حماده في الملكوت

ميلاد سليمان
2015 / 11 / 9

على بوابات سِدرة المنتهى، يدخل حمادة الملكوت بقدمه اليمنى ببلاهة فلاح ساذج يدخل مدينة باهرة لأول مرة، فبُهت عيزرائيل وهو مُرتخي الأجنحة في إحدى جلساته الحميمية مع صحبته من ملائكة الشاروبيم والصاروفيم، فقال مُحدّثًا نفسه:
- إيه اللي جاب الجدع دا دلوقتي؟
ثم نظر إلى ساعته في معصمه:
- مظبوط دا لسه له 40 سنة.
ينظر ساروفيل إلى حيث ينظر عيزرائيل :
- تعرفه دا؟
- أعرفه آه، عاملنا قلق تحت على الأرض.. بس المفروض معاد القبض عليه بعد 40 سنة.
- كدا هيعملّنا مشاكل.
يقترب حمادة من جلستهم النورانية، ثم قال في حياء وخوف:
- السلامعليكوووو... مش دي السما السابعة برضو؟
- أيوا، انت إيه اللي جابك دلوقتي؟
- حضرتك اتأخرت عليّا فقلت يمكن نسيت ولا حاجة، وكمان حضرتك قبضت أرواح كل اللي اعرفهم!
- لا منسيناش.. بس انت لسه فاضلك 40 سنة
- طيب ممكن اقابل ربنا، أصل عايز اقوله حاجة مهمة. يتدخل جبرائيل بصوته الرخيم المهيب:
- عايز الرب في إيه يا حماده؟
- اظن هو عارف.
يتبادلون النظرات الصامتة فيما بينهم، ثم يقول جيرائيل في إصرار:
- ربنا يعرف كل شيء ولا يخفى عليه أمر، لكن احنا لازم نعرف عشان نسمح لك تدخل لجلالته.
يشعر حماده بعدم راحة، ثم يقول:
- الحقيقة أنا نفسي اشوفه، واعرف منه حاجات كتير.. يستدعي جبرائيل -بصفقة من يديه- بعض الملائكة صغار الرتبة المختصين بكتابة الأعمال، ثم قال موجهًا كلامه لحماده:
- طيب نشوف أعمالك بقى ونعرف إيه ظروفك. يتدخل عيزرائيل في أدب منبهًا جبرائيل:
- بس دا يا ريس مُنتحر، يعني الموضوع منتهي. (يرمقه جيرائيل بنظرة جافة):
- أنا عارف، لكن لازم نشوف عشان الحساب يبقا مظبوط.. العدل والميزان وبلا بلا بلا...
عيزرائيل مستدركًا بانكسار:
- اللي تشوفه يا ريس.
يأخد جبرائيل السجلات من الملائكة، ثم يتصفح سجل الحسنات قليلًا، ثم قال:
- مانت كويس اهو... امال ايه اللي رماك الرمية السوده دي.
لم يتكلم حمادة لكنه بدأ يشعر بالاطمئنان، ثم أخذ جبرائيل يتصفح سجل السيئات، ولم تتغير ملامحه، ثم قال:
= امممم... شايف الجبل الناري اللي هناااااااااااااااااااك دا... إنت هتتعلق في قمته عاري الجسد...مشدود الأطراف.. وفيه نسر خول هيجي كل يوم يفقع بيضانك بمنقاره.. وهترجع تتطلع لك بيضان غيرها... ويرجع النسر في اليوم اللي بعده يفقعهم تاني وترجع تتطلع تاني.. وهكذا إلى الأبد..
نظر إليه حمادة ذاهلًا، ملأه الرعب وارتعش وانتفض حتى بلل سرواله ووقع على الأرض يصرخ ويبكي، ثم اهتزت صفوف الملائكة بضحك هستيري متواصل، وهم يضربون بأجنحتهم على صدورهم، فقال عيزرائيل وهو يمسح دموع الضحك من على وجنته الملائكية المنيرة:
= متخفش يا حماده، دا الريس بيحب يهزر بس... انشف كدااا..
وقف حمادة على قدميه من جديد، بينما يتدخل قائد الملائكة ميخائيل وقال بنبرة الرجل الطيب الذي يحب مساعدة الغرباء:
= بوص يا حماده... عشان تقابل ربنا... انت هتحتاج تشتري ورقة دمغة من هنااااااك ( وأشار إلى مكان تحرسه كلاب الجحيم النارية العملاقة) بعدين ترجع تختمها من المكتب اللي هنااااااااك دا من عند الخطيئة جولفدان (وأشار إلى مكان تجلس قبالته امرأة سمراء شعثاء ثمينة جدًا، وتمسك ساطور حاد في يديها وبجوارها على الأرض مُلقى عشرات الأعضاء الذكورية المبتورة التي تسيل منها الدماء الطازجة)
نظر إليه حمادة عاجزًا، ووقع على الأرض من جديد يبكي ويصرخ ويولول، فاهتزت صفوف الملائكة في وصلة ضحك عالية الصوت، فنظر إليه جبرائيل وهو لايزال يضحك وتسيل دموعه اللاإرادية وقال:
= بلاش تنتحر تاني يا حماده...
ثم انتبه وصحح لنفسه الكلام قائلا:
= إيه دا صحيح، ما هو أنت مش هتعرف تنتحر تاني خلاص... انت وصلت عندنا خلاص.
ثم تدخل صفوف الملائكة في وصلة أخرى من الضحك الهستيري عالي الصوت ضاربين بأجنحتهم على صدورهم وعلى الأرض وعلى بعضهم البعض.
ثم فجأة، سمعوا جميعًا صوتًا قويًا مجلجلًا هز السموات السبع، فخرّت الملائكة ساجدة في سرعة البرق، حتى تحول ضحكهم إلى سكون وصمتٍ تام:
- ما خلاص يا علء منك له... ابعتوهووولي.
‫-;-