أمة أضحكت الأمم - أحلى من الشرف مَفيش

ماجد الحيدر
2015 / 11 / 21

أمة أضحكت الأمم
ماجد الحيدر
أحلى من الشرف مَفيش !

أذكر أنني كتبت مرة مقالة "عن العراقي الشريف والشيعي الشريف والسني الشريف والعربي الشريف والكردي الشريف وتعريف كلٍ منهم" وسألني أحدهم يومها عن تعريف الشرف والشريف عموما فوعدته بأن "أبحوش" في مصادري وأجيبه. وها أنا أفعل ذلك بعد تأخير مقداره سبعة أعوام فقط لا غير!
يقول صاحب لسان العرب:
"الشَّرَفُ الحَسَبُ بالآباء. شَرُفَ يَشْرُفُ شَرَفاً وشُرْفَةً وشَرافةً فهو شريفٌ والجمع أَشْرافٌ.. والشَّرَفُ والمَجْدُ لا يكونانِ إلا بالآباء، ويقال رجل شريفٌ ورجل ماجدٌ له آباءٌ متقدِّمون في الشرَف قال والحسَبُ والكَرَمُ يكونانِ وإن لم يكن له آباء لهم شَرَفٌ"
والمختصر المفيد لما تفضل به السيد أبو الفضل جمال الدين ابن منظور محمد بن مكرم الأنصاري الرُّوَيفعي الإفريقي هو أن الشرف يأتي بالوراثة أما الحسب والكرم فيمكن اكتسابهما بالممارسة!
لكن للأنكريز رأيا مخالفا. إذ يقول قاموس أوكسفورد:
الشرف (honesty) هي خاصية أن تكون شريفا. طيب وما معنى الشريف؟ يجيبك: الشريف (honest) هو الخالي من الغش والخداع ، الصادق والمخلص، كذلك ما يناله المرء بطريقة شرعية عن طريق العمل الشاق، ويضرب على ذلك مثالاً بعبارة an honest living ثم يتوسع ليقول إنها (أي الصفة) تطلق على ما يصدر من الأفعال بنيّة سليمة حتى لو كانت مخطئة ويضرب لذلك مثالا عبارة an honest mistake .
أما عن أصل الكلمة فيقول إنها مشتقة من اسم نبتة تحمل بذورها في قرون مثل قرون البازلاء لكنها شفافة تظهر ما تحتويه (المسألة إلها علاقة بالجعفري؟)
ونقرأ في موسوعة الويكيبيديا العالمية ما ترجمته:
يشير الشرف الى أحد أوجه الشخصية الأخلاقية ويفيد ضمناً عدداً من الصفات الإيجابية والفاضلة مثل الأمانة والصدق والاستقامة وبضمنها استقامة السلوك، علاوة على الامتناع عن الكذب والغش والسرقة الخ. أضف الى ذلك أن الشرف يعني أن يكون المرء جديرا بالثقة عادلاً وفياً مخلصاً.
ثم تورد مشكورة مثلاً قاله بنجامين فرانكلين (الصورته على المية دولار) وهو: الشرف أفضل سياسة (طبعاً مو بالعراق) تعقبه حكمة منسوبة الى توماس جيفرسون (الصورته على الورقة أم الدولارين) تقول: الشرف هو الفصل الأول في كتاب الحكمة (الحكمة مو الحكومة!)
غير أن العقل الشرق أوسطي له رأي ثالث في مفهوم الشرف: حيث يكاد ينحصر في العلاقات الجنسية للإناث تحديداً، إذ يسقط شرف الأنثى (ومعه شرف وسمعة ومكانة أسرتها) إذا انكشف (أو أشيع صدقا أو كذبا أو رجما بالغيب) أنها مارست فعلا جنسيا خارج إطار الزواج، أما الرجل فلا تضيره مثل هذه الممارسات ولا تخدش "شرفه" بل يعدها (هو ومجتمعه) عنواناً للفحولة والرجولة والفخار.
ولا تظنن أن هذا رأي العوام والسوقة بل هو (في كثير من الأحيان) رأي من يسمون أنفسهم مثقفين وأدباء وشعراء كما سنفصل في مقالة مقبلة، إذ نرى التفاخر بالخيانة الزوجية أو خيانة الحبيبة وتعدد العلاقات الجنسية (بشتى التبريرات) عنواناً بارزاً في أعمالهم من أيام الفرزدق ومغامراته التي تباهى بتوثيقها شعرا (فبتن بجانبيَّ مصرّعاتٍ ... وبتُّ أفضُّ أغلاقَ الختامِ)
صعودا الى جده امرئ القيس ( فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومُرضعٍ ..)
