سياسة المكان: الحدود، حركة السكان، والخيال السياسي

ياسين الحاج صالح
2015 / 11 / 24

مرَّت علاقة الكيان السوري الحديث بحدوده بمرحلتين، وهناك مرحلة ثالثة تتلامح اليوم.
لوقت طويل بعد نشوء الكيان السوري، بلغ الذروة في الوحدة السورية المصرية عام 1958، واستمر بصورةٍ ما لنحو عقدين بعدها، عانت النخب السورية من حدود سورية المعاصرة كجروحٍ، أو حالات بتر مؤلمة.كعارٍ أيضاً، كان يُنسب إلى «التجزئة الاستعمارية». استُعيرت لغة الجسد في وصف سورية و«الوطن العربي»، وكان شائعاً الكلام على جسدٍ عربي مقطع الأوصال.
في الشمال والغرب من جهة تركيا، وحتى قبل قضية لواء اسكندرون، وفي الغرب من جهة لبنان، وفي الجنوب من جهة الأردن وفلسطين، بدا الجسد السوري مبتوراً، منتهكاً، أشلاء متناثرة. الكيان الإسرائيلي، وقبل احتلال الجولان، كان «خنجراً» في هذا الجسد، «جسد الأمة»، وطعنةً لكرامتها، وفصلا لأجزائها «التي لا تتجزأ» عن بعضها، وهذا قبل أن يكون استعماراً واستغلالاً وتمييزاً. وجهة الاعتراض هنا بطريريكية، يذلها الانتهاك (يشيع أن يسمى «اغتصاباً») من قبل الغريب، لأنه يأتي من غريب وليس لأنه انتهاك، ولذلك إما لا يوجد ما يقال عن انتهاكٍ يأتي من قريب، أو يجري تبريره. نقطة الضعف الخطيرة في التفكير العربي المناهض للاستعمار جذرها هنا: مناهضتنا تُحرِّكها اعتبارات أوثق صلة بما تمثله أجنبية المستعمر من «فضيحة» ومساس بـ«الشرف القومي» يطال "الأرض والعرض"، مما بالعدوان والتمييز وانعدام العدالة. لا ننتبه حين نمارس شيئاً مشابهاً بحق غيرنا، أو حين يُمارس علينا شيءٌ مشابهٌ من بعضنا. مفهوم الاستعمار الداخلي دخل تداولنا منذ عقود، لكن لم يجر «تأصيله» لأن أصولنا المقررة، القومية العربية والإسلامية، تتواطأ بالأحرى مع الاستعمار الداخلي ولا تناهضه.
التأصيلُ يمرُّ بتفكيك هذه الأصول، بالأحرى، لا بالتأسيس عليها.
الأمة المنتهكة هي «الأمة العربية» غالباً، تقيم في وطنها، «الوطن العربي الكبير»، وهو ثاني دولة في العالم من حيث المساحة بعد «الاتحاد السوفييتي» على ما كانت تقول مناهج التعليم السورية، وله «حدود طبيعية»، جبال وبحار وصحارى، تفصله عن غيره. لكن ما ينطبق على الوطن العربي ينطبق على سورية التي هي «قطرٌ عربي» بمعنى ماهوي للكلمة (أصلي، لا يتغير، غير تعاقدي)، وطنٌ عربي مصغرة، اقتُطِع منه لبنان والأردن وفلسطين، واسكندرون، ومناطق أخرى أُلحقت بتركيا. ومقابل «الحدود الطبيعية» التي تحيط بجسد الأمة/ الأم، هناك «حدود مصطنعة» بين الأقطار العربية، ستؤول في النهاية إلى الزوال.
