جون درايدن - أغنية لعيد القديسة سيسيليا

ماجد الحيدر
2015 / 11 / 10

أغنية لعيد القديسة سيسيليا
شعر: جون درايدن
ترجمة: ماجد الحيدر

جون درايدن
Dryden, John (1631-1700) : شاعر وناقد وكاتب مسرحي إنكليزي، يعد أهم شخصية أدبية في عصر استعادة الملكية (وهي الفترة التي أعقبت الثورة الإنكليزية بقيادة لورد كرومويل بين عامي 1640و 1660).
عمل بعد تخرجه من جامعة كامبرج موظفاً في حكومة اللورد أوليفر كرومويل قائد الثورة الإنكليزية التي أطاحت بالملكية، وكانت أول أعماله المهمة في رثاء الأخير عام 1659. لكن درايدن سرعان ما تحول الى نصير للملكية بعد انهيار الثورة وعودة الملك تشارلز الثاني. بدأ درايدن كتابة الأعمال المسرحية في عام 1662 لتكون مصدرا لعيشه. ورغم أن محاولته الأولى وكانت كوميديا بعنوان (زير النساء الجامح) لم تلاق النجاح فقد تحول خلال السنوات العشرين التي تلت الى أبرز كاتب مسرحي في إنكلترا بفضل العديد من المسرحيات الكوميدية والتراجيدية والأعمال الأوبرالية مثل (السيدات المتنافسات1664)، (الملكة الهندية 1664)، (الإمبراطورة الهندية 1665)، (حبٌ في المساء 1668)، (سيدات على الموضة 1668)، (الزواج على الموضة 1672)، (احتلال غرناطة 1670)، (المدبر الرحيم 1678، وقد منعت بدعوى الفحش والبذاءة رغم أن العصر كان يتسم بالانفتاح والتساهل في هذه الأمور)، (في سبيل الحب 1678 وهي نسخة من حكاية أنطوني وكليوباترا وتعد أعظم مسرحياته ) وغيرها. أما في الشعر فقد كتب قصيدته الشهيرة (السنة العجيبة 1667) وهي تستلهم أحداث العام 1666 ومنها انتصار الأسطول البريطاني على منافسه الهولندي وحريق لندن العظيم.
أما أهم أعماله النثرية (مقالة في الشعر الدرامي 1668) فقد كانت الأساس لشهرته كأبٍ للنقد الأدبي الإنكليزي. عين في العام نفسه شاعراً للبلاط (poet laureate) ، ثم عين مؤرخاً رسميا للبلاط عام 1670. في عام 1681 كتب أول وأفضل أعماله السياسية الساخرة (أبشالوم) وهي قطعة رمزية بارعة وظف فيها شخصيات وأحداث من الكتاب المقدس للسخرية من خصومه السياسيين، ثم أردفها بجزء ثان أسماه (الوسام 1682).
شهد عام 1685 تبدلاً آخر في معتقداته إذ تحول في أعماله من نصير متحمس للبروتستانتية الى مشايع للكاثوليكية ويقال أن السبب يعود الى اعتلاء جيمس الثاني (وهو الكاثوليكي المتزمت) عرش إنكلترا في ذلك العام، لكن اندلاع ما يسمى بالثورة المجيدة (The Glorious Revolution ) عام 1688 وما تبعها من اعتلاء الملك البروتستانتي وليم الثالث لم يغير من معتقدات درايدن الدينية، رغم أنه خسر ألقابه وراتبه التقاعدي، فعاد الى الكتابة للمسرح لكنه لم يلق نجاحا كبيراً، وعندها تكشفت موهبته العظيمة الأخرى وهي الترجمة الأدبية والشعرية على وجه الخصوص، فترجم أعمال الشاعر اللاتيني فرجيل (1697) لكنه رجع وكتب واحدة من أعظم قصائده الغنائية (وليمة الأسكندر 1697) التي كتبها مثل سابقتها (أغنية لعيد القديسة سيسيليا 1687) خصيصا لفرقة لندن الموسيقية. وأخيرا، وفي عام 1699 كتب آخر أعماله المنشورة (خرافات قديمة وحديثة) ترجم فيه أو أعاد صياغة أعمال أوفيد وهوميروس وبوكاشيو وجوسر في قالبٍ شعري وكتب له مقدمة مسهبة تعد من أهم مقالاته الأدبية.


