنا ببحيرة روديارد في انكلترا التي شهدت لقاءات حبهما) أرسلاه وأخته الصغيرة الى الوطن ليدرسا ويعيشا في كنف أسرة عانا الأمرين من قسوتها. ليدخل بعدها مدرسة خاصة بإعداد الضباط، غير أن صعوبة أوضاعهم المالية اضطرته الى العودة الى الهند وهو قي السابعة عشرة ليعمل محررا في إحدى الصحف المحلية في لاهور حيث عمل بمثابرة عجيبة . وفي عام 1886 نشر أولى مجموعاته الشعرية وفي العام نفسه سمح له بنشر قصصه القصيرة في تلك الصحيفة لينطلق بعدها في عالم الكتابة وليصبح في غضون فترة قصيرة واحداً من أكثر الكتاب غزارة في الإنتاج. كان كبلنغ عاشقاً مهووساً للأسفار إذ جاب مختلف الأصقاع في آسيا وأوربا وأمريكا وأفريقيا، غير أن الهند حظيت بحصة كبيرة كمكان لأحداث قصصه وروايته ومنها رائعته كتاب الأدغال التي تعد واحدة من كلاسيكيات أدب الأطفال العالمي. حاز كبلنغ عام 1907 على جائزة نوبل للآداب ليكون أول إنكليزي يحصل عليها وأصغر من يمنح هذه الجائزة، كما رشح عدة مرات لنيل لقب الفارس وشاعر البلاط غير أنه اعتذر عن القبول. واصل كبلنغ الكتابة حتى أوائل الثلاثينات وتوفي عام 1936 عن سبعين عاماً. ومن الطريف أن إحدى المجلات قد نشرت نعيه قبل يومين من وفاته فما كان منه الا أن يكتب اليها قائلا: لقد سمعت للتو بأنني ميت، لا تنسوا إلغاء اشتراكي في مجلتكم!

المحسنون

آهٍ وما نفع هوى لآداب أصيلة
وما الكلمة المهذبة
قبالة واقعة وقعت
وما حظيت بعلاج؟
...
وما الفن الذي نغذ له الخطى
بالرسم والنثر والقوافي
حين تهزمنا الطبيعة
في عريها كل حين؟
...
لا العلم، لا النِعمةُ، لا الديباج
ولا المال أو هنيء الطعام والشراب،
بل لدغة الخوف والآلام
ما يدفع الخلق للتفكّر.
...
يوم بزغ جنسنا الشبيه بالآلهة
في شبيبة عالمنا التي لا تسرَّ
منح أطول الأذرع وأمضى الأنياب
للإنسان سلطةً على الانسان.
...
حتى ازرقَّ الجلد من الكدمات
وبلغت العضات العِظام
وتتلمذ على الخوف والآلام
فتعلَّمَ تسديد الأحجار
والطعن بالرمح الآمن الطويل
...
وهُجرت الأنياب والأظفار
ما عادت أسلحة بوجه الأعداء
حتى جاء عبقري سئم الهزائم المنتظمة
وصنع القوس والسهم.
...
عندها بان عقم الحجارة والرماح
كغابر الأنياب والأظفار،
حتى نخسه الخوف والآلام من جديد
فصمم الإنسانُ الدروع.
...
عندها نال الغنيُّ الأمان
وظل الخوف حليف الفقير
حتى مزج أحدهم باروداً
قلب الميزان من جديد.
...
واختفت الخوذات والدروع
مع السيف والقوس والرماح
وحين انجلى دخان المعارك
كان كل الرجال
قد تسلحوا على السواء.
...
وحين ذُبح هكذا عشرة ملايين
لإرضاء ملكٍ معتوه
أضحى سواد الناس،
وقد روضهم الخوف والآلام
قلقين وجلين من الأمر.
...
وفي عين الساعة المقدَّرَةِ
لاستعباده فوق ما يتذكر،
استدار عقله الحيي
المجبول من نابٍ-حجر-سهم-بندقية
ومحا كل شيء.
...
كل سلطة، كل طاغية، كل رعاع
كبرت رؤوسهم فوق حدها
ينتهون بتدمير وظائفهم
ويكدحون.. لصرفهم من الخدمة!
...
وبينما الإنسان، تزيل ضروراتُه
كل شيءٍ من طريقهِ،
تراه يرتعش من أحكامها
ويستنكرُ غضبَتَها!

The Benefactors

Ah! What avails the classic bent
And what the cultured word,
Against the undoctored incident
That actually occurred?

And what is Art whereto we press
Through paint and prose and rhyme—
When Nature in her nakedness
Defeats us every time?

It is not learning, grace nor gear,
Nor easy meat and drink,
But bitter pinch of pain and fear
That makes creation think.

When in this world’s unpleasing youth
Our godlike race began,
The longest arm, the sharpest tooth,
Gave man control of man-;-

Till, bruised and bitten to the bone
And taught by pain and fear,
He learned to deal the far-off stone,
And poke the long, safe spear.

So tooth and nail were obsolete
As means against a foe,
Till, bored by uniform defeat,
Some genius built the bow.

Then stone and javelin proved as vain
As old-time tooth and nail-;-
Till, spurred anew by fear and pain,
Man fashioned coats of mail.

Then was there safety for the rich
And danger for the poor,
Till someone mixed a powder which
Redressed the scale once more.

Helmet and armour disappeared
With sword and bow and pike,
And, when the smoke of battle cleared,
All men were armed alike....

And when ten million such were slain
To please one crazy king,
Man, schooled in bulk by fear and pain,
Grew weary of the thing-;-

And, at the very hour designed
To enslave him past recall,
His tooth-stone-arrow-gun-shy mind
Turned and abolished all.

All Power, each Tyrant, every Mob
Whose head has grown too large,
Ends by destroying its own job
And works its own discharge-;-

And Man, whose mere necessities
Move all things from his path,
Trembles meanwhile at their decrees,
And deprecates their wrath!