بعد استقلالها ولنحو ثلاثة عقود، كانت سورية تبدو مختنقةً بحدودها، تتطلع إلى الخروج منها. غير الوحدة الاندماجية مع مصر، هناك وحدات ومشاريع وحدات مع مصر من جديد، ومع مصر والعراق، ومع مصر وليبيا والسودان، ومع مصر وليبيا فقط، ومع الأردن، ومع ليبيا، ومع العراق. لكن سياسات الحدود هذه كانت سياسات نخبة تتطلع إلى سلطة بلا حدود على محكوميها، وضمن حدودها. هذه الوحدات الكثيرة على الورق لم تثمر فتحاً فعلياً للحدود في أي وقت. وهي، كأنما على موعدٍ مع التاريخ، انتهت في أوخر سبيعنات القرن العشرين، وقت كانت حدود الدول تستكمل صلابتها، وتنصب حدوداً سياسيةً صارمة على حركة السكان ومبادراتهم.
خلال تلك العقود الثلاثة لم يكن يُنظر إلى الحدود المرفوضة كقيود سلبية على حرية حركة السكان أو على التفاعلات الاقتصادية والفكرية بينهم، بل من منطقٍ قومي تقليدي، يجمع بين التطلع إلى أرض أوسع، وهذه غريزة عند كل الدول القومية الحديثة والمعاصرة، وبين تصور بطريركي للكرامة، ينيطها حصراً بعرق أو جماعة. قومياً وبطريركياً، ليس جيداً إلا ما هو كبير.
الحدود الطبيعية للوطن العربي تسمح باكتفائه الذاتي، فلا يكاد يحتاجُ إلى تفاعلٍ مع خارجه. وليس في الفكر القومي العربي التقليدي، وهو شديد الانشغال بقضايا الحدود، ما يشير إلى مسؤوليات دنيوية عالمية لنا نحن العرب، تتصل بقضايا الازدهار الاقتصادي والعدالة والحرية والسلام. عبر مفهوم «الحدود الطبيعية» للوطن العربي الكبير، لدينا اعتراضٌ على ضيق الجدران القائمة بين بلداننا اليوم، وليس على الجدران ذاتها. وكجدرانٍ لا تكاد تُعبَر، ينفي تصور الحدود الطبيعية أو يكاد، التبادلاتِ مع الغير، وإن كان ينفتح على عقائد «الأصالة» و«الرسالة الخالدة» من جهة الماضي، حيث يتمازج اللونان القومي العربي والإسلامي. هناك استعداد أوتاركي (اكتفاء ذاتي بما لدينا) قويٌ عند العرب يمدُّ جذوره في الإسلام، ديناً وحضارة. هذا الاستعداد مناسب للعيش خارج العالم المعاصر، لأوضاع الاستثناء، وللطغيان. تصور الكرامة القومي العربي يجمع بين الأرض و"العِرض"، وبين استغناء عن العالم بحجة كفاية ما لدينا من عتاد ثقافي موروث. حريات الأفراد وحقوقهم، المسؤولية العالمية، المساهمة في كفاح البشر من أجل العدالة والحرية والمساواة، ليست من مكونات مفهوم الكرامة القومي التقليدي.
على أن لصورة الحدود الطبيعية ضربٌ من الجاذبية العائلية إن جاز التعبير، فهي تحيل إلى «أهل» مستقرين في عالمهم، ضربٌ من أسرة كبيرة، على رأسها أبٌ كبير حامٍ، مستبدٌ لكنه «عادل»، ولا يعكر صفو هناء العائلة شيء. هناك اليوم عوائق تحول دون استعادة هذا الهناء، منها «الحدود المصطنعة»، ومنها «الخنجر الاستعماري»، ويحصل أن يكون منها «أقلياتٌ» تتطلع إلى ما وراء الحدود، أو إلى اقتطاع جزء من وطننا. لكن تَخيُّلَ الأمّة في وطنها الذي تقاسمت الطبيعية والثقافة صنعه، كانت هي الطوبى القومية الجاذبة لعقود.
