لماذا ستفشل حربكم على - الدولة الإسلامية- إن لم ....

فلورنس غزلان
2015 / 11 / 18


ــ نريد تدمير" الدولة الإسلامية" ...نريد تحطيم" الدولة الاسلامية، نريد القضاء على" الدولة الإسلامية" ، كل هذه التصريحات والإرادات تخرج على ألسنة القادة الغربيين من فرنسا إلى أمريكا فروسيا وهلم جرا.
ــ طيران التحالف الدولي بقيادة وزعامة أمريكا يدك مواقع داعش في العراق وسوريا منذ حزيران 2014 حتى اليوم ، لحق به الطيران الروسي ثم الفرنسي مؤخراً، ناهيك عن الجيش العراقي والسوري على الأرض وفي السماء، ولم يحقق الجميع أي انتصار حساس ومؤثر أو يمكن تسجيله كانتصار مهم أو سيطرة على موقع استراتيجي يمكنه أن يشكل نقطة فاصلة تؤدي إلى تحرير مدينة عراقية أو سورية.. فمحافظة صلاح الدين والأنبار لم تحرر فيها مدينة لها موقع هام يقطع طرق التواصل بين أطراف داعش...و كي لانظلم .. تم تحرير مدينة " بيجي" وبعض القرى في صلاح الدين فقط ..وحتى اليوم لا الرمادي تحررت ولا سامراء ولا نينوى ولا كركوك ولا الموصل....وقد تمكن البيشميركة مؤخرا من تحرير سنجار..ناهيك عن حرب بشار الأسد على شعبه بالبراميل بدلا من حربه على داعش، فمقدار ماطال داعش ومراكزها لايكاد يُذكر أو يُحدث خدشاً مقارنة بما يصيب وأصاب المدنيين السوريين.
ــ إذن الحرب السماوية وحدها لن تستطيع تدمير ولا تحطيم ولا القضاء على " الدولة الإسلامية" عسكرياَ إن لم تتضافر معها حربا أرضية لجيوش مدربة ومقتدرة ومتمكنه من حرب العصابات، التي يتقنها ويتفنن في تفجيراتها " داعش وغيرها من الحركات المتطرفة. والتي تعتمد على التفجيرات الصادمة والمفاجئة كمقدمة لهجوم كاسح أثبت جدواه.
ــ علماً أن جميعنا مازال يذكر وعليه أن يُذَكِر كل من ينسى أو يتناسى أو يتغابى أن داعش خًلقت ونبتت أظافرها بعد خذلان العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة للثورة السورية بعدم دعمها وتركها فريسة لتدخل دول المنطقة والمتطرفين الإسلاميين ...الذين أطلق سراحهم من سجون بشار الأسد والمالكي وكلا منهما استخدم هؤلاء في صراعاتهم ..ولم يبدأ العد العكسي في ولادة " داعش" إلا في عام 2013 هذا على الصعيد العسكري أما الصعيد السياسي والأيديولوجي وهما الأهم:ــ
ـــ فالتخلص من داعش وآثارها لم ولن يتم إن لم تكن بالمقابل هناك حرباً ثقافية تؤسس لمجتمعات واعية تفهم وترسخ الإسلام كدين لا كدولة ولا كسياسة تقود وتحكم.
ــ وهذا يتطلب إنصاف الشعب السوري بإيجاد تسوية عادلة قابلة للحياة تقود إلى تشكيل حكومة ديمقراطية تعتمد تداول السلطة وتقطع كلياً مع الاستبداد والأنظمة الديكتاتورية العسكريتارية أو الممالك ذات الطابع المذهبي ...أي كل أوجه الاستبداد المعروفة في شرق وغرب متوسطنا. فالظلم والقمع ، الذي عانت وتعاني منه سوريا والعراق إلى جانب محيطهما المنقسم بين محاصصات شيعية ــ سنية تدور في أفق دولتين تتحكمان بخيوط الماريونيت في المسرح العربي، أي إيران فارسية الهوى والطمع شيعية الوسيلة ، والسعودية وهابية السلوك والشريعة غايتها نشر وتعميم هذه السياسة القائمة على تشريع التطرف السني الذي نشأ وترعرع في حظيرتها ومنه انطلقت حركات وجماعات التطرف الطالباني الأفغاني كابن لادن وقاعدته ثم داعش والنصرة ، دون أن ننسى كيف احتضنت ولأعوام هي ودول الخليج قاطبة حركة الأخوان المسلمين.والتي انقلبت عليها اليوم لتضارب المصالح والأدوار.
