الحلّ أربع دول

راضي كريني
2015 / 11 / 18

18-11-2015
الحلّ أربع دول
راضي كرينّي
زارني صديق في المساء؛ ليقاسمني همومه الحزينة، وليؤرقني ويشغلني بحلّه الأرخميدسيّ والسليمانيّ.
قال: الآية 78 في سورة الأنبياء: "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ".
لم يسمح لي بالتساؤل، وتابع مفسّرا: دخل رجلان على داود ليحكم بينهما، أحدهما صاحب كرم/حرث، والثاني صاحب غنم. فشكا صاحب الكرم همّه إلى داود، فقال: إنّ صاحب الأغنام أدخل غنمه بالليل إلى حرثي؛ فأهلكتْه، وأكلته، ولم تبقِ لي فيه شيئا. فحكم داود: أن يتبادلا المُلك؛ فالغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه .. استفظع سليمان الحكم؛ فسأله والده: ما هو الأرفق بالفريقين؟ فقال سليمان: تُسلّم الغنم إلى صاحب الحرث، وتسلّم الأرض لصاحب الأغنام ليقوم بها؛ فإذا عاد الكرم إلى هيئته وصورته قبل دخول الغنم إليه، أعاد كلّ منهما الملك إلى صاحبه.
سألت: ما هي المشكلة، وما هو الحلّ، وكيف؟!
قال: لم يعد الصراع صراعا طبقيّا، لم نعد نعرف الربح والقيمة الإضافيّة، ومَن هو البرجوازي المستغِلّ، ومَن هو البروليتاري والمستغَلّ. اليوم، لا تهمّ الفقير المعدوم ثروة الرأسماليّ وامتلاكه لوسائل الإنتاج، ولا كيف جمعها وعلى حساب مَن .. فالصدام أصبح قوميّا ودينيّا وربّما حضاريّا، كما ادّعى هنتجتون. لا يريد اليهوديّ العربيّ، والعكس صحيح. هذا يريد القدس له من أجل الأقصى، وذاك يريدها من أجل المبكى، وآخر من أجل القيامة!
- لم أجب، لكنّني لم استغرب الحديث؛ فكان له الدليل على موافقتي.
فقال: اليوم عدد اليهود في العالم حوالَيْ 14 مليونًا، 6 منهم في إسرائيل، حزء كبير منهم يحمل جواز سفر آخر. وعدد الفلسطينيّن حوالي 12 مليونًا، منهم زهاء 4.5 في الضفّة والقطاع، و 1.7 في إسرائيل. واليوم، أصبح اللجوء، والتشريد، والطرد، والتهجير، والاستيعاب، والتوطين، و... ونصب الخيام أمرا مألوفا، ومتّفقا عليه.
لم أجب، وأظهرت ارتياحا. فتابع حديثه وقال: الدول العظمى أسهمت في تعقيد المشكلة، علّها تسهم في حلّها!
-كيف؟
قال: أولا، يخلون فلسطين التاريخيّة من السكان الحاليّين، ومن السلاح لسنة، ليتخلّص السكان من التعب؛ فليسافر كلّ حيث يشاء، سنة استجمام على حساب الدول العظمى. وخلال هذه السنة، يدخلها علماء وفنيون و... من الدول العظمى، تُقسّم فلسطين إلى أربع دول ذات علاقات اقتصاديّة ودبلوماسيّة وأمنيّة متبادلة النفع، وتُعدّ لأفضل سكن، وعيش، واقتصاد، وبنية تحتيّة، وأمنيّة، وتُملأ بوسائل الراحة والمتعة والأمان والإيمان، لكلّ حسب رغبته وحاجته: دولة القدس للمتديّنين، يستعينون فيها بالتقنيّات والاختراعات ... ويجعلون فيها الحدود بين دور العبادة وأماكن العبادة واضحة وفاصلة، وعازلة للصوت، ويتمّ الدخول إليها، والخروج منها، والصلاة فيها، بدون احتكاك بين الأطراف، ودولة أخرى للمتشدّدين اليهود، وثالثة للعرب، ودولة ديمقراطيّة للشعبين .. ثمّ يعود الداخلون إلى أوطانهم، وكلّ عربيّ ويهوديّ خرج من فلسطين إلى إحدى الدول الأربع، بناء على اختياره.
ثانيا، أليس هذا بحلّ أوفر من صرف الدول العظمى على المؤتمرات، والمؤامرات، والهيئات، والاجتماعات، و...؟!
ثالثا، وبعد أن يقوم أبناء العمّ بالأربع دول، حيث "مِن كلّ حسب قدرته ولكلّ حسب حاجته"، حيث لا ملك ولا تعويض ولا عودة ولا لجوء... وبعد أن تعمّ الثقافة الإنسانيّة، وتطيب الجيرة الحسنة، نوحّد الأربع دول في دولتين، وفقا لحكم سليمان، ثمّ نجمعهم في دولة واحدة "إسراطين" وفقا لحكم القذافيّ!