*******
المرحلة الثانية تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي. لم يعد هناك مشاريع وحدة عربية، وخفتَ نسبياً الصوت القومي العربي، وانتقلت العروبة ومعها «الأصالة» إلى الثقافة و«الهوية» و«التراث العربي الإسلامي». كان التواصلُ بين القومية وبين تراث تترابط صفتاه العربية والإسلامية أوضحَ وقتها مما هو اليوم. لكن النقطة التي أريد التركيز عليها هنا تتصل بما بين المرحلتين من استمرارية. الحدودُ الطبيعية المفترضة للوطن العربي جرى استبطانها من قبل الدول القائمة، وبخاصة الدول التي ترفع راية القومية العربية، سورية والعراق. ما يوحي به مفهوم الحدود الطبيعية من صلابة وثبات، واكتفاء ذاتي، انتقلَ من مجال الجغرافيا المتخيلة والمشتهاة إلى حدود الدولة ذاتها، وإلى مجال السياسة وعلاقة الدولة بسكانها. لوقت قصير في ستينات القرن العشرين كان قد تلامحَ أن نظام الأسرة الكبيرة يتآكل لمصلحة نظام «الأخوة المواطنين»، إلا أن علاقات السلطة الأبوية والمخيلة الأبوية جددت نفسها على يد جيل الأبناء الأول التالي للاستقلال. حافظ الأسد انتقل خلال عشر سنوات من «ابن الشعب البار» إلى «الأب القائد»، هي السنوات التي شيَّد نظامُه خلالها «حدوداً طبيعية» تحميه من «الأبناء» في الداخل، و«الأخوة» في المحيط.
ولعل أكثر ما يُظهر استمرارية تصور «الحدود الطبيعية» التي تضم «الوطن العربي» إلى بعضه وتفصله عن غيره، وتحوّل هذا التصور نحو الداخل ليقوم بوظيفةٍ سياسيةٍ عازلة، هو ظاهرة السوريين الأجانب: كردٌ لم يُمنحوا الجنسية السورية أو جُرِّدوا منها، ولا جنسية أخرى لديهم، بذريعة أنهم وافدون من تركيا. لم تكن الذريعة باطلةً دوماً كواقعة، لكنها باطلةٌ سياسياً وأخلاقياً، واندرجت في سياسات تقسيمية في الداخل السوري. شكَّل الاستبعاد الداخلي للسوريين الأجانب أحد أوجه الاستبعاد السياسي العام في الزمن البعثي، والأسدي بخاصة، وأظهرَ أن العزل القومي كتأسيس للداخل يقبل التحول بيسر إلى عزل سياسي داخلي.
كان «الحزام العربي» (سكان عرب أُسكنوا على جزء من الحدود السورية التركية في شمال شرق البلد، حيث أكثرية السكان من الكرد) زرْعاً لحدود داخلية استناداً إلى الشرعية القومية التقليدية. وهو بدوره يُظهر تحول الخيال القومي العربي إلى سندٍ لسياسات العزل الاجتماعي والسياسي في الداخل السوري.
في الوقت نفسه، كانت الجماعات الريفية تكسر حدود عوالمها الضيقة وتتحرك في فضاء أوسع من أجل العمل أو التعليم أو الخدمة العسكرية. الواقع أنه كانت تجري حركاتٌ متناقضة: اتسعَ تحرك قطاعات السكان الذين عاشوا طوال أجيال في عوالم محلية ضيقة (كان العالم ينتهي عند حلب، فيما يخص معظم سكان منطقة الجزيرة السورية)، لكن تقاصرت الروابط الاجتماعية الطوعية، وتدنت الثقة وكثافة التفاعلات بين الجماعات الأهلية. الدولة التي كانت تعرض تحولاً بطريركياً سلطانياً كفلت هذا الوضع، المزيدُ من الارتباط بالدولة يقتضي تفاعلات أقل بين الجماعات الأهلية. ومن جهة أخرى، كان التعارض بين تكسُّر العوالم المحلية الضيقة، وبين قدرات الاقتصاد الوطني الذي أخذ منذ أواخر سبعينات القرن العشرين يعرض ركوداً بنيوياً مديداً، قد دفعَ كثيرين ممن لا يتوفر لهم عملٌ في الدولة إلى خارج الحدود، إلى بلدان الخليج بخاصة (وهي مضخاتٌ للبطريريكية وتنظيماتها وثقافتها). هذا في وقت كانت حدود الدولة تتصلب، ورقابتها على تحركات السكان تشتد.
