مصر رايحه لفين

رفعت عوض الله
2015 / 11 / 10

مصر رايحة لفين ؟
أنا مواطن مصري عادي ،واحد من ملايين المصريين الذين يحبون مصر ويتمنون لها كل خير . واحد من الذين يؤرقهم كم التدهور والفشل وتردي الحياة التي يحياها غالبية المصريين .
من حق المصريين بوصفهم بشرا وتاريخهم يعود لآلاف السنين ان يعيشوا في كرامة وعدالة وحرية وإزدهار ، وان يخرجوا من كهف الفقر والمرض والجهل الذي هم ماكثون فيه ، حياتهم يغلفها البؤس وتغييب العقل والتسلط والتحكم وإستغلال الدين في تكبيل عقولهم وإرادتهم .
عاش المصريون عبر تاريخهم الطويل الممتد وهم محكومون من قبل الاجانب الغرباء ،وذلك منذ سقوط اخر ملك مصري علي يد قمبيز الفارسي في سنة 525قبل الميلاد ،توالي علي حكم مصر وقهر وإستغلال المصريين الفرس واليونان والرومان والعرب والمماليك والعثمانيين ..كل اولئك الغرباء أستغلوا مصر والمصريين أبشع إستغلال ،وتفننوا في قهر وإذلال المصريين وإحتقارهم والحيلولة بينهم وبين التحضر والترقي والتمتع بخيرات بلدهم مصر ..وهكذا كان تاريخ مصر والمصريين سلسلة طويلة من المعاناه والظلم والقهر وحرمان المصريين من نتاج كدهم وتعبهم في الحقول .
في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ومصر والمصريون يرسفون في أغلال الحكم العثماني الذي بسط سلطانه الجائر باسم الإسلام والخلافة الإسلامية ،فُتحت طاقة نور في كهف المصريين المظلم ،فقد أرسلت فرنسا حملة بحرية حربية علمية اجتماعية لمصر بقيادة القائد العسكري الشهير نابليون بونابرت .
تلك الحملة كانت اول اتصال مباشر بين مصر والمصريين الجهلاء المتخلفين والعالم المتحضر الذي يعيش عصره ..إنبهر المصريون بما شاهدوه وعاينوه ...المهم أدرك المصريون ان هناك عالما أخر قوي متحضر متمكن من العلم وإعمال العقل ،يحترم إنسانية وحرية البشر وحقوقهم .
كانت اول ترجمة لهذا الوعي الجديد هورفض المصريين للوالي العثماني وخلعه في تحد سافر لدولة الخلافة والسلطنة العثمانية ،بل والرابطة الدينية الإسلامية ،وتنصيب الرجل القوي محمد علي واليا ،ولاول مرة بشروط المصريين .
كان محمد علي رجل دولة من الطراز الاول ،وكان بعيد النظر وطموح فاراد بناء مصر دولة قوية ذات شان .
فكيف يحقق هذا الحلم : اولا بالتخلص من المماليك، ثانيا بان يتعلم المصريون فارسل البعثات لاوروبا ،وانشأ المدارس الاولية والعالية ،ثالثا بإنشاء جيش حديث ،رابعا بتأسيس المصانع التي تخدم الجيش وتقدم له إحتياجاته ، خامسا بتحديث الزراعة والتوسع فيها
كان خطأ محمد علي القاتل هو طموحه في ان يرث أملاك السلطنة العثمانية في الشام وجزيرة العرب ..هنا أصطدم مع الدول الإستعمارية الكبري في ذلك الوقت والتي كانت تخطط للحلول محل الرجل المريض " تركيا" في المنطقة المسماة بالعربية ،فعملت تلك القوي علي نزع أنياب محمد علي فكانت معاهدة 1840 التي حجمت بل قضت علي طموح محمد علي ...لو ركز الرجل جهوده الجبارة علي مصر وداخل مصر فقط لكان من الممكن ان ينجو من إتفاق الغرب عليه . !
مات محمد علي في سنة 1848 وخلفه أبناؤه الذين لم يسيروا علي دربه في التحديث إلي ان جاء حفيده الخديوي إسماعيل الذي كان له بعض من طموح وعقلية جده الكبير فحدث القاهرة وفتح المدارس التي أٌغلقت بعد رحيل محمد علي وشق ترعا ومصارف جديدة ،وانشأ مدنا جديدة " الإسماعلية " باختصار شهد عصره إزدهارا فعليا ....ولكنه كان مسرفا مصابا بدأء العظمة فلم يلتزم حدود إمكانات خزانته فأستدان وجره هذا الامر إلي ان يُعزل ويأتي بعده توفيق الضعيف الذي في عهده جاء الإحتلال البريطاني لمصر .
في عهد توفيق ومن جاء بعده ارتدت مصر للوراء وساء حال المصريين ،ولكن بقي الوعي وتراكم من خلال التعليم والصحافة والسفر لاوروبا ...صار للمصريين نخبة مثقفة واعية وطنية تريد ان تكون مصر للمصريين وان تتحدث وان تخرج من كهف الفقر والمرض والجهل .
