ماذنب اللغة حين تُستَعبَد؟

فلورنس غزلان
2015 / 11 / 10


نطوع اللغة ...نُخضعها لرغباتنا وكي تلبي طموحاتنا ...نضعها في أسفل الدرجات أو أرفعها...كي تحقق لنا أغراضنا...لاضير حين نكون صادقين مع أنفسنا ومع المجتمع...أو مع التاريخ...لكن أن نُحَوِّل اللغة لوسيلة تقلب الموازين والأعراف...تغير المفاهيم وتعكس القِيم...تجعل من الجبان بطلا ، ومن المتخاذل والنذل ...نزيهاً ونبيلاً!!...من القاتل والسفاح ...محارباً فذاً لنصرة الحق وإقامته!...أن نجعل اللغة أداتنا لتشويه صفحات الشعوب والأمم...لتدمير مقدراتها...لقلب كياناتها ...تحت مسميات نضالية وحقوقية..رغم أن من نتوجه لهم ....يملكون عيوناً، وآذاناً وعقولاً...وهذا يعني أنا نستغفلهم ...أو نستغل جهلهم ، فنزيد عليه ونسخرهم ..لأغراض قذرة ...تعيدهم إلى أحضان العبودية...وهنا نصبح أكثر إجراماً من المجرم نفسه...حين نستخدم قدرتنا الكتابية لتلميع صورة قاتمة مغرقة في الظلامية الفكرية...فتتحول أقلامنا لمعاول هدم ...بدلاً من أن تساهم ببناء الفكر الإنساني..وتفتح عيون من ينتظر منا كلمة يمكنها أن تنقله نحو نور الحقيقة، الذي تخفيه الأقلام والأدوات السلبية وراء لغتها الكاذبة ...المسخرة بفعل الدولار ومايشبهه من عملات ...لها مفعول السحر عند النفوس الضعيفة والعقول القابلة للشراء...وكي أُقرِب لكم المسافة وأدخل في المحسوس من الأحداث...أطلق لكم إشارات وأسماء تمر عليكم كل يوم ...ويمررها ويكتبها بعضكم لتغدو صيغة متداولة ...فيما بينكم وتغير من مفاهيمكم دون أن تقفوا منها موقف المشتبه به، أو الرافض لتداوله باعتبارها عملة لغوية مزيفة..
ــ فإعادة الأمل ....هي اسم الحرب الدائرة في اليمن، والتي لم تبق فيه حجرا يشير لمعالم حياة...ولم تحرر فيه إلا مدينة واحدة سموها عاصمة ثانية...رغم افتقارها للاستقرار.
ــ وحرب على الإرهاب ...تسمية يطلقها النظام السوري وأعوانه وحلفاءه، منذ ماينوف على الأربع سنوات دمر فيها الحجر والشجر والإنسان، وأدخل على البيت السوري كل مغتصبي الحياة ، والحالمين بثروة ما ...أو سلطة ما تعيد لهم مجداً ضائعاً...ولا يعترف بأن ماقام في سوريا يمكنه أن يكون ثورة على ظلمه وظلم أبيه منذ نصف قرن من الزمان...
ــ وداعش ..تصغير لتسمية الخلافة الإسلامية المأمول قيامها ...لكل شذاذ الأرض وشواذ التاريخ...
ــ ورغم محبتنا لبغداد كعاصمة للعراق...لكن كريزا من الحساسية والرجفة الهستيرية تنتابنا ..عند انتماء " البغدادي " لها...
ــ ورغم ارتباطنا ومطالبتنا بحقنا في الجولان ...وأنه جزء لايتجزأ من الوطن السوري...لكن ارتباطه باسم جزار غاشم ك" الجولاني" أيضا نحاول أن ندفنه في الأرض ونتمنى اختفاءه عن وجهها....وسنعمل على إطلاق تسميات أخرى على مجرمي العصر...بدلا من هذه المتلازمات ...المتعلقة بوطن وتاريخ وأرض.
ــ أما الحرب التحريرية...فقد اخترعتها الأقلام المأجورة بعهد المقبور الأسد الأب حين أضاع الجولان ..أولا ثم ..سعى مع " كيسينجر" لإعادة مدينة القنيطرة المدمرة ..بلا عودة لسكانها أو للحياة فوق أرضها.
ــ أما انقلابه على رفاقه ، فقد أطلق عليه " حركة تصحيحية" ...صحح من خلالها كل المفاهيم وقلبها وقولَب التاريخ والمؤسسات وائتمن عليها كل لصوص الأسرة وقطاع الطرق...ليمهدوا له الاستملاك الأبدي له ولعائلته! ..
ــ ناهيك عن تسميات تحمل كل معاني التدجيل والأحابيل والتزييف تُطلَق على أحزاب مذهبية مغرقة في العمى الطائفي...تلصق بها أسماء الله كي تمنحها قدسية إلهية...مع أن أفعالها أكثر نجاسة وصفاقة وإجرام من أوسخ وأكثر صفحات التاريخ سواداً ...فهذا " حزب الله"...يعني أنشأه الله نفسه ! وطالب العالم أن تنتمي له!!! وأن تأتمر باسم من نَصَّبَ نفسه فوق رايته الصفراء " سيداً"!!!.
وذاك " أنصار الله" وآخر أنصار الشريعة ...وذاك جيش الإسلام...وآخر وآخر...ونحن ندور على أنفسنا ونغرق في حفر من الأسماء تنبت وتتكاثر كالفطر السام...والكثير منا يسقط في هذا الفخ أو ذاك عن وعي أو عن جهل...والجاهل يعتقد نفسه أنه الصالح الوحيد والأكثر انتماء والأحق بجنات النعيم...
سأسامحكم بها جميعها..خذوها انقعوها واشربوا ماءها وكأنها عشبة الترياق التي ستحملكم إلى عدن..ولا أقصد عدن اليمنية بل عدن الجنة.....الموعودة...ودعوني وشعب سوريا في جحيمنا....لأن ناره لاتحرق سوانا...لكني أرجو أن من أصابته نارها ...أن يصحو من غيبوبة الأسماء، ومن عمالة اللغة ، ويعود لما أطلقه عليه والديه ولهوية يحملها فوق جبينه وتسري في عروقه...واسمها سوريا ، منها انطلق وإليها سيعود وعلى اسمها يُسمى..
باريس 10/11/15