بحثاً عن موارد مادية وسياسية، الدولة الصلبة الحدود صارت توسِّع حدودها السياسية عبر السيطرة على لبنان، ومحاولة السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، وإيجاد امتدادات دون دولتية في بلدان مثل العراق وتركيا. وهذا بينما كانت توسع حدودها في الداخل، وتعيد «الأخوة المواطنين» إلى رعايا تابعين.
سياسياً، منذ ذلك الوقت، أخذت دول الإقليم كلها تنقلب إلى علبٍ مغلقة، سجون، تحوطها أسوار عالية، تتحكم إلى أقصى حدٍّ بحركة السكان في داخلها، وأكثر في حركتهم عبرها وخارجها وفيما بينها. كان ذلك زمنُ توسِّع السجون السياسية في سورية والعراق وغيرهما، كأبرز علامات عُلوّ الدولة على السكان في مجموعهم، وعلى أية جماعات محلية، وعلى القومية العربية ذاتها (انقلبت إلى أداة للسياسية الخارجية لدول صلبة الحدود). وبالتزامن مع تصمّت الدول وتصلّب حدودها ظهر «الأبد»، أي فرض حدود بالغة الضيق على الزمان، وقصره على حاضر أبدي لا يتزحزح. ويبدو أن «الأبد» ينتمي إلى عالم «الرسالة الخالدة» إن لم يكن استمراراً له، وأن العبقرية المنسوبة للحاكم هي من عتاد عالم «الأصالة» إن لم تكن استمراراً له. وأن الأب الحاكم الأبدي مضمرٌ بصورة ما في صورة الوطن الكبير ذي الحدود الطبيعية. وفي كل حال لا تستطيع «الرسالة الخالدة» و«الأصالة»، بصيغةٍ إسلامية أو عربية، نصب أيّ حواجز في وجه الحاكم العبقري، أو في وجه الأبد.
في هذا الوقت ساد السجن كجهاز سياسي أساسي وكاستعارة سياسية أساسية، لا كمؤسسة عقاب منضبطة بقوانين معلومة. السجنُ والأبد مؤسستان متكاملتان. فتأبيد الحاضر ومنع الزمن من الانصرام، يقتضي السيطرة المتشددة على المكان وضبط حركة السكان فيه. وراء جدران السجن أو «حدوده الطبيعية»، معزولاً عن العالم، هناك مجتمع سوري آخر، تعرض لدرجات متقدمة من التحطيم، بغرض أن يبقى من هم خارج حدود السجن منضبطين وخاضعين، ومن أجل أن يبقى «الأبد» والمستثمرون فيه في «استقرار واستمرار».
ومن باب التحكم بحركة السكان، لم يمرَّ وقت كان الحصول فيه على جواز سفر شيئاً روتينياً. جواز السفر وثيقة تُعرّف هوية بلدان كثيرة، فالنروجي هو من لديه جواز سفر نروجي، والياباني هو من لديه جواز ياباني. ليس الأمر كذلك في سورية. هويتنا نحن يجري تعريفها بأشياء جمعية ثابتة وثقيلة جداً: القومية والدين، الإثنية والطائفة، وليس بحقوق فردية وعلى أرضية تعاقدية. وهذا الثقل الذي ينتمي إلى عالم «الحدود الطبيعية» و«الرسالة الخالدة» و«الأصالة» و«التراث» موظفٌ سياسياً للحدِّ من حركة السكان وتقليل اختلاطهم بالغير. هويتنا عبءٌ باهظ ننوء بثقله المحمول على ظهورنا، وليست شيئاً يحملنا إلى العالم ويخفف أعباءنا.
جواز السفر، بالمقابل، هو شيء خفيف قياساً إلى الهوية، وإن يكن في الوقت نفسه ينتمي إلى عالم الندرة، فلا يناله المحتاج بمجرد طلبه. كان يمر غالباً برشوة أو بواسطة أو بمساومة أمنية، ويتواتر أن يكون مقيداً زمانياً (لسفرة واحدة، لعامين فقط)، هذا غير منع السفر المتواتر لأسباب أمنية. استخدم الجواز على نطاق واسع كأداة ضبط وتحكم بحركة الأفراد، والسكان ككل. صعوبة الحصول على جواز السفر وسهولة السجن،يسوغان عبارة السجن الكبير التي كانت شائعة في وصف سورية حتى تفجّر الثورة. تُضمِر العبارة تمييزاً عن السجن الصغير، الذي هو تجربة مشتركة لعشرات ألوف السوريين قبل الثورة، لكنها أصلح في رأيي لأن توضع في مقابلة مع عبور الحدود الحر. سورية سجنٌ كبير قياساً إلى السجون الصغيرة التي قضى عشرات ألوف السوريين سنوات فيها، لكنها سجنٌ أصغر قياساً إلى عالم متنوع حولها.
