أفسحي قليلاً يا مزبلة التاريخ؛ ثمة -شاعر- قادم!

ماجد الحيدر
2015 / 11 / 8

أفسحي قليلاً يا مزبلة التاريخ؛ ثمة "شاعر" قادم!
ماجد الحيدر

قيل إن "الشاعر الكبير" قد مات.
بعضهم تأسف له، وبعضهم تشفى منه. . بعضهم أكد النبأ وبعضهم نفاه، ولكن سواء عليّ أصدق الخبر أم كذب.
فهذا الرجل-الجثة مات في نظري من زمان بعيد بعيد؛ من أواخر السبعينات بالتحديد.
كنت كلما أبصرت وجهه المجبول من الطين الاصطناعي الذي يملأ الشاشة على إيقاع أهازيج الموت والخراب أرى بعين قلبي أخوي الشهيدين وأصدقائي ورفاقي وأبناء جيلي وهم يعذَبون ويقتَلون ويدفَنون أحياء ويختنقون بالأسلحة الكيميائية وتتطاير أشلاؤهم في الحروب المجنونة ويحشرون في سجون كعلب السردين.
من منا لا يتذكر هذا "الشيء" وهو يفتح عينيه الجاحظتين ويحرك يديه بحركات تهريجية مادحاً سيده وحبيبه وتاج رأسه لاعقاً أحذيته الملطخة بدمائنا رافعا عقيرته: أمان أمان.. عندي أمر من صدام يا بابا يا بابا، أصير اطنعش عام يا بابا يا بابا، واتطوع بالجندية!
من منا لا يتذكره وهو يذرف دموع "قصائده" على ذاك الصبي المدمن الشاذ مستعطفاً أباه القائد الضرورة كي يطلق سراحه بعد أن تغاضب عليه بسبب قتله خادمه الأمين في تمثيلية صارت مضرب الأمثال في الاستهتار بأرواح الناس والاستخفاف بعقولهم وهبوط "الأغراض الشعرية الكلاسيكية" الى حضيض جديد لم نسمع به من قبل؟!
لا تقولوا إنه شاعر كبير؛ربما كان ناظما محترفاً لكنه أبداً لن يكون شاعراً، لا كبيرا ولا صغيراً، لأنه وببساطة شديدة يفتقر الى ذرة من "شعور" تسمح له على الأقل بالتنازل عن صلافته والاعتذار ولو بكلمة لدموع الأمهات اللواتي كان يرقص على وقع نحيبهن.
ولا تقولوا إنه نظم قصيدة عن الحسين فهذا عذر لا ينطلي إلا على من يهوى الحصول على لقب "المغفل التاريخي" السيء الصيت!
ولا تقولوا إن آخرين مدحوا الطغاة فمن قال إنهم (أو أعمالهم تلك على أقل تقدير) محل اعتزاز وفخر، رغم ظني بأن الكثير منهم ومما قدموه من أعذار وتبريرات تتصل بالضعف والخوف واليأس وقلة ذات اليد وعطل المجمدة (نعم أعني ما أقول فهذا تبرير ساقه أمامي أحد الزملاء عندما عاتبته على نشر قصيدة مدح سخيفة!) محل رثاء قبل كل شيء! لكنهم اعتذروا على أقل تقدير، تحركت فيهم تلك "النحلة" التي تخز ضمائرهم وتجعلهم يصيحون: أخ، هاي إشسويت؟! أما هذا فقد "تدبغ" جلده وتقرّن فلا نحلة توقظه ولا يحزنون!
ولا تقولوا اذكروا محاسن موتاكم فهذا لم ولن يكون من موتانا.
لا الموهبة ولا التميز في ميدان ما، لا بل وحتى العبقرية والنبوغ يمنحان جواز المرور الى الذكر الطيب والخلود في ذاكرة الناس وفي سفر العظماء ما لم تكونا مقرونتين بشرف الموقف: تيمورلنك كان حافظا معروفاً للقرآن وهتلر كان رساما موهوبا ونيرون كان يظن نفسه بارعا في الغناء والتمثيل وصدام حسين تصور في نوبة من جنون العظمة أنه روائي كبير، ويروي لنا التاريخ الآلاف من هذه النماذج: فأين هم الآن من حكمه الذي لا يعرف المجاملة؟
نعم، أحترم كل مؤمن بدين أو مذهب أو اتجاه سياسي حتى إذا كنت وإياه على طرفي نقيض، لكن هذا الشيء لم يكن له شيء من ذلك.. لم يكن حتى شاعراً بعثياً كي نقول إنه حر في الدفاع عن معتقداته.. لم يكن غير شاعر الطاغية.. والطاغية فقط!
لا تفهموني صح! لست داعية انتقام ولم أدعُ يوماً الى محاكمة أحد من هؤلاء، رغم أن العالم "المتحضر" لم يتوانَ في أعقاب الحرب العالمية الثانية عن محاكمة بعض من الأدباء والمفكرين والعلماء الذين ارتضوا أن يكونوا تروساً في ماكنة النازية الوحشية، ولي طبعاً أسبابي "الوجيهة" لذلك:
فعدد هؤلاء خلال خمسة وثلاثين عاماً من الفاشية البعثية أكثر من أن يعد ويحصى ولا يستبعد أن تصبح مؤسساتنا الصحفية والإعلامية والأكاديمية صروحا خاويات تنعق فيها الغربان إذا أفرغت من كل من مدح صدام أو "تلوگ" له في يوم من الأيام! ثم من سيحاكمهم "أخلاقيا" على الأقل إذا كان اللاحقون من الحكام "أطگع" من السابقين وكان "القاضي منهم وبيهم"؟! وهل ستمنع محاكمة من هذا القبيل القادمين من "شعراء ومبدعين" من تكرار هذا "التقليد الحضاري" الضارب جذوره في أعماق تاريخنا الأدبي، والاجتماعي أيضا؟!
ولا أطالب الناس أيضا بأن يكونوا كلهم سوبرمانات أو كراندايزرات أو حتى كابتنماجدات كي يجهروا بمعارضتهم ويخاطروا برؤوسهم العزيزة أمام طغاة مجانين، لكنني أؤمن أن الفن والعلم والثقافة والدين لا جامع بينها وبين السمسرة أو إراقة ماء الوجه وبأنها مواقف أخلاقية وإنسانية قبل كل شيء.
لهذا أكرر ما قلته سابقا:
لا أحترم مهندساً يؤجر خبرته لبناء الزنازين التي يعلم علم اليقين أن إخوته سيتعفنون فيها.
لا أحترم عالماً يوظف علمه في صنع الأسلحة الفتاكة.
لا أحترم طبيبا يتاجر بأعضاء الأطفال.
لا أحترم أما تترك رضيعها على باب ماخور وتدوس على رأسه وهي تجتاز عتبته صحبة زبون عامر الجيب.
لا أحترم موظفاً يبيع نزاهته بحفنة دولارات.
لا أحترم رجل دين يتحرش بالأطفال.
لا أحترم جندياً يوجه مدفعاً صوب بيوت بلاده حتى لو كان يكره حكامها.
ولا .. لا أحترم "شاعراً" لاعقاً لأحذية الطغاة .. وليغضب من يشاء!