تبلورت إرادة النخبة المخلصة في السعي لإنشاء الجامعة الاهلية "جامعة القاهرة حاليا " وقد كان في سنة 1908 ،وأبضا في تأسيس الحزب الوطني الذي ناضل بزعامة مصطفي كامل من أجل رحيل الإنجليز وبقاء مصر في إطار الجامعة الإسلامية ودولة الخلافة ،وأيضا في حزب الامة بزعامة المفكر الكبير احمد لطفي السيد الذي نادي بأن مصر للمصريين وأن تحديث البلاد وتعليم المصريين وتحضرهم مقدم علي المطالبة بالاستقلال ورحيل الإنجليز.
مع نشوب الحرب العالمية الاولي 1914_ 1918 فرضت بريطانيا الحماية والإنتداب علي مصر مع وعد بمنحها الإستقلال بعد أن تضع الحرب اوزارها .
إنتهت الحرب وخرجت بريطانيا منتصرة ولكنها لم تف بوعدها ،مما دفع النخبة المصرية الي تشكيل وفد لمفاوضة الإنجليزعلي الجلاء ،برئاسة الزعيم الوطني سعد زغلول والذي لم يكن قد صار بعد زعيما ..تأزمت الامور فأبتكرت لجنة الوفد فكرة التوكيلات ،وقد كان ....وكان نفي سعد ورفقاءه سببا مباشرا في إشتعال الثورة والرفض للإنجليز والمطالبة بالإستقلال ..تلك الثورة عمت البلاد وأشترك فيهاالعمال والموظفون والطلبة والفلاحون والمرأة المصرية لاول مرة .
كانت النتيجة الاولي والاهم لهذه الثورة الشعبية العظيمة هو تبلور مفهوم الوطن والمواطنة من خلال الشعار الخالد " الدين لله والوطن للجميع " فتجاوز المصريون لاول مرة في العصر الحديث مفهوم الرابطة الدينية وخروجا منه لمفهوم المواطنة ،وهكذا التحم المصريون مسلمين ومسيحيين في الثورة بل أن شيوخ الازهر خطبوا في الجماهير من منبر الكنيسة المرقسية الكبري بكلوت بك ،وخطب القس الوطني جاورجيوس وغيره من رجال الدين المسيحيين من علي منبر الأزهر .
أقبل المصريون علي تشرب وإستيعاب قيم الحداثة من علمانية وتنوير وليبرالية وديمقراطية ومساواة المرأة بالرجل وحقها في السفور والتعلم والعمل .
إنعكس كل هذا في دستور 1923 الذي جسد قيم الحداثة والحضارة فأصبحت مصر مملكة دستورية فيها الملك يملك ولا يحكم والذي يحكم مجلس وزراء مسؤول ومراقب من قبل مجلس نيابي منتخب .
في الفترة مابين 1919 و1952 قطعت مصر شوطا لا بأس به في طريق الحداثة وقيمها وتعميق مفهوم مصر الوطن والمواطنة .
فرغم وجود الإسلام السياسي ممثلا في الأخوان المسلمين وغيرهم إلا أن الطابع شبه العلماني شبه الليبرالي كان واضحا في الدولة والمجتمعات .
النكوص والارتداد عن المضي في طريق الحداثة جاء مع حركة يوليو العسكرية التي اطاحت بالملك بدعوي فساده وفساد الحكومة ،والذي أرتكب خطيئة كبري في حق مصر بأقدامه الاحمق علي إلغاء الاحزاب السياسية مع إبقائه علي تنظيم الإخوان المسلمين ..الاخوان المسلمون لا يؤمنون بالحداثة والديمقراطية وينظرون للغرب علي انه كافر ، ضباط يوليو 52 كذلك لا يؤمنون بالحداثة والديمقراطية وينظرون للغرب علي انه إستعمار علينا ان نحاربه بأسم القومية العربية والخصوصية الإسلامية .
وهكذا تنكرت مصر لمسار ثورة 1919 ودستور 1923 وعادت الغرب ونظرت له نظرة احادية فهو ليس إلا أستعمار وأستغلال وقهر ،عبدت طريق الحاكم الفرد الملهم الذي تأتي قرارته من شخصه والحلقة المتحلقة وحده ،يسوس امور البلاد والعباد بروح الأب المسيطر المتحكم ،والذي يلهب حماس الجماهير بقرارت عنترية ليست مدروسة وقد تكون نتائجها وخيمة .
أنسحب الناس من المشاركة وانتظروا الدولة ان تعولهم وتعمل من اجلهم فانتهت المبادرات وروح الابتكار والتجديد ،ولم يمح النظام الجديد بخروج عن المسار المحدد سلفا بل أُعتبر كل خروج هو خروج عن الإجماع الوطني ويضرب مكاسب الشعب في الصميم ....كمم النظام الأفواه وقمع الحريات وصادر كل رأي او عمل مستقل فأمتلأت المعتقلات بسجناء حرية الرأي وامعن النظام في تعذيبهم وقهرهم وإذلاهم وإمتهان إنسانيتهم . ...