(وماذا بشأن هذا العالم؟ ما دام للدول حدود، فليس هناك حركةٌ حرّة للبشر وتجارب البشر،وإن تكن حركة أوسع للسكان تعني حرية أوسع طبعاً).
والخلاصة المؤقتة هنا أن صورة السجن تُشكِّل بصورةٍ ما استمراراً لصورة الحدود الطبيعية، بما يسوّغ القول إنه ليس هناك قطيعة بين الخيال القومي والواقع الأسدي. البطريركية الكامنة في القومية العربية تحولت إلى واقع محقّق في سورية الأسدية.
*******

المرحلة الأولى عربية، والمرحلة الثانية أسدية، المرحلة الثالثة بدأت مع الثورة عام 2011، وملامحها غير متشكلةٍ لا تزال. عبر تحدي النظام السياسي والعمل على إسقاطه عملت الثورة على تغيير المعادلات الزمانية والمكانية والسكانية: إنهاء الأبد أولاً (ما في للأبد/ عاشت سورية ويسقط الأسد!)، والتخلص من السجن بوصفه الصيغة القياسية للتحكم بحركة الأفراد ثانياً، واستعادة السكان لمجتمعاتهم وإعادة امتلاك بيئاتهم الحيّة عبر أفعال تسمية الأحياء والبلدات والمدن، ومخاطبة بعضها كمجموع سوري لا يمر عبر «الأسد»، كاسمٍ جامعٍ لهياكل سلطة النظام. الصراع السوري طوال ما يقترب من خمس سنوات هو في وجه أساسي منه نضالُ الأبد من أجل الاستمرار، ومعه السجن كشكل للدولة وكشرط للتحكم بحركة الأفراد، وإعادة ملكية النظام المبدئية للسكان ومَواطنهم. عدد المعتقلين غير المسبوق اليوم، ومن قُتلوا تحت التعذيب، والحصار التام لمناطق يقطنها عشرات الألوف ومئات الألوف، أمثلةٌ على بسالة الأبد في نضاله من أجل الاستمرار.
وبفعل العنف وتصلب الهيكل السياسي المفروض على السكان، أخذ ينهار في النصف الثاني من عام 2012 الإطار الوطني للصراع السوري، وتحولت سورية تدريجياً إلى دولة مسامية، بل مُثقّبة، حدودها مكسرة من الجهات الشمالية والجنوبية، ومن الجهة الغربية (في عام 2013 استعاد النظام الحدود الغربية، مستعينا بقوى من وراء الحدود، حزب الله، التابع لقوى ما وراء وراء الحدود: إيران). حتى الحدود من جهة جبهة الجولان تثقبت، مرة في عام 2011 عبر تسهيل النظام لمجموعات فلسطينية دخول الجولان من أجل إثارة مخاوف إسرائيل والغرب، ومرة بسبب علاج عناصر من «الجيش الحر» في مشافٍ إسرائيلية. وهذا انكسار غير مسبوق للحدود الواقعية والخيالية لسورية.
في الوقت نفسه انتصبت حدودٌ أعلى داخل البلد، تفصل المناطق المختلفة التي تسيطر عليها تشكيلات عسكرية مختلفة. احتجتُ إلى 19 يوماً للانتقال من الغوطة الشرقية قرب دمشق إلى الرقة في صيف 2013، مُفترقاً عن زوجتي سميرة الخليل التي لم يكن متاحاً أن ترافقني. تقطعت السبل بالناس على هذا النحو من الخبرات المتواترة جداً في سياق الصراع السوري.