أغنية لعيد القديسة سيسيليا(1)

جون درايدن
من انسجامِ الأنغامِ ، من الانسجامِ السماويِّ
هذا الهيكلُ الكونيُّ قامَ.
ساعةَ كانتِ الطبيعةُ تنوءُ تحتَ ركامٍ
من ذراتٍ متنافراتٍ
فلا تستطيعُ لرأسِها رفعاً.
من بعيدٍ بعيد .. جاءَ الصوتُ الرخيمُ:
"انهضْ أيها الميتُ.. أيها الأكثرُ مِن ميتٍ"
فإذا بالحَرِّ والبردِ ، والنداوةِ والجفافِ
تطيعُ سلطانَ الموسيقى
وتثبُ في انتظامٍ .. كلٌّ لِموضِعِهِ.

من الانسجامِ .. من الانسجامِ السماويِّ
هذا الهيكلُ الكونيُّ قامَ.
وطافَ النغمُ اللذيذُ
من انسجامٍ لانسجامٍ
عابراً كلَّ نطاقِ الألحانِ
لينتهي في الإنسان.
**
أيةُ عاطفةٍ لا تقدرُ الموسيقى
على إعلائِها .. أو على قمعِها!
حين ضربَ جوبالُ (2) على آلتهِ
وخرَّ الإخوةُ المنصتونَ .. القائمونَ من حولِهِ
على وجوههم ساجدينَ
للصوتِ المقدَّسِ العجيبِ:
"إن إلهاً في الأقلِّ
لا بدَّ ساكنٌ فيها
وإلا فمَن ذا الذي ينطقُ مِن جوفِها
بكلِّ هذا الحسنِ والعذوبةِ؟"
أيةُ عاطفةٍ لا تقدرُ الموسيقى .. على إعلائها .. أو على قمعها!
**
نفيرُ البوقِ الزاعقِ
نسمعُهُ .. فنهبُّ للقتالِ
مطلقينَ نُذُرَ الموتِ
وأنغامَ الغضبِ الصاخباتِ.
وقرعُ الطبولِ المدوّي
-ضربتينِ ضربتينِ ضربتين-
يصيحُ بنا : أن اسمعوا .. قد دَنا الأعداءُ
فهاجِموا .. هاجِموا.. هاجِموا
قد فاتَ أوانُ الارتدادِ
**
والنايُ العليلُ الحزينُ
يعرّي آلامَ العُشّاقِ اليائسين
بنغماتٍ تخبو وتموتُ..
ويهمسُ العودُ المغردُ .. بشجيِّ ألحانِهِ.
**
بصوتِها الثاقبِ تعلنُ الكمَنجاتُ
يأسَها ، غضبَها ، وخزاتِ غيرتِها ، وسخطَها المستعرِ ،
أعماقَ آلامها وذُرى عشقِها
للحسناءِ المتكبرةِ المزدريةِ
**
لكنْ آهٍ ! أيُّ فنٍّ يقدرُ أن يُعَلِّمَ
وأيُّ صوتٍ يقدرُ أن يضاهيَ
مدائحَ الأرغنِ الإلهيةَ؟
إنها لَنَغماتٌ تُلهِمُ الحُبَّ المقدَّسَ.
نغماتٌ تشقُّ بأجنحتها دروبَ السماءِ
لتُصلِحَ تلك الأجواقَ التي تنشدُ في الأعالي.
**
قد يقودُ أورفيوسُ (3) السلالةَ المتوحشةَ
فتغادرُ الأشجارُ جذورَها وتسيرُ معهُ
وتتبعُ طائعةً رَنّاتِ القيثارِ ،
لكن "سيسيليا" البهيَّةَ عَلَتْ عليهِ في المعجزاتِ
حين كسا الربُّ أرغُنَها بأنفاسِ الأغنياتِ
وتناهى الصوتُ الى ملاكٍ
فبرزَ مِن فَورِهِ
متوهِّماً ... أنَّ الأرضَ هي السماء!