ونزولا الى حفيده نزار القباني (لم يبقَ نهدٌ أبيضٌ أو أسودٌ... إلا زرعتُ بأرضهِ راياتي)
الشرف إذن تعبير مطاط يختلف تعريفه باختلاف الزمان والمكان. ولا أظنك غافلا يا عزيزي القارئ عن ألوانٍ من الشرف لا تكاد تخطر على بال كثير من الشرقاوسطيين حكاماً ومحكومين مثل شرف الصدق والأمانة وشرف الالتزام بأوقات العمل وشرف الإخلاص فيه وشرف دفع الضرائب وشرف عدم التستر على الفاسدين وشرف الحفاظ على العهد وشرف الابتعاد عن النميمة وشرف المحافظة على المال العام والبيئة ونظافة الشارع والالتزام بأنظمة المرور الخ الخ وصولا الى شرف إطفاء الأجهزة الكهربائية التي لا تحتاج اليها!
ولأن القوانين وليدة مجتمعاتها وأنماط التفكير السائدة فيها فقد خصص مدونو القانون طائفة كاملة من الجرائم للمحروس "شرف" تختلف باختلاف المجتمعات فكان مما عرفوا به الجرائم المخلة الشرف كما تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر أنها " تلك التي ترجع إلى ضعف في الخلق وانحراف في الطبع، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الوظيفة ونوع العمل الذى يؤديه العامل المحكوم عليه ونوع الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها والأفعال المكونة لها ومدى كشفها عن التأثر بالشهوات والنزوات وسوء السيرة والحد الذى ينعكس إليه أثرها على العمل وغير ذلك من الاعتبارات".. أكص إيدي لو افتهمتوا!
ثم إن تلك المحكمة تفضلت علينا بتفصيل نوع منها هو هتك العرض فعرفته بأنه: كل فعل مخل بالحياء يستطيل إلى جسم المجنى عليه وعوراته ويخدش عاطفة الحياء عنده من هذه الناحية ولا يشترط لتوافره قانونا أن يترك الفعل أثراً بجسم المجنى عليه ومنها: الاتصال الجنسي الكامل بأنثى لم يبلغ سنها ثماني عشرة سنة كاملة بغير قوة أو تهديد وحمل أنثى لرجل أخر خلاف زوجها على الاتصال الجنسي بها بدون رضاء صحيح منه و ملامسة الفاعل جزء من جسم المجنى عليه يعد من العورات وإيلاج الفاعل .. (طووووووووط) قطع من المخرج!
على أن مشرّعي الحزب والثورة في زمن القائد الضرورة قد اجتهدوا في إضافة بعض الجرائم التي لم تخطر على بال الى هذه الطائفة مثل الهروب والتخلف من الخدمة العسكرية أو الانتماء الى بعض الأحزاب المحظورة الخ فلهم أجر اجتهادهم!
ولقد فكرت في أن أتوسع في الفائدة وأعدد لحضراتكم عدداً من العبارات التي تجري على ألسنة العامة وأشرح أصولها مثل "شريف روما" أو "صاير براسي عمر الشريف" لكنني آثرت الرفق بوقتكم الثمين فتوجهت الى الشارع متقمصا دور الباحث "العنتربولوجي" فكنفشت شعري ولبست قبعة صيد ووضعت غليونا في فمي وسألت رجلا من عامة الناس عن تعريفه للرجل الشريف فأجاب:
- شريف يعني مستور ومن عائلة شريفة ومحافظ على عرضه.
- يعني شنو عرضه؟
- شنو انته جاي من المريخ؟ عرضه يعني أمه، خواته، بناته، مرته، بنات عمه.
- ها.. هسه افتهمت. يعني الرجال حتى يصير شريف لازم نسوان عائلته شريفات.
- طبعا.
- زين شلون يصيرن شريفات؟
- آني أول ما شفتك قلت مخبل؟ متعرف شنو شريفات؟ يعني محافظات على عرضهن، ما عدهن مِنّا مِنّا ، ما عدهن قارش وارش!
- عمي هاي مال قارش وارش ما افتهمتها. شلون يعني؟
- أوهوو. هذا غير لوجه! بابه إلا نحجي بالقلم العريض؟ ما عدهن قارش وارش يعني ما يـ...(طووووووووط...)
وهنا تدخل المخرج وقطع الصوت من جديد!
وأحلى من الشرف ما فيش