وقت خروجي من الغوطة لم تكن التشكيلات العسكرية تصنع لنفسها حدوداً صلبة، وكان العائق الكبر أمام حركة السكان هو حصار النظام لبعض المناطق.
الحواجز كانت منهج سيطرةٍ مجرَّب عند النظام منذ أمد طويل، يعود إلى النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين. حواجز بين المدن، حواجز كثيرة داخل المدن، منها ما هو «طيار». الحكم بالحواجز هو وجه ثابت من وجوه السيطرة الأسدية على السكان والمكان والحركة، يتعلَّق الأمر بصنع مصافٍ وحدودٍ وممراتٍ إجبارية للحركة، أي بحدود مؤقتة لضبط السكان، لكنها مرشحةٌ للدوام. اليوم، يحتاج كثيرون إلى «جوازات سفر» لعبور هذه الحدود الداخلية: ورقةٌ من سلطة أمنية ما تجيز عبور فلان أو علان خلال وقتٍ محدد.
واليوم هناك ثلاثة أطراف أساسية تتحكم بحركة السكان: النظام نفسه، داعش، والبي واي دي، التنظيم القومي الكردي الذي وسَّع سيطرته بتفاهمٍ مع الأميركيين نحو مناطق يشكل الكرد فيها أقلية. وقبل حين جرى توسيع كانتون كوباني (عين العرب) ليشمل تل أبيض التي سميت كري سبي، في حركة توسع جغرافي ورمزي، اقترنت بارتكاب جرائم حربٍ حسب أمنستي إنترناشنال (تقريرها: لم يكن لنا مكان آحر نذهب إليه، تشرين الأول، 2015). لا يجري الدفاع عن حقوق ومساواة وعدالة، بل فرض سيادة بطريركية وتوسّع أرضي من الصنف القومي التقليدي.
إضافة إلى كونها سلطة فاشية، ومنظمة إرهابية، داعش حركة استعمار استيطاني توسعي، جلبت «مجاهديها» من عشرات البلدان، وانتزعت ملكيات الأهالي ووطنتهم فيها. وهي تتحكم بأجساد الناس وتحركاتهم بقدرٍ يفوق تحكّم النظام.
ويجمع بين القوى الثلاث المشار إليها أنها قوى عابرة للحدود: داعش محت حدوداً سوريةً عراقية، وهي كيانٌ توسعي تعريفاً؛ والبي واي دي قوة توسعية بدورها، يبدو أنها تتطلع إلى إقامة تواصل أرضي بين مناطق الكثافة الكردية بصرف النظر عن رأي أكثرية السكان العرب والتركمان، وقيادتها الحقيقية في جبال قنديل مكونة من كرد ترك من حزب العمال الكردستاني، وكثيرٌ من مقاتليها كردٌ من تركيا؛ والنظام يستفيد من دعم بشري وعسكري ومادي مما وراء الحدود، إيران وحزب الله والعراق، واليوم روسيا. في الوقت نفسه هذه القوى الثلاثة متشددة في التحكم بحركة السكان في مناطق سيطرتها، فهي «تضييقية» في الداخل بقدر ما هي توسعية نحو الخارج.
التحكم بحركة السكان أقل في مناطق درعا وفي الغوطة الشرقية (وهي محاصرة بصورة كلية على كل حال) وفي مناطق حلب وإدلب، لكن هناك ميلاً متزايداً إلى التحكم بحياة السكان وبحركتهم وممارساتهم وكلامهم. ووضع أسيرات وأسرى علويين في أقفاص في الغوطة الشرقية، وهي ذاتها موضوعة في قفص من قبل النظام، يحيل إلى مخيلة موجهة نحو الحصر والتقييد والسيطرة، مما تؤكده سيرة التشكيل العسكري السلفي المهيمن في المنطقة، «جيش الإسلام».