ــ هاتان الدولتان شجعتا ومازالتا تشجعان على تعميق وتوسيع مجال الحقد والكراهية بين أبناء المنطقة والشعب الواحد باتباعهما سياستي الاحتواء تارة والتفريق أخرى ، فكل منهما تعتبر نفسها ممثلة الله والمؤمنين على الأرض بل وحامية للإسلام ، وقد ثبت تاريخيا وعملياً أن هذه البلدان وأمثالها لاتؤمن بالآخر المختلف بل تنفيه وتعمل على محوه ، إبعاده أواستعباده ،ووجود أحكامها المغرقة في التخلف " كناطقة بالحاكمية الإلهية " أو الفقيه المعصوم" لاينتج عنها إلا انعدام عدالة واستهانة بالكرامة الإنسانية وبحقوق الفرد المواطن والمجتمع كذلك...فالمجتمع عبارة عن رعية تخضع وتطيع .
ــ إذن نستخلص مما سبق أن سوريا عندما رفعت رأسها تطالب بالحرية كانت البلد الأول المبادر نحو الانعتاق من هذا الإرث ...لهذا حوصرت ولعبت كل الأطراف العربية والعالمية على إجهاض ثورتها كي لاتفتح أبواب الحرية والمساواة والديمقراطية على مصراعيه أمام أبناء المنطقة بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو السياسية أو المذهبية...الآن سوريا تغرق ومن ورائها المنطقة برمتها...لأن من حفروا لسوريا لابد ويدفعون ثمن أعمالهم رغم كل محاولات النأي والحصار والانعزال أو الغرق في حروب استباقية دفاعاً عن أنفسهم وعن حكوماتهم كما هي حال حرب السعودية في اليمن أو ايران في " العراق وسوريا " وحزب الله اللبناني ودوره كذلك ... بالإضافة للدور التركي والقطري وعلاقاتهما مع النصرة وحركة أحرار الشام وجيش الإسلام ...الخ على سبيل المثال..
لكن الحاضر اليوم وبعد طول مدة الحرب ..وتدخل كل مغامري العالم وهواة الأسلمة فيها ...لابد من إعادة النظر في المعطيات على الأرض وفشلها الذريع إن لم تترافق مع عمل دؤوب وجذري يعمل على إعادة النظر بالإسلام السياسي وإبعاد الدين عن السياسة ..والتركيز على الأجيال التي خُلقِت وعاشت في خضم هذه الأحداث وانتُزعت منها مشاعر المحبة والتآخي الوطني والتسامح...لكن السؤال الأدق :ـ
ــ من هو الذي سيعمل على إعادة التأهيل المجتمعي والثقافي ؟
الحكومات القائمة هي التي أوجدت كل هذه الأمراض ورعتها...والأحزاب التقليدية الموجودة لم تهتم بتثقيف وتمتين روابط المواطن الإنسان وانتمائه الوطني بقدر ماسعت لمكاسب سلطوية هنا وهناك حتى في أحوج وأحلك اللحظات والأحداث، إذن نحن بحاجة لكوادر شبابية جديدة، واعية ،قابلة، ومتطوعة لتقديم مثل هذه الخدمات الثقافية من خلال أنشطة وجمعيات حرة مميزة ترعاها منظمات عالمية يُشهد لها بالنزاهة وتعتمد لائحة حقوق الإنسان كدستور وقانون ريثما يتم حسم وحل القضية السورية ، ننتقل بعدها إلى عملية بناء وإعمار للبلاد المدمرة والإنسان المُهجر والمدَمر كذلك.
وهذا يفرض أيضاً على الدول المحاربة لداعش عسكريا أن تحاربها ثقافياً داخل وخارج مجتمعاتها..في عملية تربوية غير تمييزية بين مواطنيها تقضي فيها...على الغيتو في الضواحي حيث بؤر الأسلمة والتطرف والإرهاب من خلال إعادة نظر بكل الوسائل السابقة الفاشلة في الاندماج ، والتي أدت لظهورأعشاش مثل هذه الحركات المتطرفة في ضواحي المدن البلجيكية والفرنسية والبريطانية والأمريكية...الخ وهذا الجانب وحده يحتاج لدراسة شاملة ودقيقة ..وبنفس الوقت عليها واجب أخلاقي وإنساني يدعم اللاجيء الهارب وتأهيله وإعداده فربما يساعد تأهيله في ايجاد كوادر قادرة على إعادة بناء الأوطان المتضررة كسوريا والعراق قبل غيرهما .

ـ باريس 18/11/2015