هوامش:
1- القديسة سيسيليا (Cecilia, Saint (?-230?) قديسة وشهيدة مسيحية تتحدث الأسطورة بأنها كانت تنشد لله في قلبها ولذلك صارت راعية للموسيقى. كما تذكر الأسطورة أنها كانت مخطوبة لشابٍ إسمه فاليريان كانت قد حولته الى المسيحية وبأنهما قُتلا لرفضهما عبادة الآلهة الرومانية، ويقال إنها رميت في حوض يغلي لكنها خرجت منه سالمة ثم حاول الجلاد قطع رأسها ثلاث مرات لكنه فشل ولم تمت إلا بعد ثلاثة أيام. نقل رفاتها في القرن التاسع الى الكاتدرائية المعروفة باسمها في روما. إحتفل العديد من الشعراء الإنكليز بذكراها ومنهم جوسر والكسندر بوب ودرايدن كما كانت مادة للكثير من لوحات الفنانين. يصادف عيدها الثاني والعشرين من نوفمبر من كل عام.
2- جوبال: سليل لقابيل، يذكر سفر التكوين كونه سلف العازفين على القيثار والأُرغُن.
3- أورفيوس (Orpheus) في الميثولوجيا الإغريقية: شاعر وموسيقار، ابن أبوللو من ربة الفنون كاليوبي. منحه أبوللو القيثارة وصار أعظم العازفين في الأرض. حتى أنه -حين يغني أو يعزف- كان يحرك كل حي وجماد فكانت الأشجار والصخور تتبعه وتصغي إلية وكانت الأنهار تغير مجاريها لتواكبه. عشق أورفيوس الحورية الحسناء يوريديس وتزوجها لكنها سرعان ما فارقت الحياة بسبب ثعبان سام لدغها فغمره الحزن حتى صمم على النزول الى العالم السفلي لاستعادتها (الأمر الذي لم يفعله بشر من قبل). رق هاديس إله العالم السفلي لحاله وتأثر بعزفه حتى سمح له باصطحابها عائدا بها الى عالم الأحياء مشترطا عليه ألا يلتفت نحوها حتى يبلغا العالم العلوي لكن شوقه اليها غلبه فتلفت نحوها قبيل وصولهما الى مبتغاهما فاختفت في الحال فصرعه الحزن واليأس وأنكر صحبة البشر وهام على وجهه في القفار مغنيا وعازفا للصخور والأشجار حتى اغتالته شرذمة من النساء من أتباع إله الخمر ديونيس فمزقنه إربا إربا وألقن برأسه في النهر، لكن الرأس المقطوع ظل يغني للحبيبة يوريديس حتى وصل أخيرا الى شاطئ ليسبوس حيث عثرت عليه ربات الفنون ودفنّه، أما قيثارته فقد صعدت الى السماء وتحولت الى برج القيثارة.
رابط للاستماع الى العمل الموسيقي Ode for St Cecilia’s Day
لجورج فردريك هاندل:
https://www.youtube.com/watch?v=PwN7_R25P6g

Dryden, John

“A Song for St. Cecilia’s Day”

From harmony, from heav nly harmony
This universal frame began.
When Nature underneath a heap
Of jarring atoms lay,
And could not heave her head,
The tuneful voice was heard from high,
“Arise ye more than dead.”
Then cold, and hot, and moist, and dry,
In order to their stations leap,
And music s pow r obey.
From harmony, from heav nly harmony
This universal frame began:
From harmony to harmony
Through all the compass of the notes it ran,
The diapason closing full in man.

What passion cannot music raise and quell!
When Jubal struck the corded shell,
His list ning brethren stood around
And wond ring, on their faces fell
To worship that celestial sound.
Less than a god they thought there could not dwell
Within the hollow of that shell
That spoke so sweetly and so well.
What passion cannot music raise and quell!

The trumpet s loud clangor
Excites us to arms
With shrill notes of anger
And mortal alarms.
The double double double beat
Of the thund ring drum
Cries, “Hark, the foes come-;-
Charge, charge, tis too late to retreat.”

The soft complaining flute
In dying notes discovers
The woes of hopeless lovers,
Whose -dir-ge is whisper d by the warbling lute.

Sharp violins proclaim
Their jealous pangs, and desperation,
Fury, frantic indignation,
Depth of pains and height of passion,
For the fair, disdainful dame.

But oh! what art can teach
What human voice can reach
The sacred organ s praise?
Notes inspiring holy love,
Notes that wing their Heav nly ways
To mend the choirs above.

Orpheus could lead the savage race-;-
And trees unrooted left their place-;-
Sequacious of the lyre:
But bright Cecilia rais d the wonder high r-;-
When to her organ, vocal breath was giv n,
An angel heard, and straight appear d
Mistaking earth for Heav n.