على أن الواقعة التي تتحدى الحدود القديمة والحدود الآخذة بالتشكل معاً، هي ظاهرة اللاجئين السوريين والفلسطينيين السوريين الذي خسروا بيوتهم وبيئات عيشهم، وبعض أحبابهم، وقد تجاوز عددهم أربعة ملايين منذ نهاية 2014، ولا يبدو العدد مرشحاً لغير الزيادة. يقصد عدد متزايد من اللاجئين دول أوربا الغربية المزدهرة لضمان مستقبل أبنائهم، وهم بذلك ينتهكون حدود دول كثيرة، لا تبدو قادرة على ضبط تحركاتهم. هناك شبكات تهريب عابرة للدول، تشكل أيضاً الوجه السلبي للدولة في عالم اليوم. وهناك ما يقترب من تحالف بين المهربين وبين اللاجئين يضع الدولة القومية (الدولة- الأمة) وحدودها في أزمة، وتستجيب الدول الأوربية لها أمنياً بصور أساسية. أعني عبر سياسة الحدود العالية ونصب أسوار قانونية وأمنية حول الدول، وبالتوسع في موازنات البوليس والرقابة على القادمين، أي «حراس الحدود»، حدود الدولة وحدود الناس. سياسة الحدود تعود بقوة إلى الواجهة مثلما في الزمن الذهبي للقوميات حتى الحرب العالمية الثانية. وهو ما يلقى تعزيزاً أشدَّ من الأنشطة الإرهابية لمجموعات إسلامية تشكل بدورها خصماً للدولة القومية، ومظهراً لأزمتها العالمية.
الميل العام هو اقتراب الدول كلها من الدولة السجن الأسدية.
*******

أياً تكن النهاية المحتملة للصراع السوري، من غير الوارد في تصوري أن يُستعاد نظام الحدود الزمانية والمكانية والسكانية مثلما كان قبل الثورة، إلا في ظل احتلال أجنبي قوي، وهذا نفسه يتعذر أن يستمر طويلاً، بفعل ما يثيره من صراعات داخلية وفي الإقليم والعالم.
فهل يُحتَملُ أن تتصلب الحدود السائلة الحالية شيئاً فشيئاً؟ أو يجري التوافق على نظام جديد يضمن تحكماً أوسع للجماعات بمناطقها، ضربٌ من الفدرالية أو الحكم الذاتي؟ سورية كدولة مركزية يصعب تصور عودتها، وليس مرغوباً. لكن إن كان لـ«سورية الأسد» أن تموت، ويجب أن تموت، فسورية الإسلامية، أي السنية، ليست بديلاً، ولا تبدو قادرة على توحيد نفسها على كل حال كي توحد سورية. ما يمكن أن يكون قطيعة مع الأسدية هو سورية السوريين العيانيين، التي يعرِّف سكانها أنفسهم بجوازات سفرهم وبحقوقهم المتساوية في بلدهم. وبينما يتعذر تصوّر ما يكون عليه حال المكان والسكان وحركتهم في سورية ما بعد الأسدية خلال عشر سنوات من اليوم، فإن تصوّر المكان الذي يمكن أن يكون موجهاً لتفكير المعنيين بمستقبل حرّ، هو ما يتوافق مع أوسع حركة في الداخل وإلى الخارج لأكبر عدد من السكان. دولة الحدود العالية، الدولة السجن ليست مثالاً، سواء كان السجنُ كبيراً أم صغيراً، وسواء انتصبت عليه سلالة أو إمارة دينية أو حركة عرقية.
حركة السوريين نحو تركيا وما وراءها الأوروبي، ونحو لبنان والأردن، والعراق بخصوص الكرد، تعطي فكرةً عن المجال الذي يتعين أن ينفتح عليه المجال السوري ويتكامل معه. ضمن اضطرارهم للجوء، السوريون اختاروا العالم والحياة في العالمحيثما تسنت الفرصة. لم يكتفوا بالنجاة من الموت، تصرفوا كأنهم يحملون جوازات سفر، وأعطوا أنفسهم "فيزات" إلى حيث يمكن أن تكون الحياة أفضل، مجازفين في كل حالة بحياتهم. هذا خيار ضد آباء حقيقيين وخياليين، ضد سلطات دينية نهرتهم عن التوجه إلى «بلاد الكفار»، ضد إملاءات «الهوية» والقومية، وضد الحدود. كل الحدود.