في ظل تلك الاوضاع زادت وتيرة النفاق ومديح الزعيم وأستشري الفساد ،وكان التعيين في المناصب من نصيب حزب الثقة والولاء وليس حزب الخبرة والكفاءة ،ومع الزيادة المطردة في السكان بدأ السوس ينخر في البنية المصرية فشاخت المدن التي حاصرتها المناطق العشوائية الخارجة علي القانون والتنظيم واصبحت مدن مصر الجميلة كالأسكندرية مدنا قبيحة تعج بالزحام والضجيج وتدهور البنية التحتية ،وما حدث للمدن حدث للمستشفيات والمدارس والتعليم الجامعي لماذا لان من هم في موقع المسؤولية ليسوا اهلا لها ، ولان هناك قرار ورؤية واحدة للزعيم والجميع ينافق في القول بصواب تلك الرؤية ولايُوجد من يجرؤ علي نقد او تصحيح . !!
أصبح الجميع مجرد موظفين ينصاعون بالقرارات الفوقية وينفذونها دون تفكير وينحصر كل همهم في كيفية البقاء في مواقعهم من خلال الولاء والطاعة وليس من خلال حل المشكلات وجعل حياة الناس أقل سوءا .
ثار المصريون ضد مبارك وأسقطوه وطالبوا بعدالة وكرامة وحرية لم تتحقق فقد ورث مبارك المجلس العسكري الذي هو أبن لمبارك ويوليو 52 والذي تقهقر امام الاسلام السياسي ممثلا في الإخوان المسلمين والذي بينه وبينهم قواسم مشتركة ،فسلمهم حكم البلاد ...خطط الأخوان المسلمون للبقاء في الحكم وتنفيذ اجندتهم الفكرية الدينية وإقامة دولة اسلامية ماضوية في مصر .
ثار المصريون مرة اخري ليس ضد الإسلام والحكم بالدين ولكن تحديدا ضد فاشية الإخوان وعجرفتهم وتسلطهم وفشلهم ،فما كان من الجيش الوطني إلا ان ناصر وأيد المصريين فتم بقرار بطولي جريئ عزل محمد مرسي ووضع خارطة الطريق ودعوة المصريين للألتفاف والأصطفاف في وحدة وطنية .
بعد رئيس مؤقت ووضع دستور جديد تم إنتخاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي رئيسا ..المصريون أعطوه أصواتهم تقديرا منهم له لوطنيته وإخلاصه وشجاعته في وضع نهاية لحكم الإخوان .
واليوم بعد مرور حوالي 17 شهرا من حكم السيسي امور بلادنا في حالة لا ترضي احدا وهذا ليس بسبب قصور في شخص الرئيس، فها هي الازمات تعصف بالمصريين وتفاقم من عذابهم ،وهاهي مدينة الأسكندرية التي كانت فيما مضي مدينة جميلة مخططة وبنيتها التحتية مستعدة لتحمل السيول تغرق كما لوكانت مدينة عشوائية بلا مرافق .
كل مرفق في بلادنا يعاني شيخوخة وفسادا وإدارة تسلطية ذات عقل جامد متحجر ...نظرة واحدة علي حال التعليم والعلاج والطرق والزحام والعشوائيات والخروج علي القانون وغول البناء علي ألارض الزراعية والعمارات الشاهقة المخالفة في الحواري والأزقة والرشاوي وفساد المسؤولين والموظفين والبلطجة في الشوارع والتوك توك والقمامة التي تميز وتدل علي الشوارع ،وانانية وسلبية الناس وتخليهم عن الكرامة والشرف ،فقط هم يريدون ام يعيشوا .
نعم إن الرئيس ليس مسؤولا مباشرة عن كل هذا الخراب فهو يعود لعقود طويله قبله ولكن المعضلة والمشكلة هي في طريقة إدارة الدولة ..نحن في حاجة للتخلص من الحكم الأبوي ،نحن في حاجة لنربي المصريين علي أن الشأن العام شأن الجميع وكل فرد . نحن في حاجة لزرع قيم العلمانية والعقلانية والعلمية والديمقراطية في عقول المصريين بعد طول غياب . نحن في حاجة لان يتولي المناصب الكفء المبادر المبتكر النظيف وليس من يدين بالولاء ،نحن بحاجة لفرض القانون ومحاربة الفساد . نحن بحاجة لأن تكون قيم الكرامة والحرية العدالة وحقوق الإنسان والمواطنة هي القيم الحاكمة السائدة . نحن بحاجة لأن نعيش العصر ونتصالح معه ....لو فعلنا هذا لأصبحت مصر ام الدنيا وقد الدنيا بحق .
رفعت عوض الله
كاتب وباحث